الجذور التاريخية.. والنهايات المنتظرة

أ.د محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء

  • || 21 نوفمبر, 2016
الجذور التاريخية.. والنهايات المنتظرة

لقد كان الدكتور عبدالرحمن بدوي (1335 - 1423هـ 1917 - 2002م) - بشهادة مؤلفاته ومترجماته وتحقيقاته - من أكثر العلماء والمفكرين العرب المعاصرين خبرة بالفكر الغربي .. ومن أكثر هؤلاء العلماء والمفكرين إحاطة بما كتبه المستشرقون عن الإسلام .. ولقد توج معارفه وخبراته بالاستشراق والمستشرقين بالموسوعة التي نشرها عنهم (موسوعة المستشرقين) ..

بل لقد مثلت حياته الفكرية «مؤسسة» قامت على تعريف العقل العربي والمسلم بتراث الاستشراق والفلسفة الغربية.. وذلك فضلا عن علاقاتة الوثيقة بكثير من رموز الاستشراق الذين درس على أيديهم وتتلمذ لكتاباتهم، وبادلهم الأفكار والآراء.

لذلك، كان الرجل شاهدًا خبيرًا على ما كتبه هؤلاء المستشرقون عن الإسلام وأصوله ومقدساته..

وفي السنوات الأخيرة من حياته - والتي قضاها في الغرب - وباريس خاصة- وعندما رأى تصاعد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، وتزايد حملات الكراهية للإسلام، والافتراء على رموزه ومقدساته، استدعى بخبرته العلمية والفكرية والثقافية -الجذور الغربية القديمة لهذه الظاهرة .. ولم ير فيها - كغيره من أصحاب النظرة السطحية- ظاهرة إعلامية طارئة، وإنما رآها امتدادًا متطورًا وحديثًا لافتراءات كثيرين من المستشرقين والمنصرين - وخاصة اليهود منهم - على الإسلام ومقدساته ورموزه .. فكان تصديه المتميز لهذه الظاهرة بتفنيد مقولاتها التاريخية ضد القرآن الكريم، وضد رسول الإسلام وهو الإسهام الذي ختم به حياته الفكرية - عندما نشر - بالفرنسية - كتبه: (دفاع عن القرآن ضد منتقديه) و(دفاع عن محمد ضد المنتقصين من قدره) وترجمته الفرنسية للسيرة النبوية - سيرة ابن هشام.

وفي الكتاب الأول يعلل أسباب أخطاء - بل وخطايا - الاستشراق إزاء القرآن الكريم، بتسليط الأضواء على جذور هذه الأخطاء والخطايا، وأسباب هذه الافتراءات، المتمثلة في أن هؤلاء المستشرقين لم يقرءوا القرآن بعيون علمية موضوعية، وإنما قرءوه بعيون يهودية أو مسيحية، توجهها تحيزات ونوايا سيئة .. وفي ذلك قال:

«لقد قرأ المستشرقون اليهود - من أمثال «هيرشفيلد» (1854 - 1934م) و «جولد تسيهر» (1850 - 1920م) و «هور فيتز» (1874 - 1931م) و «تورى» - القرآن قراءة يهودية .. وآخرون - من أمثال «مويير» (1819 - 1905م) و «بيل» و «آرثر» - قراءة مسيحية، أو يهودية مسيحية».

ولقد جاء كتاب الدكتور بدوي هذا «وثيقة - موثقة» تثبت هذه الحقيقة، وتفند الزيف الذي افتراه هؤلاء المستشرقون على القرآن الكريم، ومن ثم تعري هؤلاء المستشرقين من الهالات التي أحاطتها بأسمائهم وكتاباتهم آلة «العلاقات العامة التغريبية»!.

• فهؤلاء المستشرقون - على سبيل المثال - قد ذهب بهم الكذب «فأكدوا أن محمدا باعتباره مؤلفا للقرآن، قد اقتبس أغلب القصص وعددًا كبيرًا من الصور البيانية، وكذلك الحكم والأمثال من الكتب المقدسة، أو شبه المقدسة لدى اليهود والنصارى».

ويعلق الدكتور بدوي على هذه الفرية فيقول:

«ولكي نفترض صحة هذا الزعم، فلا بد أن محمدًا كان يعرف العبرية والسريانية واليونانية، ولا بد أنه كان لديه مكتبة عظيمة اشتملت على كل نصوص التلمود والأناجيل المسيحية ومختلف كتب الصلوات وقرارات المجامع الكنسية، وكذلك بعض أعمال الأدباء اليونانيين وكتب مختلف الكنائس والمذاهب المسيحية.

واعتراض ساقط آخر مما قاله هؤلاء الكتاب، وهو يعتمد على الصياح بالقول إن في القرآن انتحالا. ويحدث ذلك عندما يذكر القرآن حقيقة عامة ذكرت في الكتب المقدسة - اليهودية والنصرانية قبل ذلك .. وكأنه يجب على القرآن الكريم حتى يكون بريئًا من أي انتحال أن يقول أشياء مخالفة للعلم العام أو الرشاد».

• ولقد تتبع الدكتور بدوي جذور هذه الافتراءات الاستشراقية على القرآن الكريم، متناولا أشدها وأشهرها بالنقد والتفنيد.. فقال - على سبيل المثال:

«إن أشد الكتب هجوما على القرآن والإسلام هو كتاب (عالم النص القرآني) الذي كتبه «وود فيجو مراش» (1612 - 1700م) .. وهو عمل حافل بالأخطاء والمجادلات الساذجة اللامعقولة. وللأسف تكررت نفس هذه الأخطاء وهذه التجاوزات في كل الدراسات المتصلة بالقرآن والتي قام بها المستشرقون الأوربيون خلال القرنين التاليين لظهور كتاب «مراش»..

حقا، فإنه بداية من منتصف القرن التاسع عشر يبذل هؤلاء المستشرقون ما في وسعهم ليبدوا موضوعيين في كتاباتهم، وفي جعل كتاباتهم أكثر دلالة وأكثر جدية وموضوعية، وأكثر تدقيقا في المنهج اللغوي، لكن دون فائدة، ذلك لأن الدوافع الداخلية التي تضطرم بالحقد في قلوبهم ضد الإسلام وكتاب الإسلام المقدس ونبي الإسلام ظلت كما هي، بل ازدادت تأججًا.

وبرغم أن هؤلاء الكتاب قد توفرت لهم أدوات فهم اللغات منذ بداية القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، إضافة إلى توافر نشر المخطوطات إلا أنهم أصروا على تقديم نظرياتهم الخاطئة، من خلال تصوراتهم الزائفة للقضايا الوهمية التي طرحوها حول القرآن، وطرحوا نتائج زائفة توصلوا إليها.

• إن معرفة هؤلاء المستشرقين للغة العربية من الناحية الأدبية أو الفنية يشوبها الضعف، ويمكن القول إن هذه الملاحظة تخصهم جميعًا تقريبًا.

• وإن معلوماتهم جميعا المستقاة من مصادر عربية جزئية ناقصة وضحلة وغير كافية، وهم يرمون بأنفسهم في مغامرة طرح فرضيات خطيرة وخاطئة يعتقدون أنهم أول من توصلوا إليها، دون تكليف أنفسهم عناء التقصي لدى تلك المصادر عن نفس المعضلات التي يثيرونها، إذ تطرق الكتاب المسلمون في حقيقة الأمر لهذه الفرضيات واعترضوا عليها.

• إن ما يحرك بعض المستشرقين دافع الضغينة والحقد على الإسلام، مما يفقدهم الموضوعية ويعمي بصيرتهم بطريقة أو بأخرى.

• لقد كان بعض من هؤلاء المستشرقين مدفوعا بالتبشير والتعصب المتحفز .. مثل «وليم مويير» (1819 - 1905م) و «زويمر» (1867 - 1952م) .. كما وقع بعضهم ضحية لهوس مرضي سببه ذلك التعصب الأعمى المختلط بالزهو والغرور .. ومنهم من يختلق أكذوبة ويصبح ضحية لتلك الأكذوبة، وهو مجبر أن يوضح بكل الوسائل حقيقة أكذوبته المزعومة..

• وهدفنا هو كشف القناع عن العلماء المزعومين الذين قدموا الضلال والخداع لشعب أوروبا ولغيره من الشعوب الأخرى.

• ثم عرج الدكتور بدوي على مزاعم المستشرق اليهودي الأشهر «جولد تسيهر» (1850 - 1920م) الذي زعم أن القرآن قد نقل عن أسفار العهد القديم الكثير من عقائد الإسلام وأركان الإسلام .. فلقد زعم هذا المستشرق أن إله الإسلام هو إله إسرائيل .. وأن الصوم الإسلامي هو الصوم اليهودي، وأن اتخاذ الرسول بيت المقدس قبلة أولى ما كان «إلا تقربا إلى اليهود، وأن رسول الإسلام ليس إلا ناقلا عن العهد القديم .. وفي ذلك قال:

1 - «إن المفهوم التوحيدي للإله الذي عارض به محمد الوثنية يتفق في مادته مع مفهوم التوحيد في العهد القديم» ويفند الدكتور بدوي هذا الزعم فيقول:

«(أ) هذا الزعم خاطئ، لأن إله العهد القديم هو فقط إله إسرائيل، وإسرائيل اختارها الرب .. بينما إله الإسلام على عكس ذلك هو "رَبِّ الْعَالَمِينَ" - (الفاتحة: 2) - دون تفرقة، شعب عن شعب، ولم يصطف شعبا بوجه خاص.

(ب) وإله إسرائيل هو الأب .. بينما إله الإسلام "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" (الإخلاص:3)

فالتوحيد اليهودي هو توحيد قومي، أما التوحيد الإسلامي فعالمي.

2 - الصوم اليهودي والصوم الإسلامي:

ويزعم «جولد تسيهر»، ومن بعده «فنسنك» (1881 - 1939م) أن محمدا قد أخذ الصوم عن اليهودية. وهذا قول خاطئ لما يلي:

(أ) الصوم الإسلامي يستغرق شهرا كاملا هو شهر رمضان، وليس يومًا واحدًا، أو يومًا وليلة - كما هو الحال عند اليهود.

(ب) الصوم الإسلامي ليس مرتبطًا بآية أحداث في التاريخ الإسلامي ولا أية نكبات قد حلت بالمسلمين، ولكنه ركن أساسي من أركان الإسلام الخمسة، وشعيرة أصلية، وعلى عكس ذلك فإن الصوم اليهودي صوم اتفاقي وليس مفروضا إلا حين تتعرض الأمة اليهودية للاضطهاد، وليس عندما تعيش في سلام. ثم إن الصوم كشعيرة دينية كان موجودا في كثير من الأديان التي سبقت اليهودية، وما دام الصوم كان يمارس قبل ظهور اليهودية بآلاف السنين، فبأي حق يدعي (جولد تسيهر) أن محمدا أخذه عن اليهودية كما لو كانت اليهودية هي أول من اخترع الصوم، ولكنه دومًا نفس الابتسار ونفس الفكرة المتسلطة هي التي جعلته يرى ذلك هو ومن على شاكلته من اليهود.

3 - القبلة:

ويزعم (جولد تسيهر) أن محمدًا جعل بيت المقدس قبلة في الصلاة أولا ليكسب مودة اليهود .. ولما لم يحصل على تأييد اليهود غير القبلة متجهًا إلى البيت الحرام في مكة(1).

وهذا الرأي شائع عند كثير من المستشرقين، أمثال «فييل» و «مويير» (1819 - 1905م) و«جريم» (1864 - 1942م) و «ليون كيتاني»  (1869 - 1926م) و «فربوهي»، وهو رأي يفتقر إلى الأسس السليمة، فالسبب الذي من أجله توجه محمد إلى المسجد الأقصى خلال العهد المكى، هو أن الكعبة لم تكن قد طهرت من الأصنام، أو كادت، ولذلك كان المسجد الأقصى هو أنسب قبلة».

وبعد كشف هذا الزيف، وتجريد «جولد تسيهر» من الهالة العلمية التي أحاطوه بها، عرج الدكتور بدوي على زعم آخر شارك فيه عدد كبير من المستشرقين .. وهو الادعاء بأن القرآن قد خلط بين مريم - أم عيسى - عليهما السلام - وبين مريم أخرى - هي أخت موسى وهارون - عليهما السلام - جاهلا ومتجاهلا ما بينهما من قرون!.

«فلقد زعم «جريم» (1864 - 1942م) و«هور فيتز» (1874 - 1931م) و «فنسنك» (1881 - 1939م) و «بلا شير» (1900 - 1973م) و «جود فروا ديمومبين» (1862 - 1956م) و «باريت» أن القرآن قد خلط بين مريم - أم عيسى - وبين أخت هارون وموسى "يَا أُخْتَ هَارُونَ"   (مريم: 28).

بينما هذه العبارة القرآنية لا تعني سوى «يا سليلة هارون»، فالاتهام بالزنى، الذي رمى به اليهود مريم أم المسيح أصبح أكثر شناعة قياسًا إلى أنها من عائلة مقدسة. ويؤكد «لوقا» هذا النسب، لأن مريم قريبة إليصابات أم يوحنا المعمدان، كما يؤكد «هيوليت» أن إليصابات بنت خالة مريم، كما تؤكد المصادر المسيحية هذه القرابة.

وبهذه الطريقة فهمه يهود ونصارى المدينة في الجزيرة العربية.

ومن وجهة النظر اللغوية، فإن استعمال أخ أو أخت أو يا أخا أو يا أخت وبعدها اسم عشيرة أو قبيلة أو بلد يكون بمعنى سليل هذه العشيرة أو هذه القبيلة أو البلد، وهو استعمال كان وما يزال شائعًا في تاريخ اللغة العربية، وقد أشار إليه الطبري (224 - 310هـ - 839 - 923م)، وتبعه كثير من المفسرين المسلمين، وقد ذكر لذلك أمثلة عديدة.

وهذه الحجة القاطعة تبعها «جورج سال» (1697- 1736م) في الترجمة الإنجليزية - للقرآن سنة 1734م فأكد أن من المستحيل أن يقع القرآن في هذا الخلط بين مريم أم عيسى ومريم أخت موسى وهارون؛ لأن هذه الدعوى متعارضة مع كثير من المواضع القرآنية، ويبدو فيها محمد على دراية تامة بأن موسى يسبق عيسى بعصور عديدة.

لذلك كان من الغريب أن نجد أصحاب هذا الزعم يكررون نفس الاتهام دون أى دليل ودون أن يتحملوا عناء مناقشة الحلول التي اقترحها المفسرون المسلمون وأيدها بعض الكتاب الأوربيين، أمثال «رولاند»، و «جورج سال»، وعندهم أن هذا الاتهام حكم مسبق لا دليل عليه.

ويمكن أن نفهم مثل هذا الموقف من قساوسة ورجال دين ومبشرين مثل يوحنا الدمشقي، ونيكولاي كوزي، وجود نيولو وغيرهم، لكننا لا نفهمه عندما يتعلق الأمر بعلماء يفترض فيهم الموضوعية وعدم الانحياز.»

وذهب الدكتور بدوي فضرب الأمثلة على بلوغ مزاعم بعض المستشرقين درجة «العبث» .. فقال: «لقد بلغت بعض مزاعم المستشرقين حد العبث .. ومن ذلك دعوى «ريتشارد بيل»:

أ- أن كلمة نبي كلمة مدنية.

ب- وأن إبراهيم أصبح نبيا في المدينة فقط.

ج- وأن كلمات: إسلام، مسلم، والاستعمال الديني لكلمة - أسلم تنتمي إلى العهد المدني.

ولكن هذه القضايا كاذبة لأن كلمة نبي موجودة في السور المكية: الأنعام، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر، النحل، الأنبياء، الشعراء، العنكبوت، ص، الشورى، الزخرف، الذاريات، النجم، الأعلى.

وكلمات إسلام، مسلم، «والجمع مسلمون» موجودة في 21 سورة مكية، ولو طبقت هذه القاعدة - هذا الزعم - لكان معناها إضافة 44 سورة من العهد المكي إلى العهد المدني، وهذا هو العبث بعينه عند كل الباحثين»!

وأمام محاولات بعض المستشرقين إعادة ترتيب سور القرآن وآياته.. قطع الدكتور بدوي بأن الترتيب القرآني - صاحب السياق المعجز - إنما هو صنع إلهي .. فقال: «لقد رتب القرآن في كتاب واحد في حياة النبي .. والجمع الذي تم في عهد أبـي بكر يشبه جميع الوثائق الخاصة بنص معين حتـي لا تندثر، وهذا مشابه لما نفعله اليوم بعمل طبعة محققة علـى مخطوطات كاملة فنجمعها مع الاستشهاد والأوراق المبعثرة».

وضرب الدكتور بدوي الأمثال على بلوغ بعض المستشرقين حد التعصب الأعمى إزاء القرآن الكريم .. وذلك من مثل ما كتبه المستشرق «مارتينيو الفونسو فيفالد» الذي قال: «إن كتاب محمد لا ينبغي أن يقرأ، بل على العكس ينبغي أن  يسخر منه ويُلقى في النيران حتى لا نجده في أي مكان»!!                                      (يتبع)

(1) هذه وجهة نظر الدكتور عبدالرحمن بدوي. والأدق أن القبلة تحولت إلى مكة في السنة الثانية من الهجرة قبل تطهير الكعبة من الأصنام سنة 8 هـ.

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

Your name
Your email
الموضوع
ادخل رسالتك
x

الأكثر اطلاعا خلال شهر

الهجرة الواجبة علينا

الهجرة الواجبة علينا

 أ.د/ محمد محمد أبو موسى عضو هيئة كبار...

بيان من الأزهر الشريف

بيان من الأزهر الشريف

 فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ...

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم

 أ.د/ عبد الغفار حامد هلال أستاذ علم اللغة...

1234567

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2017 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg