| 23 نوفمبر 2017 م

الخطايا العشر للإعلام العربي

أ/ أبو بكر أحمد عبد المعطي كبير مذيعي إذاعة القرآن الكريم

  • || 13 ديسمبر, 2016
الخطايا العشر للإعلام العربي

يتجاوز الإعلام العربي مرحلة الأخطاء ليصل إلى مرحلة الخطايا. ومن خلال المتابعة المستمرة لوسائل الإعلام العربية نستطيع أن نضع أيدينا على مجموعة من السلبيات التي تترك آثارها الخطيرة في مجتمعاتنا على جميع المستويات العمرية.

الأولى: الطعن في ثوابت الأمة:

القرآن الكريم وصحيح السنة هما ثوابت الأمة ومرجعيتها المقدسة.

ونطالع بين وقت وآخر هذه البرامج الحوارية (الساخنة) والتي تثار فيها قضايا حسمها القرآن الكريم وعلماء التفسير والسنة منذ مئات السنين.. مثل قضية الجبر والاختيار!! والتي قُتِلتْ بحثًا جيلًا بعد جيل.. يقول فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسير قول الله تعالى:

"وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ"

(الزخرف: 20)

ما هي الفائدة وما هو العائد الذي يعود عليك حين تجد إجابة لسؤالك: أنحن مسيرون أم مخيرون؟

المسألة باختصار: علم لا ينفع، وجهل لا يضر». انتهى.

الأخطر من ذلك أن نشاهد حوارًا بين شاب ملحد من جانب وبين أحد (الشيوخ).. الكارثة في الأمر أن الملحد استعد جيدًا للحوار.. ورغم ضعف حجته والتناقض الواضح في كلامه إلا أن الشيخ لم يكن قد استعد جيدًا للحوار.. فيبدو الأمر وكأنه دعوة للإلحاد!!

أيضًا: من هذه القضايا التي يثيرها هؤلاء الإعلاميون: الطعن في كتب الصحاح!

الغريب في الأمر أن الذين يتحدثون في هذه القضايا ليسوا من أهل التخصص. فما درسوا علوم السنة، ولا علم لهم يعتد به في هذا الشأن.

ثم تزداد التجاوزات وتبلغ مداها حين نرى جَهولًا يتطاول على عمالقة الصحابة ويصفهم بصفات لا تليق بمكانتهم السامية. وهنا يتدخل المذيع -وقد بلغت الإثارة مداها- ليتوقف بفاصل إعلاني!

الثانية: السخرية من أصحاب السمت الإسلامي:

شاهدنا ذلك كثيرًا في الأعمال الدرامية التي تقدِّم علماء الدين في صورة هزلية. وحين يتكرر هذا المشهد في عشرات -بل مئات- الأعمال فإنه يستقر في ذهن المتلقي حتى يصير أمرًا مسلَّمًا به.

فصاحب السمت الإسلامي إما أنه -في نظرهم- منحرف في سلوكه، وإما أنه يتكلم بطريقة تثير الضحك، بالإضافة إلى سلبيات أخرى قدمتها الدراما العربية لعشرات السنين حتى رسخت في الأذهان، وتأسست عليها مواقف وأفكار تجاه الدين نفسه، وصارت تحتاج إلى جهود هائلة لمحوها.

الثالثة: السخرية من أصحاب اللغة العربية:

حين نعلم أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، وأنها لغة أهل الجنة، فلنا أن نفخر ونكاد بأقدامنا نطأ الثريا!! ولكن أهل الفن والإعلام في بلادنا لهم رأي آخر، وكأنهم تواطئوا وتآمروا بليلٍ على لغة الضاد!! وإلا.. فلماذا تجمع الأفلام والمسلسلات العربية قديمها وحديثها على تقديم معلمي العربية في هذه الصورة المزرية؟

فكم شاهدنا أعمالًا تقدم هذا المعلم في هيئة رثة!! وشخصية مهلهلة.. يتحدث بالفصحى بين أناس من العامة فيضحكون ونضحك معهم!! ثم يزداد الأمر سوءًا حين يتكرر على لسان هذا الممثل لفظ عربي فصيح من الألفاظ التي وردت في كتاب الله، فيردده الأطفال والسفهاء على سبيل المزاح!!

الرابعة: الترويج للمفردات السوقية:

وإذا كانت اللغة العربية تتعرض لهذه الهجمة الشرسة، وفي الوقت نفسه نسمع عبر وسائل الإعلام مفردات سوقية بعضها تشمئز منه الأذن النظيفة وبعضها الآخر يخدش الحياء فإن مسألة التواطؤ والتآمر ترجح كفتها.. وإذا كان أصحاب الأعمال الدرامية لديهم ما يبرر تقديم هذه المفردات فإن الإعلاميين وضيوفهم لا يملكون هذا المبرر.

إن كثيرًا من الأطفال يرددون هذه الكلمات، فإذا بحثت عن مصدرها فلن تجد لها مصدرًا إلا هذه الأعمال الدرامية، وهذه البرامج الحوارية التي تتحول أحيانًا إلى مشاجرات بين طرفي الحوار.

الخامسة: العنف البدني واللفظي:

يتحمل الإعلام المسئولية كاملة إزاء انتشار العنف بشقَّيْه البدني واللفظي داخل المجتمع، في الطريق العام وفي أماكن العمل، وداخل البيوت!

