أخبار المجلة

التعليم الديني في إسرائيل ودوره في تشكيل الهُوية

عرض د/ أحمـد علي سليمـان عضو المكتب الفني بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد

  • الخميس, 10 نوفمبر 2016

المكون المعرفي هو مجموعة المعارف والخبرات التى يكتسبها الإنسان من مصادر متعددة وتصب في نهاية الأمر في العقل؛ لِيُكَوِّن تصورَه  وحكمَه على الشيء أيا كان، ولا شك أن الخلفيات الثقافية والدينية وباقي محتويات المكون المعرفي هي العامل الحاسم الذي له دور كبير في توجيه السلوك نحو الحوار أو الصراع في الأفراد والأمم، وحتى في الحضارات.

والمكون الثقافي هو الناتج الطبيعي والثمرة الـمُـرَّة أو الحلوة للمكون العقدي. وعلماء التربية وعلماء النفس وعلماء الاجتماع يقررون أن رؤية الإنسان لذاته ودوره ورسالته، ورؤيته للبيئة المحيطة، وكذلك رؤيته للكون والحياة، تتشكل من خلال مصدرين اثنين، هما: العقيدة التي يعتقدها الإنسان ويدين بها، والثقافة التي تربى عليها وتكوَّن عقلُه ووجدانُه من خلالها. والقيمة عندما تستمد قداستها من العمق الديني، فإن حرية ممارستها تنبعث من أقوى المشاعر تأثيرًا في حياة الإنسان، وبذلك يكون المكون المعرفي والديني هو النبع للشعور بالالتزام الأخلاقي، أو الصراع مع الآخر... ومن ثم نستطيع أن نقرر أن المكون المعرفي هو انعكاس للمكون العقدي، وعلى ضوئه يتشكل عقل الإنسان ورؤيته، ويتشكل وجدانه العام وفق هذه الأيديولوجية.

وعند الحديث عن الثقافة الصهيونية يظهر أثر المكون المعرفى ودوره في عملية الصراع وإخضاع الآخر والسيطرة عليه، واختراقه تحت تهديد السلاح.... وإذا كانت إسرائيل تتباهى أمام العالم بأنها تنتهج النهج العلماني والليبرالي.. فإن هذا الكلام مجانب للحقيقة؛ فإسرائيل تعد من الدول القليلة في عالمنا المعاصر التي يرتبط كيانُها الثقافي والسياسي والاجتماعي بالدين، بل تعتبر الدينَ أساس وجودها وسببَ نشأتها، فهي دولة ثيوقراطية يهودية، واسمها يدل على ذلك، ويحتلُ فيها الدين مكانةً بارزةً عند جميعِ طوائفِ المجتمع الإسرائيلي وطبقاتِه. والتعليم الديني في إسرائيل هو أخطر أنواع التعليم؛ لأنه يقوم على الفكر الديني الصهيوني الذي يكرس العنصرية ويعزز التعصب واحتقار الآخر فضلاً عن رفضه وعدم قبوله..

 وفي الصفحات التالية نعرض للقارئ الكريم موضوعًا في غاية الأهمية وهو (التعليم الديني في إسرائيل ودوره في تشكيل الهوية) وهذا الموضوع هو عنوان رسالة علمية نال بها الباحث/ ربيع عبد الوهاب ربيع درجة الدكتوراه من كلية التربية جامعة بنها مؤخرًا، وتكونت لجنة المناقشة والحكم على الرسالة من: أ.د. هاني عبد الستار فرج، أستاذ أصول التربية بكلية التربية جامعة الإسكندرية (رئيسا ومناقشَا)، أ.د. صلاح الدين محمد توفيق، أستاذ ورئيس قسم أصول التربية بكلية التربية جامعة بنها (مشرفًا)، أ.د. صلاح السيد عبده رمضان، أستاذ أصول التربية كلية التربية جامعة بنها (مشرفًا)، أ.د. محمد عبد الرازق ويح، أستاذ أصول التربية بكلية التربية جامعة بنها (مناقشًا). وناقشت اللجنة الطالب في يوم السبت الموافق 6 أغسطس 2016م وتم التوصية بمنح الباحث درجة دكتوراه الفلسفة في التربية مع التوصية بطباعة الرسالة وتداولها بين الجامعات المصرية والعربية، وكانت لجنة الحكم والمناقشة قد أشارت إلى تميز الرسالة بشرف السبق في بحث موضوع التعليم الديني في إسرائيل وتحليل المناهج التعليمية في هذا النظام التعليمي.

وتناولت دور مؤسسات التعليم الديني في تشكيل هوية النشء الإسرائيلي تشكيلاً يتوافق مع سياستها التعليمية.

