05 مارس, 2017

وكيل الأزهر يواصل سلسلة التجديد.. ويكتب: تهنئة غير المسلمين بأعيادهم

وكيل الأزهر يواصل سلسلة التجديد.. ويكتب: تهنئة غير المسلمين بأعيادهم

من القضايا التي ينشغل بها الناس ويتكرر الجدل حولها مع بداية كل عام ميلادي جديد، حكم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، وما يقال في كل عام يعاد من دون جديد يذكر ومن دون حاسم يحسم الجدل الدائر بين الإباحة والتحريم، ولا أثر من تكرار هذه الأقوال سوى شغل مساحات من صفحات الجرائد ومواقع التواصل وأوقات البرامج، الأمر الذي لا يعود بالخير على إسلامنا وبلادنا، بل ينتج عنه بلبلة لأفكار الناس وتكدير لصفو العلاقات بين أبناء الشعب الواحد، ناهيك من فتح باب للمتربصين بوحدة الشعوب ولحمتهم الوطنية.

والعجيب انشغال الناس كل عام بهذا الأمر أكثر من انشغالهم بفواجع تمر بها الأمة؛ حيث لا تأتي مناسبة احتفال بالعام الجديد غير مصحوبة بما هو أكثر إلحاحًا وحاجة إلى الانشغال بأمره وتكثيف الجهود سعيًا لحله، وكنت أحسب أن هذا العام سينشغل الجميع بالبحث عن حلول لمشاهد الدمار والخراب في كثير من بلاد العالم الإسلامي من غير تفريق بين صغير وكبير ورجل وامرأة ومحارب ومسالم، وكنت أظن أن الأسئلة ستلاحقنا عن مدى مشروعية التنكيل بالعزل ودفنهم تحت الأنقاض وواجبنا نحوهم، إلا أن صوت حكم تهنئة شركاء الوطن بأعيادهم ظل أعلى من صوت الصواريخ والقذائف والبراميل المتفجرة التي تنهال على رءوس البشر!

ويستدل هؤلاء المتنطعون من المتطفلين على موائد العلوم الشرعية الذين ابتلينا بهم في زماننا على تحريم تهنئة شركاء الوطن بأعيادهم ببعض النصوص التي اجتزءوها من سياقها، زاعمين أن في تهنئتهم مخالفة لكتاب الله، وإقرارًا ورضا بما هم عليه من غير الإسلام، ومن هذه النصوص قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»، ولو تأمل هؤلاء الآيات التي تسبق هذه الآية لعلموا أنها لا علاقة لها بالموضوع الذي نحن بصدده، فهذه الآية جاءت في سياق النهي عن ترك تعاليم كتابنا الكريم وأقوال علمائنا الأجلاء والأخذ بأحكام الكتب المنزلة على غيرنا من أهل الكتاب أو اتباع أقوال علمائهم، ولا شك أن هذا لا يمكن أن يقول به مسلم مؤمن بدينه، ويكفي المتجردين الراغبين في استجلاء الحق دون هوى أو عصبية مراجعة الآيات التي تسبق هذه الآية (من 47 – 50 من سورة المائدة)؛ حيث تنص هذه الآيات على احتكام كل أمة إلى كتابها؛ فيحتكم أهل الإنجيل لإنجيلهم وأهل القرآن لقرآنهم، فإن احتكموا إلينا اختيارًا حكَّمنا بينهم كتابنا لا كتابهم، ولا يجوز لنا أن نحتكم إلى كتابهم، كما لا يجوز لنا إكراههم على الاحتكام لكتابنا إن أرادوا الاحتكام إلى كتابهم، وهذا حق لا جدال فيه، ولا علاقة للأمر بتهنئتهم بأعيادهم.

ويستدل هؤلاء المتنطعون أيضًا بقول الله تعالى: «إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»، ولو نظر هؤلاء نظرة فهم وتدبر في الآية السابقة التي تدل دلالة واضحة على عكس ما ذهبوا إليه لاكتمل لهم فهم المراد فهمًا صحيحًا؛ حيث يقول تعالى: «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، ومن ثم فالنهي عن البر خاص بمن يناصبنا العداء ويقاتلنا سعيًا لاحتلال بلادنا وإخراجنا من أرضنا، وشركاء نسيجنا المجتمعي ليسوا من هؤلاء، بل إنهم ممن لم نُنه عن برهم والعدل فيهم بنص كتاب الله؛ حيث إنهم لا يقاتلوننا ولا يسعون لإخراجنا من أرضنا، فكيف تكون الآية دالة على ما يزعمه هؤلاء من تحريم تهنئتهم بأعيادهم؟! أليس من البر إدخال السرور على قلوبهم بما يبين أننا لا نحمل لهم ضغينة ولا نرجو لهم شرًّا، وهو ما يستشفونه من تهنئتهم بأعيادهم؟! ألم نؤمر في كتاب ربنا وسنة نبينا - وهو مما انعقد عليه إجماع الأمة - بإقرارهم على ما يعتقدونه من ديانات تخالف دين الإسلام متى سالمونا ولم يقاتلونا وينصروا علينا عدونا؟! ألم يأمرنا رسولنا الكريم بالامتناع عن إيذائهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «من آذى ذميًّا فقد آذاني»؟! ألم يوصنا رسولنا نحن أهل مصر خيرًا بأقباطنا في جملة من الأحاديث التي يحفظها كثير من الناس؟! فهل يكون إنفاذ وصايا رسولنا الأكرم بإيلامهم بالحديث عن تحريم تهنئتهم في أيام أعيادهم؟!

إن قواعد شرعنا الحنيف تقضي بتبني ما يجمع الناس ولا يفرقهم ويعزز وحدتهم ويقوي نسيجهم ليقف الجميع صفًّا واحدًا من أجل الدفاع عن وطنهم ودفع عجلة تنميته، فإن هُدد الوطن في أمنه وحدوده تسابق الجنود من المسلمين والمسيحيين لدحر عدوهم ورده خائبًا، ونحن لا نتحدث هنا عما ينبغي أن يكون، بل حدث هذا مرارًا وتكرارًا، وحروب الكرامة التي وقعت على أرض سيناء وغيرها خير دليل على ذلك؛ فقد اختلطت فيها دماء المسيحيين والمسلمين، ولم تمنع مسيحية المسيحيين من دخولهم الجامع الأزهر وخروجهم مع علمائه هاتفين باسم الوطنية، ولم يمنع إسلام العارفين بديننا الإسلامي حق المعرفة من تأسيس «بيت العائلة المصرية» الذي يتناوب على رئاسته شيخ الأزهر وبابا الكنيسة في قلب مشيخة الأزهر، وهي تجربة فريدة تغبطنا عليها كثير من دول العالم وتفكر بجدية في نقل التجربة إلى بلادها، ولم يفرط شيخ الأزهر في شيء من ثوابت ديننا عندما يذهب مع معاونيه لتهنئة البابا ورجال الكنيسة في المناسبات المختلفة، ولذا كان من الأولى لهؤلاء الذين يفتون الناس بغير علم إما الاقتداء بأئمتهم وفي مقدمتهم شيخ الأزهر المعتز بدينه والمتمسك بثوابته وتعاليمه دون نظر إلى رضا مخلوق أو سخطه، فهو يعلم علم اليقين أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإما ترك الأمر دون الخوض فيه بما يلبس على الناس، خاصة أنه لم يطلب منهم أحد ولن يسألهم عن عدم تهنئتهم بأعياد لا يرون التهنئة بها متوافقة مع شريعة الإسلام حسب زعمهم.

قراءة (1155)/تعليقات (0)

كلمات دالة: