العربية (مصر)

المعجزة ( من كتاب مقومات الإسلام- لفضيلة الإمام الأكبر أ. د أحمد الطيب)
Azhar Center for Translation
/ الأبواب: مقالات

المعجزة ( من كتاب مقومات الإسلام- لفضيلة الإمام الأكبر أ. د أحمد الطيب)

المعجزة

النبوة والمعجزة:

النبوة من الأمور الخارقة للعادة، فهي ليست من الظواهر التي تجري على القواعد المألوفة أو تنضبط بالقوانين والسنن الكونية... ففي النبوة اتصال مباشر بين شخص معين من البشر، وبين قوى غيبية عليا يعجز الإنسان العادي عن إدراكها أو الاتصال بها عجزاً مطلقاً، وفي النبوة "إدراك" يدعيه النبي. وهو إدراك خفي محجوب عن أسماع الناس وأبصارهم وكل قواهم المدركة ما ظهر منها وما بطن، وفي النبوة "ادعاء" بأن النبي تلقى أخباراً من السماء في أقل من لمح البصر وكل هذا مما يصطدم اصطداماً مباشراً مع "عادات" الناس وما جرت به من نظم وقوانين.

ومن هنا كانت "النبوة" أمرا بعيد الاحتمال في دائرة ما تعوده الناس وألفوه في حياتهم، ومن هنا أنكر المنكرون على الأنبياء دعواهم النبوة وقاوموهم مقاومة شديدة، وكان مبعث إنكارهم هو استبعادهم لأن يتفرد واحد بظاهرة غريبة لا يقدر عليها سائر الناس.. وكان في تفكيرهم: أن "النبوة" لو كانت أمرا صحيحا فإما أن يستطيعها الناس جميعًا، وإما أن تناط بكائن غير بشري.. أما أن تكون "النبوة" أمرا خارقاً لنظم البشر وعاداتهم ومألوفاتهم، ثم تظهر على واحد من هؤلاء ابشر، فهذا هو- في زعمهم - التناقض الذي لا تطيقه عقولهم، وكانوا يحتجون على أنبيائهم بأنهم بشر مثلهم، وأنهم لا يجدون في أنفسهم شيئاً مما يقوله هؤلاء، ومرة يظهرون حيرتهم من بشرية النبي ومماثلته للناس في الأكل، والشرب، والمشي في الأسواق، وأخرى يبدون دهشتهم من عدم تحمل الملائكة لهذا الأمر وقيامهم به بدلاً من هؤلاء البشر، وثالثة يهربون من المواجهة جملة وتفصيلاً، ويحيلون القضية كلها إلى دائرة "السحر" أو "الجنون" أو "التلقي من أشخاص خفية مستورة". وليس وراء هذه الاعتراضات إلا دافع واحد هو: فهم الكفار والملحدين للنبوة بالمقاييس العادية التي تعودها الناس.

- ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (إبراهيم:10).

-﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ (يس:15).

-﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرسول يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (الفرقان:7-8).

-﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (الحجر:6-7).

-﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ (ص:4).

-﴿أَءُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (ص:8).

_﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (المؤمنون:34).

ونلاحظ من سياق الآيات مجتمعة أن منكري النبوة كانوا ينطلقون في تكذيبهم للأنبياء -من استبعاد اتصالهم بالملأ الأعلى مع احتفاظهم في نفس الوقت ببشريتهم، وقد بنوا استبعادهم هذا على أن "منطق" العادة والحس، ضرورة مطردة لا يصح ان تتخلف. ولذلك طلبوا من الأنبياء برهاناً قاطعا على صدق دعواهم لا يترك لديهم مجالا لشك أو ريبة: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (إبراهيم:10). وهذا الذي طلبه المنكرون إنما هو المعجزة.

وحقيقة النبوة إذا كانت أمراً خارقاً للعادة لأنها تشتمل على أمور تصدم القوانين العادية فلا بد أن يكون برهانها أو دليلها من جنسها أيضاً أي لابد أن يأتي النبي بأمر خارق للعادة يثبت به "نبوته" ويحمل العقل السوي على تصديقه، وهذا الأمر الخارق هو: المعجزة وهي التي يخرق بها الله العادة على يديه، فإذا صدق الناس

المعجزة التي جاء بها النبي (وهي أمر خارق) فسوف تسقط كل حججهم في رفض (النبوة) على أساس أنها تخرق عادات الناس، لأنهم لا يستطيعون أن يفرقوا في التصديق بين المعجزة وبين النبوة فكلاهما أمر خارق للعادة.

وأذن، فصدق النبوة والمعجزة أمران متلازمان، والمعجزة هي دليل العقل الأوحد-في حالة الإنكار-على صدق النبوة[1].

تعريف المعجزة:

يعرف علماء العقيدة المعجزة بأنها أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة، عند تحدي المنكرين على وجه يدل على صدقه، ولا يمكنهم معارضته[2] ويشترط في المعجزة أن تكون:

 ١ -فعلاً من الأفعال المخالفة لما تعود عبه الناس وألفوه.

 ٢ -أن يظهره الله على يد من يدعي النبوة.

٣ -أن يكون الغرض من ظهور هذا الفعل الخارق هو تحدي المنكرين، سواء صرح النبي صاحب المعجزة بالتحدي أو كان التحدي مفهوما من قرائن الأحوال.

٤ -أن تجيء المعجزة موافقة ومصدقة لدعوى النبوة، فإذا حدثت المعجزة وكذبت النبي في دعواه فلا يكون النبي صادقاً، كما لو نطق الجماد مثلا بتكذيب صاحب المعجزة.

٥ -أن يعجز المنكرون عن الإتيان بمعجزة مماثلة لمعجزة النبي، أي يعجزون عن معارضته.

الفرق بين المعجزة والكرامة:

المعجزة والكرامة كلاهما أمر خارق للعادة، والفرق بينهما أن المعجزة تظهر على يد النبي ومن شروطها: دعوى النبي، أما الكرامة فتظهر على يد الأولياء من عباد الله الصالحين، وكرامات الأولياء لا تفسر -فقط — بالإيمان والعمل الصالح الذي يوفق إليه الولي، بل تفسر أيضاً بالأمر الخارق للعادة الذي يظهره الله على أيدي الأولياء والتأثيرات التي تحدث بواسطتهم في الأشياء على خلاف العادة، وكل ما يعرف عن الأولياء في هذا المجال من إشرافات ومكاشفات تتخطى الحجب والحواجز. والهدف من حصول كرامات الأولياء استمرار الدلائل على تمام قدرة الله تعالى، وأنه فعال لما يريد، وأن لله سننًا أخرى تعلو فوق هذه السنن الكونية وتتدخل فيها وتبطل قوانينها متى شاءت إرادة القادر المختار. يقول ابن تيمية: "ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات، والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة. وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة"[3].

الفرق بين المعجزة والسحر:

وإذا كانت المعجزة خارقة للعادة فإن السحر ليس من خوارق العادات، وإنما هو تخييل يرجع إلى خفة في اليد أو يرجع إلى الشعبذة، والساحر إنما يؤثر على أعين الناس فيجعلها ترى أشياء لا حقيقة لها في واقع الأمر، وبعبارة أخرى: إن السحر لا يقلب حقائق الأشداء ولا يغيرها ولا يؤثر فيها، وإنما هو تخييل يحدث للرائي وليس به أي مقابل موضوعي في واقع الأشياء: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ (الأعراف:116).

وكأن القرآن الكريم يشير إلى أن المتأثر بالسحر هو أعين الناس وليست حقائق الأشياء، والسحر في هذا الإطار يعادل ظاهرة السراب الذي يراه الإنسان رأي العين وليس له أي وجود في واقع الأمر. بينما المعجزة هي -كما عرفنا-تأثير حقيقي في واقع الأشياء بتغييرها أو إلغائها أو إبطال تأثيرها وقوانينها.. على أننا لو اعتبرنا السحر فعلاً خارقاً للعادة ومؤثرا في ذوات الأشياء فسوف يظل الفرق بعيداً جداً بينه وبين المعجزة، فالمعجزة -كما أشرنا من قبل-من شروطها أن يعجز الناس عن معارضتها، أي: عن الإتيان بمثلها، لأنه ليس في طاقة البشر أن يخرجوا عن السنن والقوانين الكونية ويطالعونا بالمعجزات، أما السحر فإنه في مقدور أي شخص أن يتعلمه ويتقنه بحيث يسهل عليه أن يعارض أي ساحر آخر ويأتي بمثل ما أتى به أو بأكبر منه.. فالفرق بين المعجزة والسحر يكمن في:

 ١ -أن السحر تخييل يتعامل مع الأعين لا مع الأشياء، والمعجزة حقيقة تؤثر في ذوات الأشياء.

٢ -أن المعجزة تستحيل معارضتها والرد عليها بمعجزة أخرى، بينما السحر علم يمكن أن يتعلم ويعارض بمثله.

٣-أو في الأمرين جميعاً.

المعجزة مستحيل عادي لا عقلي:

ويجب أن نعرف أن المعجزة وإن كانت مستحيلاً عادياً أي مما تحيله العادة، إلا أنها ليست مستحيلاً عقلياً، وإنما هي من الممكنات العقلية، والممكن العقلي هو: ما يستطيع العقل تصور حدوثه ووقوعه مثل تصور وجود نار بلا حرارة حارقة، أو تصور قمر منقسم إلى شقين أو تصور انفلاق في البحر يشطر الماء شطرين عظيمين.. كل هذه التصورات لا يجد العقل بأساً أو حرجاً في تصور وقوعها، وقدرة العقل على تصورها هي نفسها برهان إمكانها وقبولها للوقوع، فليس هناك أي مانع يمنع العقل من أن يتصور شخصاً يلقى في اللهب ولا يحترق أو قمراً منشقاً إلى نصفين أو طريقاً جافاً يقسم البحر إلى قسمين.

وصحيح أن هذه الأمور مستبعدة أو مستحيلة على مستوى ما ألفه الناس واعتادوه، لكن العقل لا يرفض إمكان حصولها بالفعل ولا يحيله.

ونستطيع أن تقارن هذه الأمور بأمور يرفض العقل حدوثها ويعجز عن مجرد رسم صورة ذهنية لها.. مثلاً: لو حاول العقل أن يتصور حدوث مثلث له أربعة أضلاع أو وجود شخص في مكانين في آن واحد أو وجود جسم صغير أكبر من جسم كبير أو اجتماع لون أبيض مع لون أسود بحيث يكون هدا الشيء أبيض أسود معاً أو أن مجموع ١ + ١ = ٥. إن مثل هذه التصورات يرفضها العقل منذ أول وهلة، ويعجز منن البداية عن مجرد تصورها لأنها مستحيلات عقلية لا يمكن أن تقع أو تحدث على مسرح الوجود فالمستحيلات قسمان:

 ١ -مستحيلات عادية: تحيلها العادة فقط ولكن يجوز العقل حصولها ووقوعها.

 ٢ -مستحيلات عقلية: يحيلها العقل وتحيلها العادة من باب أولى.

فإلى أي القبيلين تنتسب المعجزات؟ إنها تنتسب إلى النوع الأول، أي أن المعجزة وإن كانت مستحيلة وبعيدة على مستوى العادة إلا أنها تدخل في قسم الممكنات التي لا يرى العقل بأسًا في تصور حدوثها. والذين ينكرون المعجزات ويقولون إنها مستحيلات عقلية يغفلون عن طبيعة المعجزة، ويخلطون بين الاستحالة العادية التي يمكن أن تتخلف، والاستحالة العقلية التي لا يمكن أن تتخلف بحال من الأحوال.

في هذا الإطار جاءت خوارق العادات على يد الأنبياء معجزات وبراهين على صدق النبي في دعواه النبوة. وكانت كل معجزة من جنس ما برع فيه القوم الذين أرسل إليهم النبي فكانت معجزة موسى - عليه السلام - مناسبة لما غلب على قومه وبرعوا فيه وهو السحر، فأبطل موسى بآياته سحرهم ولم يستطيعوا أن يعارضوه في شيء مما جاءهم به وهم الخبراء المتخصصون في هذا الفن، وكانت النتيجة أن سارع كبار السحرة إلى التصديق بنبوة موسى عليه السلام، والإيمان بما جاء به، وكذلك لما بعث الله عيسى عيه السلام في مجتمع ظهرت فيه العلل وبرع أهله في مهنة الطب جاءهم بمعجزة من جنس ما برعوا فيه فأحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله وأثبت الله به الحجة على قومه[4].

ونستطيع أن نقول إن جميع معجزات الأنبياء السابقين على سيدنا محمد وعليهم أجمعين كانت:

١ -معجزات حسية: كالعصا والآيات التسع بالنسبة لموسى عليه السلام وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه بالنسبة لعيسى عليه السلام.

٢ -معجزات محصورة: في أماكن معينة وأزمان معينة أيضا، لأن رسالات الأنبياء السابقين لما كانت رسالات خاصة بشعب معين، ولها أجل محدود جاءت معجزاتهم حسية تتناسب مع محدودية الرسالات التي كلفوا بها.

معجزة النبي ﷺ:

ولما كانت رسالته رسالة عامة للناس جميعاً، وكانت رسالة خاتمة وباقية بقاء النوع الانساني، كانت معجزته الأولى معجزة عقلية، أي معجزة لها طبيعة: العموم والاستمرار، حتى يمكن أن تظل برهانًا مستمراً على رسالته وعلى عموم رسالته واستمرارها كذلك، وهذه المعجزة العقلية هي "القرآن الكريم". ووجه الإعجاز في القرآن يمكن أن نلخصه في ثلاثة أمور:

الأول: أنه بلغ في روعة البيان وجمال القول ودقته مستوى سجد له أئمة الفصاحة والبلاغة من قريش، ومن غير المؤمنين به والمتبعين له. وقد أحسوا هم أنفسهم بأن الكلام الذي يتلوه النبي على مسامعهم لا يتشابه مع ما ألفوه من أساليب البيان لا في قليل ولا كثير، واعترفوا بأنه من مستوى آخر يعلو فوق مستوى كلام الإنس والجن -وقد تحداهم القرآن بأن يأتوا بمثله أو بمثل سورة واحدة منه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88). ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (هوده: 13). ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 23).

وكان هذا التحدي يقرع مسامعهم ليل نهار ويستفز فصحاءهم وبلغاءهم.

لكنهم لم يجيبوا على هذا التحدي إلا بمزيد من العجز والاستسلام وهم أحرص الناس على مجابهة التحدي بتحد أعنف وأشد، وهم أحرص الناس أيضاً على الكيد لمحمد وتدمير رسالته وتحطيمها من الجذور.

الثاني: أن القرآن أخبر عن أمور غيبية لم تكن حدثت وقت إخبار النبي بها ثم حدثت بعد ذلك وعلى الوجه الذي حدده القرآن الكريم، وكذلك أخبر القرآن بمعلومات - لم تكن معروفة - ولم يكن النبي قبل أن ينزل عليه الوحي بهذه الأخبار - يعرف شيئًا عن تاريخ الأمم، فقد كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب وكانت بيئته العربية بيئة وثنية - لا تعرف شيئًا من كل ذلك. وكان علماء اليهود والنصارى يتحدونه بأسئلة تتعلق بتاريخهم وتراثهم وكان يجيبهم في ثقة المطلع على حقائق الأمور، على كل ما يسألونه[5]: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: 44-46).

الثالث: ما تضمنه القرآن من تشريعات اجتماعية ومن قيم ومفاهيم عن الإنسان والكون، والعلاقات الاجتماعية، لم تعرف البشرية حتى الآن مثيلاً لها في دقتها وشولها وعدلها وإنصافها.

المعجزات الحسية للنبي ﷺ:

هذا القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى للنبي ، وهو معجزة عقلية تتصف بصفتين أساسيتين: العموم لجميع الناس بل وجميع الجن أيضاً، والاستمرار إلى آخر الزمن.. ولكن هل انحصرت معجزة النبي في القرآن الكريم الذي هو معجزة عقلية.. أوله معجزات أخرى حسية؟

جمهور علماء المسلمين على أن هناك خوارق حسية حدثت على يديه منها:

-انشقاق القمر، وقد أشار إليه القرآن الكريم في مطلع سورة القمر فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر:1).

ووردت به روايات عديدة من طرق شتى بلغت حد التواتر، حددت مكان الحادثة وزمانها[6].

-نبع الماء من بين أصابعه الكريمة، وهنا يقول أنس بن مالك: "رأيت رسول الله وحانت صلاة العصر فالتمس الوضوء فلم يجدوه فأتى رسول الله بوضوء فوضع رسول الله يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضأوا عن آخرهم"[7]، وفي رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما لما سئل عن عدد القوم قال: "لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة"[8]. وفي رواية أخرى يقول جابر: "فو الذي أذهب بصري لقد رأيت الماء يخرج من بين أصابع رسول الله حتى توضأوا أجمعون"[9].

-ومنها حادثة سراقة بن مالك[10]، وحنين جذع النخلة لما فارقه واستبدل به منبره[11]، وإخباره عن فتح خيبر[12]، إلى خوارق أخرى كثيرة تواترت رواياتها وتقبلها خاصة المسلمين وعامتهم، ولكن هل كانت هذه الخوارق الحسية معجزات أو هي إكرام من الله تعالى لرسوله ؟

وفي اعتقادنا أنها نوع إكرام وليست معجزات أو دلائل على إثبات نبوته ، إذ القرآن الكريم هو المعجزة الوحيدة في هذا الموضوع.

الرسالة الخاتمة:

والاسلام هو الرسالة الخاتمة، والحلقة الأخيرة في سلسله الرسالات التي نزلت من السماء، ورسوله هو خاتم المرسلين، ونبوته هي النبوة الأخيرة أو النبوة الخاتمة.. وللنبوة الخاتمة مدلولان:

-المدلول الأول سلبي وهو عدم ظهور نبوة أخرى أو أنبياء آخرين.

-والمدلول الثاني إيجابي وهو استمرار النبوة وامتدادها مع الزمن.

والمدلول الأول يصدقه التاريخ ويؤكده الواقع، فقد مضى على ظهور الإسلام أربعة عثر قرنا لم يظهر فيها نبي جاء برسالة أو ادعى النبوة وكوَّن أمة ونجح في دعواه أو صدقه الناس. وهذا ما قرره القرآن منن البداية في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رسول اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: 40).

وفي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3).

بل هو عين ما أخبر به النبي بقوله: "أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب"[13].

أما المدلول الثاني لخاتمة الرسالة المحمدية فيعني عموم هذه الرسالة واستمرارها مع الزمن، وأن الإسلام هو الحلقة الأخيرة في سلسله الأديان السماوية، وأنه الباب الوحيد الذي ظل مفتوحاً على السماء، وأنه الصلة الصحيحة التي لا زالت تربط الإنسان بخالقه. فللرسالة الإسلامية -بهذا الاعتبار -وجوه ثلاثة: فهي رسالة خاتمة، ورسالة عامة، ورسالة مستمرة، والوصف الأول يقتضي الوصفين الآخرين ويستلزمهما، ذلك أن الرسالة المحمدية إذا كانت:

١ — رسالة خاتمة فإن ذلك يقتضي أن تكون رسالة عامة للناس جميعاً، ولا يصح أن يختص بها البعض دون البعض الآخر، وإلا جاء الهدى الإلهي ناقصًا يفيد منه قوم ويحرم منه آخرون. والقرآن الكريم في غير موضع يقرر هذه الحقيقة في نصوص صريحة واضحة:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رسول اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: 158). ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (الحج: 49). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: 28). إلى آيات أخرى خاطب فيها القرآن الناس جميعا بكلمات من قبيل: |"يا أيها الناس" "يا بني آدم" "العالمين" "يا أهل الكتابوذلك في نفس الوقت الذي وصف فيه القرآن الكريم الرسالات السابقة بأنها رسالات خاصة بأقوام معينين: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (الأعراف:59). ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (الأعراف: 65). ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (الأعراف: 73). ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (الأعراف: 85). وقال في شأن عيسى- عليه السلام: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (آل عمران:49).