واستخدم الباحث في رسالته منهج التحليل التاريخي، والمنهج الوصفي والنقدي؛ للوصول إلى الحقائق التي تفسر عملية الصراع، حيث انطلق الباحث في مقدمة دراسته ـ وقد حددها بإطار زمني من عام 1948 إلى عام 2015، وبإطار موضوعي يتعلق بالمرحلة الابتدائية في التعليم الحكومي فقط ـ من أن دراسة التعليم الديني في إسرائيل ما هي إلا دراسة في الخطاب الديني اليهودي، هذا الخطاب الذي يتم غرسه في عقول النشء الإسرائيلي من خلال المراحل التعليمية الدينية المختلفة.

وقد أخذ هذا النمط من التعليم ينمو في إسرائيل حتى أصبح أكثر عمقًا من التعليم المدني، وباتت المدارس الدينية تخرِّج نوعيات متشددة إلى حد بعيد من المستوطنين الذين يرفضون الآخر بشكل قطعي، وباتوا لا يرون حلًّا لمسألة الوجود الفلسطيني سوى الطرد والتشريد والقتل!!

وأوضح الباحث أنه إذا كانت معرفة طبيعة هذا المجتمع وخصائصه في زمن الحرب ضرورة حتمية للوطن العربي، فهي في زمن السلم من باب الأولى ألزم وأوجب، وإذا كانت إسرائيل تمثل منذ نشأتها التحدي الأساسي للعرب، فإنها تمثل اليوم تحديًّا أخطر، فالصراع العربي الإسرائيلي لا يقتصر على الجانب العسكري أو السياسي فحسب، بل يمتد إلى صراع حضاري سيظل دائرًا بأشكال مختلفة، ودرجات متفاوتة في الحرب والسلم. وبالعودة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر(2001)، هذه الأحداث التي شكلت نقطة فاصلة كبداية لنمط جديد من أنماط التعامل الدولي والتفاعلات الإنسانية بما أعطته من دفعة جديدة للخطاب السياسي الذي تتبناه قوى اليمين الديني في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، الأمر الذي يُحتم صراع الحضارات من وجهة نظرهم، والحضارات في تصورهم تتمحور حول الأديان، ولعل ذلك ما يُفسر الدعوات المتعددة التي انطلقت من جهات كثيرة تدعو إلى إعادة النظر في الخطاب الإسلامي متزامنة مع إعلان الإدارة الأمريكية الحرب على الإرهاب، ولم تقف خطورة الحرب على الإرهاب عند حدود الأبعاد السياسية والأمنية في ملاحقة الحركات الإسلامية، وإنما امتدت إلى محاولة التأثير على المجتمعات العربية والإسلامية من خلال تجفيف وتبديد منابع الدين داخل هذه المجتمعات، والعمل على تغيير مناهج التعليم المرتبطة بثقافتها وهويتها.

وأوضح الباحث أنه رغم كثرة النداءات والتوصيات بتغيير المناهج في البلدان العربية والإسلامية، لم نجد من ينادي بالنظر في مناهج الآخر، وبالأخص مناهج العدو الصهيوني، والنظر فيما تحويه هذه المناهج من دعوات إلى العنصرية والعدوان واحتقار الآخر، وكيف يكون تأثير هذه المناهج على الخطاب الديني والسياسي في إسرائيل، وتأثير هذا الخطاب على عقول الطلاب الذين ينشئونهم متشبعين بالعنصرية والتطرف.

وتساءل: لِمَ يصمت كل الغربيين عن الخطاب الديني الصهيوني الذي يقدمه التعليم الديني في إسرائيل، هذا الخطاب الذي يشرع «للترانسفير- التهجير القسري» الذي مورس ويمارس ضد الشعب الفلسطيني منذ سنة  1948 وحتى سنة 2015م، حتى قذف بنحو سبعة ملايين فلسطيني من ديارهم إلى المنافي والمخيمات والمستنقعات، دون أية حقوق للإنسان.. هذا الخطاب الديني اليهودي هو الذي يشرع للإبادة التي تمارس الآن ضد الشعب الفلسطيني- إبادة البشر والشجر والحجر وكل مقومات الحياة- ويبلغ الخطاب الديني اليهودي قمة العنصرية عندما يقدس العنصر اليهودي، ويجعله شعبًا مقدسًا معصومًا دون كل الشعوب، وفوق كل الشعوب.

وأشار د. ربيع عبد الوهاب إلى أن فريقا من المشتغلين بالعلوم الإنسانية بذلوا جهدًا كبيرًا لتحقيق معرفة صحيحة بواقع الإنسان الإسرائيلي محاولين -قدر ما وسعهم الجهد- اختراق حواجز الجهل بهذا الإنسان الذي أتعب العالم من حوله. ولقد لجأت إسرائيل إلى التعليم الديني من أجل غرس القيم اليهودية، والحفاظ على التقاليد الدينية وحماية الدولة من الانصهار في الصهيونية العلمانية، كذلك الرغبة في احتواء واستقبال المهاجرين الجدد والقادمين خاصة من البلاد الإسلامية الإفريقية في الخمسينيات من القرن الماضي، وذلك من أجل إعدادهم للعيش في المجتمع الجديد وتعليمهم اللغة العبرية والعادات والطقوس الدينية الخاصة.

وقد سببت إشكالية الهوية إزعاجًا لليهود منذ أكثر من قرنين، فقد عاش اليهود في الشتات منعزلين في مجتمعاتهم، وكان هذا الانعزال بالنسبة لهم درع الأمان للحفاظ على يهوديتهم وشريعتهم «فطبيعة المجتمع الصهيوني، تختلف عن سائر المجتمعات الأخرى في كونه مجتمعًا يفتقر إلى الفطرة الطبيعية في قيامه، ويفتقر إلى وحدة التاريخ ووحدة المكان، فأفراده أجناس مختلفة قادمة من الشرق ومن الغرب». «وتدل الإحصاءات أن اليهود المقيمين في إسرائيل اليوم جاءوا من مئة واثنين دولة معظمهم لا يحسون برابطة تربط بعضهم ببعض، ولكن إسرائيل تحاول صهر الجميع في لغة واحدة هي اللغة العبرية، وذلك بتدريس النشء اللغة العبرية وتاريخ اليهود بالشكل الذي تهواه، بغض النظر عن الحقائق التاريخية».

وأكد الباحث أن كثرة النداءات بتغيير وتجديد الخطاب الديني في البلدان العربية والإسلامية تتطلب أن نتعرف على الخطاب الديني للعدو، هذا الخطاب الذي يشكله التعليم الديني، حيث «إن الدين في نظر المفكرين اليهود والصهاينة، هو الأساس الذي تقوم عليه الأيديولوجية أو القومية اليهودية وهو القاسم المشترك بين اليهود، الذي يضمن نقاءهم العنصري وولاءهم القومي».

وقال إن القضية الأساسية فى دراسته تتلخص في التعرف على نظام التعليم الديني الحكومي في إسرائيل وذلك من خلال إبراز أبعاد هذا النظام التعليمي، ومعرفة دوره في تشكيل هوية الخريجين وخاصة في المرحلة الابتدائية.

وتكمن أهمية الدراسة في أنها تفضح ما تخفيه إسرائيل من نزعات مشبعة بالعدوان والعنصرية، وتفضح الشعارات المزيّفة التي ترفعها الصهيونية وعلى رأسها شعار (السلام).

وأنها تكشف عن نقطة شديدة الخصوصية والتنوع والاختلاف، وهي أيضا شديدة التأثير على المجتمع الإسرائيلي وهي قضية التعليم الديني، وذلك من خلال التعرف على طريقة هذا النمط من التعليم في تشكيل ثقافة وفكر الطلاب في إسرائيل والعوامل المؤثرة في تشكيل هويتهم ومعتقداتهم. وأنها تُعطي صورة تفصيلية للتعليم الديني الذي يتلقاه نصف سكان إسرائيل تقريبًا، وهي نسبة ليست بالقليلة، خاصة إذا رأيناها ضمن النظام العام للتعليم في إسرائيل والذي يظهر تقدمًا ملحوظًا للمدارس الدينية بأنواعها المختلفة في مقابل تراجع نسبة الملتحقين بالمدارس المدنية العلمانية. وأنها كذلك تكشف عن نقاط الضعف في هذا الكيان، وتُعرِّف بمكامن الصراع المكتومة حول هُويته، وفي النهاية تضع تصوراً مقترحاً يمكن من خلاله تفعيل دور التربية العربية لمواجهة تداعيات الهوية الإسرائيلية.

وفي فصل معنون بـ (الفضاءات المجتمعية التي شكلت فلسفة التعليم الديني في إسرائيل)، أوضح الباحث الدوافع والإرهاصات التي أدت إلى وجود التعليم الديني في إسرائيل، وأنها قد تنوعت حسب السياق المجتمعي، فهناك دوافع دينية سياسية تمثلت في رغبة الأحزاب الدينية في وجود نمط من التعليم يساعد في نموها وفي سيطرتها على الواقع السياسي الإسرائيلي، كذلك كان للتعليم الديني دور بارز في احتواء المهاجرين وصهرهم داخل المجتمع الإسرائيلي، الأمر الذي يعني أن التعليم الديني كان محور الحياة السياسية والاقتصادية والدينية قبل إعلان دولة إسرائيل وبعدها، وكان له أبلغ الأثر في رسم الخريطة السياسية في إسرائيل.

 

الطباعة
تاج:
Rate this article:
4.2

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.

Your name
Your email
الموضوع
ادخل رسالتك
x
حقوق الملكية 2017 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg