08 يناير, 2017

مفاهيم تأسيسية غائبة عن دنيا المسلمين

يغلب على تعامل المسلمين في العصر الحديث الوقوف عند مظاهر وأشكال تنحصر في العبادات والأركان، والإفراط في أداء هذه الطقوس فحسب، دون وعي بمقاصدها، فيكفي المسلم المحافظة عليها، بينما هو في غفلة عن جوهر الإسلام، ومنظومته الفكرية والعملية التي قاد بها الحياة، وجاء بها رحمةً وسلامًا للعالمين، وهو ما أدى إلى أوضاع بائسة بسبب غيبة أو تغييب مصادر القوة والتحضر في مجتمعات المسلمين، نستعرض بعضها.

فكر الإحياء والنهوض:

لا يقوم أساس المجتمع، ولا يعلو بنيان الأمة بدون فكر ناهض يحفز الهمم ويُحيي النفوس، فالطريق إلى البحث الديني والحياتي أصيل وراسخ في فكر الإسلام بآفاقه الرحبة، ولا تنهض الأمة بدونه؛ لمخاطبته الفطرة في الشخصية الإنسانية، وما تحتاجه من مقومات إيمانية، وحاجات بشرية، تمهد لقيام الفرد والمجتمع على بنيان راسخ، يرتكز على أسس حضارية مسطورة في التعاليم الإلهية، التي يجب أن تترسخ في الضمير والوجدان، وتنطبع على السلوك والممارسات الدنيوية للمسلم كجزء من إسلامه، وعلامة على التزامه الحق تجاه الخالق والناس.

ولا ينال من صحة هذه الأصول غيابها في دنيا المسلمين، وتعطيل العمل بها، وما تمخض عنه من التخلف والانكسار، على مثال ما هو حاصل من شواهد التبعية والدوران في فلك الفكر والسياسات الغربية في العصر الحديث، على نحو يستدعي معه الحديث الشريف: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه»(1).

ولن يكون غياب الصحوة والنهوض على الدوام؛ لأنه مرهون بمرحلة لها ظروفها ومعطياتها، فإن لكل مرحلة أو طور من حياة الأمم أسبابًا وعوامل أدت إليها قد تمضي في تحولها وتغيرها إلى حد إنكار ريادتها، لما صارت إليها من أقوال إلى الحد الذي تبدو الأمة أو الدولة في شكل ونمط مغاير، عما كانت عليه في السابق من مجد وازدهار كانت فيه ملء السمع والبصر، في دنيا الناس، يقتفي أثرها ويلهث وراءها الآخرون، فأصبحت في المؤخرة وعالة على غيرها.

يصدق ذلك الوصف على التراجع الحاصل في الأمة الإسلامية، واهتزاز صورتها فيما آلت إليه أمورها، وأصبحت عليه من الجمود والتخلف، الذي ترجع أسبابه إلى غيبة أو تغييب المفاهيم الصحيحة لمنظومة الإسلام، وتجاهل أمرها في الدين والحياة، وما آلت إليه من تعطيل الفكر والعمل الجاد، وفقد دورها أثره في التقدم والاستنارة والتحضر، والانصراف عن الفقه السديد المرتكز على أن الإسلام دين الحياة، لا ينعزل عنها ولا تنعزل عنه وأن الحياة في صميم اهتمام الإسلام.

ولو أدرك عقل المسلم حقيقة هذا الدين لأيقن أن بناء الإنسان الصالح أصل ومقصد من مقاصد الدين في الكون الذي يحيا فيه الناس، وأن التعايش بالإيمان وفق مبادئ الحق والعدل والسلام والعمل البناء والتوحد على ما فيه الخير والمصلحة هو من ركائز العمل النافع الذي به يكون التمكين، وهو وعد الله للمؤمنين؛ قال الله تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" ( النور : 55)

وهو من معالم الصحوة والنهوض الذي يجب على الفكر الإسلامي أن يبثه ويغرسه بين أطياف المجتمع ويؤكد عليه ليتربى عليه ناشئة المسلمين، ويمارسوه في حياتهم، وتنغرس ثقافته بين أفراد الشعب؛ ليكون بحق أساسًا للتعايش والتعامل به في داخل الوطن، فتنصهر به العلاقات بين شركاء الدين والوطن والمصير، فتمضي القاطرة واثقة على طريق التقدم والازدهار.

النهوض والهوية الإسلامية الجامعة:

الفكر يوجه المجتمع ويرسم معالم الطريق للبناء والتقدم، ويدرك أصحاب فكر الإصلاح الرشيد، والمخلصون من أبناء أوطان المسلمين، والمهمومون بشأن الأمة -أنه لا تناقض بين الإخلاص في العبادة، والتدافع من أجل البناء؛ ففيهما يكون النهوض، ولن تنجح حركات الإصلاح دون تربية المواطن الصالح الذي يعمل للدين والدنيا، بفكر وعمل خلّاق تنهض به الحياة في ظل منهج الإسلام الوسطي بمفهومه الجامع للروح والمادة، وهو يتجلى بالعمل النافع الذي يخدم به المسلم دينه ووطنه ليعيش به نموذجًا يؤسس لتعايشٍ قائم على التعاون والسماحة والعدالة والسلام والحرية.

على وفق هذه الرؤية لفكر النهضـة تتحـدد أسس ومعالم الإصلاح، ونظم الحكم والسياسة، في أوطان ومجتمعـات العـروبــة والإســـلام، تلك التي تتأسس على هوية الدين، والصالح العام، لا تقيم خصومةً بين الإيمان وحب الوطن، ولا تضع حواجز بين الإسلام والوطنية، ولا تخلق تناقضًا بين الولاء الوطني والانتماء للإقليم والأمة، ولا تصطـنع خصــومــة بين الأصــالة والمعــاصرة، فكلها دوائر يُثِري بعضها بعضًا، ويكمل أحدها الآخر، فهي تتكامل في منظومة جامعة.

وينطلق هذا الفكر من الوعي بحقائق الاجتماع البشري القائم على التنوع والاختلاف في الأديان والأجناس والأوطان، باعتباره مشيئة إلهية أرادها الله تعالى، ورسم طرق التعايش السلمي بين المختلفين، وجعلها سبيلاً للتعاون والتعارف، وليس للخلاف والصراع والتقاتل، فهذا من العصبية المرفوضة المنهي عنها، لما تقود إليه من الخصومة والتنازع وإزهاق الأرواح، فليس ذلك من الدين  في شيء، فقد رُوي عن الرسول أنه قال: «ليس منا مَن دعا إلى عصبية، وليس منا مَن قاتل على عصبية، ليس منا مَن مات على عصبية»(2).

هذا الارتكاز على فلسفة الإسلام في التعايش السلمي يُرسي أساسًا حضاريًا وعالميًا هو قبول الآخر المختلف عن المسلمين، ويبين بجلاء أن الإسلام يرفض الجمود والتعصب واحتكار الرأي، وحصر الدين في رؤى أحادية مغلقة تبغي اختطاف الإسلام، وجعله مطية للزعامة، والعلو لحساب جماعة أو حزب، ضاربين عرض الحائط التكامل بين الدين والوطن والشراكة الإنسانية، فهذه الأخوة تأبى أن يكون أبناء الدين والوطن الواحد بعضهم أعداءً للبعض الآخر، إذ إن الدين جاء ليجمع لا ليفرق، وليلتقي الشركاء في الوطن على الولاء له، والسير به لبلوغ مصالحهم المشتركة ولتستقيم به حياتهم وينالوا مرادهم في نطاق الهوية الجامعة للكل.

صراع الفكر والأيديولوجية في هذا العصر:

وليس الحال في مجتمعات وأوطان المسلمين على هذه الشاكلة من الفهم السديد للدين والشرعية في ضوء متغيرات العصر بسبب الصراع المحموم بين المنغلقين على أفهام ضيقة للدين، واختزاله في تفسيرات متعصبة وجامدة بوهم الدفاع عن وجوده، وحمايته من خصومه وأعدائه، واتخاذهم مواقف وأفكارًا تحصر الحق عندهم، وتُخطِّئ مخالفيهم ومَن اختار طريقًا غير طريقهم، إلى حد أن غيَّبوا أو شوَّهوا وسطية هذا الدين والمفهوم الصحيح للأمة الحضارية، حتى شغلوا أنفسهم والمجتمع من حولهم بأفكار وسلوكيات مغلوطة مردُّها إلى الجهالة أو العلم الناقص ومطامع النفوذ والسعي إلى الزعامة، وما هذا من الإسلام والدعوة العالمية التي تقوم على الإيمان والحق والفضيلة والسماحة والإقناع مع بني الوطن ومع الأغيار، إذ لا إكراه في الدين؛ وهو الأمر الذي يجعل من الأمة الإسلامية أمة الاعتدال والوسطية المؤمنة بالسلام والعدل، التي تتبوأ بها المكانة العليا بين الأمم.

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري.

(2) رواه أبو داود في السنن – كتاب الأدب – رقم 23/5.

كلمات دالة: