الإمام الأكبر خلال تدشين مَقَرّ اتحاد الجامعات الأفريقية في جامعة الأزهر: مصر مؤهَّلة لحمل رسالة اتحاد الجامعات الأفريقية إلى قارّات العالم أجمع

  • | الثلاثاء, 12 مارس, 2019
الإمام الأكبر خلال تدشين مَقَرّ اتحاد الجامعات الأفريقية في جامعة الأزهر: مصر مؤهَّلة لحمل رسالة اتحاد الجامعات الأفريقية إلى قارّات العالم أجمع


- خطوات مصرَ الناجحة والمتسارعة في حربها لدحر الإرهاب ستنعكس أمنًا وتنمية ورفاهية على كل شعوب القارة السمراء
- الأزهر منذ أكثر من ألف عام يتحمل مسؤولية تعليم الإسلام في منهج خالص لا تُسَمِّمه الأجندات السياسية أو المذهبية أو القُطريّة

نَصّ الكلمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا..
سيادة أ.د/ أورلاندو أنتونيو، رئيس اتحاد الجامعات الأفريقية
معالي أ.د/ خالد عبدالغفار، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مُمَثِّلًا للسيد أ.د/ مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء.
أ.د/ إتيان إهيلي، أمين عامّ اتحاد الجامعات الأفريقية
سيادة السفير/ عبد الحميد بو زاهر
أ.د/ محمد المحرصاوي، رئيس جامعة الأزهر
السيدات والسادة!

أبنائي الشباب!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...وأهلًا ومرحبًا بحضراتكم في بلدكم مصر، وفي رحاب الأزهر الشريف، وأشكركم جميعًا على تفضُّلكم بالحضور، وبالمشاركة في هذا الحفل الذي يضم كوكبة من أبناء قارّتنا الحبيبة؛ قارّة أفريقيا، والذي ينعقد تحت رعايةٍ مشكورة من السيد الرئيس/ عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، ودعمٍ كريم لاستضافة مصرَ مَقَرَّ الاتحاد الأفريقي بجامعة الأزهر، فلسيادته ولضيوفنا الأعزاء جزيل الشكر، وخالص الدعاء بموفور الصحة والعافية.
السيدات والسادة!
إن تدشين مَقَرّ اتحاد الجامعات الأفريقية في مصر لَهو حدثٌ تاريخي، يأتي في إطار التأكيد على عمق العَلاقات المصرية بكل دول القارّة السمراء، وانفتاحها على كل الثقافات والحضارات والأديان المختلفة.
مصر التي قال الله عنها: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسُف: 99] هي الدولة الأفريقية المؤهَّلة بقيادتها وشعبها وعلمائها وقواتها المسلحة ورجال شرطتها لحمل رسالة اتحاد الجامعات الأفريقية، وتوصيل رسالتها العلمية والثقافية ليس إلى القارة الأفريقية فحسب، بل إلى قارات العالم أجمع.
كما تأتي استضافة مصر مقرّ الاتحاد الأفريقي انسجامًا وتناغُمًا مع دورها العالمي في نشر قيم التعايش والتسامح والسلام، ومع خطواتها الناجحة والمتسارعة في حربها لدحر الإرهاب واجتثاث جذوره واستئصال شأفته؛ من أجل تأمين الشعب وتحقيق التنمية المُستدامة، وتوفير الحياة الكريمة، وهو ما سينعكس أمنًا وتنمية ورفاهية على كل شعوب القارة السمراء، وهذا قَدَرُ مصرَ تاريخيًّا وجغرافيًّا؛ فهي تُمَثِّل، وكما تعلمون، البوابّةَ الشمالية الشرقية لقارة أفريقيا، وعلى عاتق أبنائها تقع مسؤولية التصدي لأيّ عدوانٍ يحاول أن يَنفُذَ منها إلى هذه القارّة.
هذا، وتَجدُر الإشارة إلى أن الأزهر الشريف يحتضن في أروقته العلمية في المرحلة الجامعية وما بعدها أكثرَ من ستة آلاف طالبٍ وطالبة من قارة أفريقيا، من بينهم أكثر من ثماني مئة طالبة، وتُقَدِّم مصرُ مِنَحًا دراسية مجانية لألفَي طالبٍ وطالبة من دول أفريقيا، تتحمّل نفقاتِ تعليمهم بدءًا من تَذكِرة سفر القدوم، وانتهاءً بتَذكِرة سفر العودة.
هؤلاء الطالبات والطلاب يدرسون العلم في الأزهر، ويتعلمون اللغة العربية، ويتعرّفون على سماحة الإسلام واحترامه للأديان والثقافات الأخرى، وقد جَرَت العادة منذ زمنٍ قديم على أن يتفرّغ الطلاب والطالبات الأفارقة للدراسات الإسلامية والعربية فقط، ويتوزّعون على كليات: أصول الدين واللغة العربية والشريعة والقانون والدراسات الإسلامية والدعوة، واليومَ، ومنذ ثلاث سنواتٍ، فتحْنا لهم أبواب التعليم في جامعة الأزهر بمُختلِف أنواعه وتخصصاته، واستقبلتهم منذ هذا التاريخ كليات: الطب والهندسة والصيدلة والزراعة وغيرها من الكليات العملية، كما بدأنا هذا العامَ التجهيز لفتح القسم العلمي بالمرحلة الثانوية أمام الوافدين من الطلاب والطالبات في معهد البعوث الإسلامية؛ إيمانًا منا بأن قارّة أفريقيا على وجه الخصوص قد تكون أَمَسَّ حاجةً إلى الطبيب والمهندس والصيدلي ومدرس العلوم والرياضيات، منها إلى الإمام والواعظ ومدرس العلوم الشرعية.
وتَجرِبة أخرى بدأناها في أفريقيا منذ أكثرَ من عام، وبدأت تؤتي ثمارًا طيبة مُبَشِّرة، وهي اختيار النُّبهاء من الطلاب الأفارقة المتخرّجين من كليات أصول الدين واللغة والشريعة، ومن الحاصلين على تقدير "امتياز" أو "جَيِّد جِدًّا"، وإيفادهم إلى بلادهم على نفقة الأزهر؛ لينشروا الفكرَ الإسلامي الصحيح الذي تعلّموه في الأزهر، وليُفَقِّهوا المسلمين هناك بمبادئ هذا الدين الحنيف، وذلك بعد تدريب هؤلاء الخِرّيجين، وتعريفهم بالتحديات المعاصرة التي تَتَقَنَّع باسم الإسلام، وكيفية التصدي العِلميّ لهذه التحديات بما يكشف زيفها وضلال دعاتها، ومدار الفكرة هنا: هو أن أبناءنا هؤلاء هم أَقدرُ من غيرهم على التواصل مع شعوبهم وتوضيح حقائق الأمور بلغاتهم ولهجاتهم ومشاعرهم وغيرها، ممّا لا يتوفّر كثيرًا لأبنائنا المصريين المُبتَعَثين إلى الدول الأفريقية، ونؤكد على أن الأفارقة المبعوثين من الأزهر ليسوا بديلًا لإخوتهم المصريين المَبعوثين للخارج، فلكلٍّ مجالٌ؛ من حيثُ النشاطُ العِلميّ، ومِن حيثُ المُستهدَف.
وعَلاقة القارّة الأفريقية بالأزهر عَلاقةٌ ضاربةٌ بجذورها في تاريخ هذا المعهد العلمي العريق، الذي مضى على إنشائه أكثرُ من ألف عامٍ، وهو يتحمّل مسؤولية تعليم الإسلام؛ قرآنًا وسُنّةً ولُغةً وشريعة، في منهجٍ خالص نَقيّ، لا تُعَكِّرُ صَفوَه ولا تُسَمِّمُه الأجنداتُ السياسية أو المذهبية أو القُطريّة، التي آلت إلى ما نعرف من تطرف وعنف ودماء.
وقد لا يعلم كثيرون من تاريخ العَلاقة القديمة بين الأزهر الشريف ودول أفريقيا؛ أن أروقة الأزهر كانت مُسَمّاةً بأسماءٍ أفريقية، مثل: الرواق الذي كان يسكنه أهل تشاد وما جاوَرَ بُحَيرتَها، و"رواق السنارية"، المُخَصَّص لطلبة السودان وما جاوَرَه غربًا، وهو من أشهرِ أروقة الأزهر، وكذلك "رواق المغاربة"، المُخَصَّص لبلاد المغرب العربي؛ ليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا، و"رواق الدكارنة"، و"رواق إقليم غرب إفريقيا"، و"رواق الجبرت"، وغيرها.
واليومَ تَحلّ "مدينة البعوث الإسلامية" مَحلَّ هذه الأروقة، وللطلاب الأفارقة منها نصيبُ الأسد.. واليومَ أيضًا يُقَدِّم الأزهر ثماني مئة مِنحةٍ سنويًّا للطلاب الأفارقة، للدراسة بكلياته النظرية والعَمَليّة، وللأزهر ستةَ عشرَ معهدًا أزهريًّا في كلٍّ من: نيجيريا وتشاد والنيجر والصومال وجنوب أفريقيا وأوغندا؛ يمدّها بمدرسين أزهريين على نفقته الخاصة، كما يُزَوِّدها بالكتب الدراسية وبالمناهج، ويُمنح الطلابُ المتخرّجون في هذه المعاهد شهاداتٍ معتمدةً من الأزهر الشريف.
وممّا يَعتزّ به الأزهر في مجال التعاون مع الدول الأفريقية، قوافلَ البعثات الطبية والإغاثية لبعض هذه الدول، مثل: النيجر والصومال والسودان وتشاد وأفريقيا الوسطى ونيجيريا وبوركينافاسو، وهذا قليلٌ من كثيرٍ ممّا يجب على الأزهر وعلمائه أن يُقَدِّموه للأشقاء، في هذه القارّة الشقيقة.
السادة الحضور
تَعالَوا نعمل معًا من أجل رفع جودة التعليم العالي في أفريقيا، وتقوية دَوره في التنمية، والانخراط في المجتمع، والتوافق حول القضايا التي تؤثّر في التعليم العالي والتنمية في أفريقيا.
وأُعلِن لكم الآنَ؛ أن الأزهر كما استقبل كثيرًا من طلبة العلم الأفارقة، لَيَسُرُّهُ أن يَدعمَ الأفكارَ البَنّاءة لشباب القارّة، ويَتَبَنّى رؤاهم التي تنهض بقارّتنا في كافّة المجالات.
ويُرَحِّب الأزهر الشريف بتعزيز التبادل و الاتصال والتعاون بين الجامعات وغيرها من مؤسسات التعليم العالي في أفريقيا، كما يرحب بنشر المعلومات المتعلقة بالتعليم العالي والبحوث، لا سيّما في أفريقيا؛ ويُشَجِّع الأزهرُ المنتدياتِ العامّةَ لنشر المعلومات وتبادُلها، وحوار السياسات بشأن قضايا التعليم العالي.
كما يَدعم الأزهرُ الشريف المسابقاتِ الرياضيّةَ التي تَضُمّ الشبابَ من مُختلِف دول العالم، وبخاصّةٍ الشباب الأفريقي.
أيُّها الشبابُ الأفريقي
إن نهضة قارّتكم الثرية بمَوارِدها الطبيعية والبشرية، لا يمكن أن تتحقّقَ إلّا بعقولكم وسَواعِدكم أنتم دونَ غَيرِكم، واعلموا أن الاستعمار الذي لم يَستحي بالأمس أن يَستعبِدَ أحرارَكم، ويَستوردهم لتَمدين دوَله وأقطاره، كما يَستورد الأشياء والمتاع، لا يستحيي اليومَ من الاستبداد بمواردكم الغنية لنهبها وسرقتها مرّةً أخرى، وسبيلُكم الواضح لمقاومة هذا التّغَوُّل والتّوَحُّش هو امتلاك العلم والمعرفة، والتطهُّر من مُخَلَّفات الاستعمار ومُهمَلاته الثقافية والخُلُقيّة والسلوكية، والعَضّ بالنَّواجِذ على مَوروثاتنا التي تعلّمناها من عقائدنا الدينية الإلهية، ومن حضارتنا الشرقية، التي تَضرب بجذورها في أعماق الأزمان والآباد.
أشكركم على حُسْن استماعكم
وسلامُ الله عليكم ورحمتُه وبركاته.

 

طباعة

الإمام الطيب| شيخ الأزهر يوضح مقومات الإسلام والإيمان والسعادة | الحلقة الأولى
الإمام الطيب| فضيلة الشيخ أحمد الطيب يوضح تعريف العقيدة
الإمام الطيب| الإمام الطيب يوضح مقومات الإسلام "العقيدة" | الحلقة الثانية