28 أكتوبر, 2018

الأحكام بين التعطيل ومعاودة الاجتهاد!

يخلط بعض الناس بين تعطيل تطبيق بعض أحكام الشريعة، وتغيير حكم مسألة ما ورد فيها حكم اجتهادي عن الفقهاء واستبدال حكم آخر اجتهادي به، ومن ذلك ما سمعته من بعض المتحدثين؛ حيث يستشهدون على جواز الاجتهاد في أحكام المواريث الثابتة بنصوص قطعية الثبوت والدلالة ولا تحتمل الاجتهاد، بأن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عطَّل باجتهاد منه حد السرقة الثابت بنصوص قطعية من الكتاب والسنة، واجتهد في حكم إعطاء المؤلفة قلوبهم من أموال الزكاة وعطَّل سهمهم الثابت بنص قطعي في كتاب الله عز وجل، كما استشهد بعضهم باستبدال قوانين وضعية بأحكام ثابتة يقينًا كتلك الأحكام الواردة في تقسيم التركات، ومما استشهدوا به في هذا السياق إلغاء الرق المنصوص عليه في كتاب الله وسنة رسوله بقوانين وضعية، واستبدال عقوبات أخرى بأحكام الحدود الثابتة يقينًا بنصوص قطعية كقطع الأيدي والجلد أو الرجم وغير ذلك. وهو ما يعني - في زعمهم - إمكانية الاجتهاد في النصوص الشرعية دون تفريق بين قطعي وظني!

وهذا الأمر فوق كونه خلطًا كبيرًا وخطرًا عظيمًا في تناول المسائل الشرعية بالنظر، يؤكد ما ذكرته مرارًا وتكرارًا من خطورة تصدي غير المؤهلين للنظر في الأحكام الشرعية، والأخطر من ذلك تناول المسائل الشرعية من منطلق عقلي فقط دون التزام بضوابط النظر العلمية؛ ففرق كبير بين إيقاف سيدنا عمر تطبيق حد السرقة، وتغيير أحكام المواريث واستبدال أحكام أخرى بها، فسيدنا عمر لم يغير الحكم ولكنه لم يطبقه لمدة مؤقتة فُقدَ فيها شرط من شروط إقامة الحد، وهو انتفاء الشبهة الطاعنة في اكتمال الجريمة الموجبة للقطع، ومن المعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات، حتى إن المقر بجريمة حدية لو تراجع عن اعترافه لم يقم عليه الحد؛ لتمكن الشبهة من الحد، وكذا لو رجع الشهود أو بعضهم عن شهادتهم على مرتكب الحد سقطت عنه العقوبة حتى لو بقي بعضهم متمسكًا بشهادته عليه. وفي عام الرمادة الذي أوقف فيه سيدنا عمر تطبيق حد السرقة تمكنت من الحد شبهة الجوع التي عانى الناس منها فأسقطته؛ حيث فُقد شرط العدوان على المال بأخذه للضرورة أو الحاجة الشديدة وهي جوع الآخذ، فسقط الحد وبقي المال المأخوذ دينًا في عنق آخذه، أما حكم السرقة فباقٍ كما هو ولم يتغير وإن لم يطبق إلى حين، وهذا خلاف ما يقول به دعاة تغيير حكم توريث المرأة.

أما ما فعله سيدنا عمر بسهم المؤلفة قلوبهم، فلم يكن اجتهادًا في نص قطعي كما يزعم هؤلاء، ولكنه وقف لتطبيق الحكم لزوال علته، فعلة أخذ المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة كان تأليفًا لقلوبهم؛ لأن الإسلام كان في ضعف وقلة أتباع، كما كان يرجى من ذلك ترسخ الإيمان في قلوبهم واستقراره في نفوسهم، فلما زالت العلة وقوي الإسلام برجاله، ومضت مدة كافية تحول فيها إيمانهم إلى إيمان حقيقي؛ رأى سيدنا عمر أن علة أخذهم من مال الزكاة زالت فلم يعطهم، وهذا لا يعني إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم ولا نسخه كما يدَّعون، ولكن وقف تطبيقه لفقد سببه.

وأما قولهم باستبدال عقوبات قانونية وضعية بأحكام الحدود، فهي مغالطة أخرى؛ لأن أحكام الحدود باقية كما وردت في نصوصها، ولا سلطة لبشر في تغييرها أو استبدالها، فإن توافرت شروط تطبيقها ولم تطبق أثم مَن عطَّلها، وإن لم تتوافر شروطها أو بعضها لم تطبق؛ لفساد الذمم المورثة للشك في شهادات كثير من الشهود، أو لشبهة الجوع والاضطرار، أو لانتفاء الحرز كما في السرقة مثلًا، وكذا حد الزنى يصعب تحقق شروط إثباته بالشهادة؛ حيث يندر أن يرى أربعة من الرجال العدول الجريمة بوصفها المشروط شرعًا لإقامة الحد على الفاعل، إلا أن يقر الفاعل بارتكابه هذه الجريمة ويطلب إقامة الحد عليه، وهو ما لم نسمع به بعد ماعز والغامدية في قصتهما المعروفة! وبذلك يتبين أن الحدود لم تتغير، وإنما عُطِّلت أو لم تكتمل شروط إقامتها على الفاعلين، وهذا لا يغير وصف أفعالهم عند الله، ولا يعني عدم مؤاخذتهم عليها في الآخرة.

والقول بتغيير حكم الرق وإنهائه بالقوانين الوضعية فيه جانب كبير من الخطأ كذلك؛ فالرق أنهاه الشرع الحكيم من دون تحريم في مسلك عجيب؛ حيث كره الإسلام الرق الذي وجده منتشرًا بين الناس، بل كان جزءًا من اقتصادات المجتمع الجاهلي، وقد انتقل بهذا الموروث مَن دخل الإسلام إلى حياته الجديدة، فلم يكن من السهل القضاء عليه دفعة واحدة، وإلا لانهارت المنظومة الاقتصادية للمجتمع، ولكان هذا عائقًا يمنع دخول الناس في دين الله أفواجًا؛ لما هو معلوم من تعلق النفس البشرية بالثروات، يقول الله تعالى: «وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا»، فقلل الإسلام من موارد الرق، بل حصرها في جزء من مورد واحد لا يتكرر كثيرًا، وهو أحد خيارات أربعة في أسرى الحرب، بل هو أقل هذه الخيارات نفعًا؛ إذ إن استبدال أسرانا بهم أو المنَّ عليهم أنفع للمسلمين ماديًّا ومعنويًّا. وفي الوقت ذاته فتح الإسلام أبواب العتق وكثر نوافذه؛ فعتق الرقبة قربة لله تعالى، وهو كفارة في القتل الخطأ، وفي الظهار من الزوجة، والإفطار عمدًا في رمضان. ومع مرور الوقت انتهى الرق من دنيا الناس، ولا يقدح في ذلك بقاء بعض صور الرق في بعض المجتمعات؛ فهي صور غير شرعية، بل هي نوع من جنايات الخطف أو التخلص من رعاية الأطفال وعدم تحمل بعض الناس مسئولياتهم تجاه مَن يعولون، وتلك هي التي منعتها القوانين الوضعية ولم تغير حكمًا شرعيًّا باجتهاد.


كلمات دالة:
الأبواب: أخبار, مقالات