٢ -وخاتمية الرسالة المحمدية تقتضي أيضا أن تكون رسالة مستمرة وإلا لزم انقطاع الهدى السماوي وتوقف اللطف الإلهي عن الخلق والعباد، وهذا نقص يستحيل أن يتصف به اللطيف الخبير، والقرآن الكريم وهو يوجه خطابه لجميع الأمم والملل والأديان وجهه مطلقًا من أي قيد زماني، مما يدل على أن هذه الرسالة ليست خاصة بزمن معين أو فترة محدودة، بل نص القرآن الكريم على هذا المعنى فقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: 33).  وعن عبيد الد بن عمر أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال: "يا أيها الناس إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبيا ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذي أنزله عليه كتابا فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة"[14].

ونستطيع أن نرجع بأسباب ختم الرسالة المحمدية وعمومها واستمرارها إلى سببين أساسيين:

السبب الأول: أن الرسالة الإسلامية بقيت سليمة ومحفوظة ضمن النص القرآني، ولم تتعرض لأي نوع من أنواع التحريف والتغيير، وهذه خاصة تفرد بها القرآن الكريم من بين سائر الكتب السماوية التي منيت بشيء غير قليل من التحريف، وأفرغ معه كثير من محتواها ومضمونها الحقيقي:[15]

-﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9).

-﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 41،42).

السبب الثاني: أن شريعة الإسلام تستجيب لكافة الاحتياجات التي، تتطلبها المجتمعات الراهنة والمجتمعات المستقبلية، فهي مبنية على أصول إنسانية روعيت فيها حاجات البشر المستجدة والمستحدثة، ومتضمنة لكل المطالب الضرورية والكمالية التي تجعل من حياة الناس حياة ميسورة وحياة فاضلة كريمة... ومشتملة على كل الضمانات التي تكفل للحياة بقاءها واستمرارها وصيانتها عن الفساد والانحراف. وقد وصف القرآن الكريم هذه الشريعة السمحة من خلال وصفه للنبي الخاتم. فقال ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف:157). كما قرر استمرار هذا الدين في الآيات الكريمة التالية:

-﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3).

-﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: 85).

-﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19).

ومع شريعة بهذه الصفات والخصائص الجامعة لا يجد العقل مسوغًا لظهور شريعة أخرى ومجيء رسول آخر.

 

[1] - الميزان في تفسير القرآن 84،1.

[2] - شرح الجلال على العقائد العضدية ٢، ٢٧٦.

[3]- العقيدة الواسطية ص 124- 125.

[4] - راجع تفسير الميزان 6، 222.

[5] - راجع في هذا الموضوع: محمد باقر الصدر: موجز في أصول الدين ١ ٨ وما بعدها؛ وايضًا: وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى 175 وما بعدها.

[6] - راجع هذه الروايات في صحيح البخاري (فتح الباري) ٦ ،٧٣.

[7] - المصدر نفسه٦، ٦٧٢.

[8] - المصدر نفسه نفس الصفحة.

[9] - المصدر نفسه نفس الصفحة.

[10] - المصدر السابق ٧٢٠ .

[11] - يقول ابن عمر رضي الله عنهما: "كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحنَّ الجذع فاتاه فمسح يده عليه" . فتح اباري ٦٩٦،٦.

[12] - المصدر نفسه، ٧٢٢.

[13] - صحيح البخاري- ج4 ص162 كتاب المناقب- باب7، وأخرجه مسلم في صحيحه بزيادة "الذي ليس بعده أحد" ج2 ص 1828 كتاب الفضائل (باب في أسمائه ﷺ).

[14] - سنن الدارمي: ج١ ص115 المقدمة (باب ما يتقي من تفسير حديث النبي ﷺ (ضمن الكتب الستة).

[15] - محمد باقر الصدر: المصدر السابق ص٩٤.

طباعة
141 Rate this article:
لا يوجد تقييم

مرفقات

  • resize(.jpg, 35.79 KB) - 12 مرات التحميل

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.

x