فسعيًا من الإعلام وراء الربح السريع وجذب عدد أكبر من المشاهدين فإنه يقدم وجبة دسمة من العنف، ولا يبالي من يقدمون هذه المشاهد من ردود الأفعال، وزيادة معدل الجرائم؛ ففي إحدى المدارس في الغرب اتفق ثلاثة من الطلاب أن يقوم أحدهم بضرب جرس الخروج بينما يقوم الآخران بإطلاق النار على زملائهم! وكانت النتيجة عشرات القتلى والجرحى.. وفي التحقيقات أقرَّ مرتكبو الجريمة بأنهم شاهدوها في أحد الأفلام.

السادسة: استغلال الأطفال:

مما يؤسف له أن إعلاميينا وصانعي الدراما في بلادنا يسيرون خلف الإعلام الغربي «حذو القذة بالقذة» فهناك أعمال درامية شهيرة يقوم ببطولتها أطفال تحت سن العاشرة، لاقت نجاحًا جماهيريًا في الغرب، فما كان من صناع السينما لدينا إلا أن دفعوا بالصغار أمام الكاميرات، ثم عقدوا لهم مسابقات الغناء والرقص، وكم شاهدنا هؤلاء الصغار وقد أصابتهم الصدمات والإحباط الشديد بعد إعلان خسارتهم أمام منافسيهم، وهو ما يمثل جريمة في حق هؤلاء الأطفال. فالقاعدة التربوية الشهيرة تقول: إن للطفل كل الحقوق، وليس عليه أية واجبات، فهو غير مكلف بعمل ولا بعبادة؛ ن العقل هو محل التكليف. وقد نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية إحصائية حول عدد الأطفال الأمريكيين الذين أصيبوا بأزمات نفسية بعد مشاهدتهم لهذه الأفلام وترددوا على عيادات الطب النفسي، حيث بلغ عددهم (29000) تسعة وعشرين ألف طفل.. فما بالنا نقلدهم في أعمالهم ولا نلتفت للآثار السلبية، ومن ثم لا نعالجها؟!

فأين هؤلاء الصغار البائسون من مسابقات القرآن الكريم.. والتي لا يخسر فيها أحد أبدًا؟

السابعة: القضايا الهامشية:

يجلس الإعلامي الشهير على مقعده الوثير، متوسطًا ضيوفه (الكبار)، ليناقش القضية المهمة، ألا وهي اعتزال أحد لاعبي الكرة وتأثيره على مستوى الفريق!! وعلى فضائية أخرى تجد الحوار دائرًا حول انصراف الجمهور عن دور السينما وكيفية إعادته! وعلى فضائية ثالثة تجد أحدث خطوط الموضة في ملابس الفتيات والشباب! يقول الإمام ابن القيم: إن المحل لا يقبل ضدين. ويبدو أن هؤلاء الإعلاميين أدركوا هذه الحكمة، فشغلوا الناس بقضايا لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ومن ثم ينصرف الناس عما ينبغي أن يشغلوا أنفسهم به، وتلك خطيئة كبرى، وخيانة لأمانة الكلمة.

إن العالِم الذي يعيش في بلد تعاني المجاعة ثم يتكلم في فقه الطهارة لهو من علماء السوء، وكان أولى به أن يقدم علاجًا لقومه من التكافل والتراحم والاجتهاد في العمل الزراعي.

الثامنة: الأسئلة الموجِّهة:

أعني بها هذا النوع من الأسئلة التي يوجهها الإعلاميون لضيوفهم، والتي تحمل في طياتها توجيهًا نحو إجابة معينة.

والحقيقة أن أغلب وسائل الإعلام تستخدم هذا الأسلوب في حواراتها.. فإما أن يأتي الإعلامي بضيوف لبرنامجه يعرف رأيهم مسبقًا.. وإما أن يتفق معهم قبل الظهور على الإجابات التي ينشدها.. وإما أن يتيح المجال حد الضيوف ويتجاهل الآخرين.. قاصدًا بذلك التأثير على المشاهدين.

ومن أمثلة هذه الأسئلة: حين يقع حادث لا تعرف أبعاده، ولم تُعلَن بعدُ نتائجُ التحقيق فيه، إن كان يمثل اعتداء أم أنه حادث عارض.. فنجد بعض وسائل الإعلام تصف الحادث بأنه إجرامي. وأن مرتكبيه يجب أن يقدَّموا للعدالة! وهكذا.

أيضًا فإن مذيعًا طرح سؤالًا على ضيفه قائلًا: ما رأيك في الأداء «الرائع» لهذا المسئول؟!

ومشكلة هذه الخطيئة الإعلامية تكمن في عدم احترام المشاهد، وعدم إتاحة الفرصة لعرض وجهات نظر أخرى، مما يفقد العمل مصداقيته.

التاسعة: معالجة القضايا الكبرى دون اللجوء إلى المختصين:

إذا كانت القضايا الهامشية تحتل حيزًا كبيرًا من الإعلام العربي فإنها قد احتلت هذه المساحة على حساب (القضايا الكبرى). ويبدو عدم احترام المشاهد قاسمًا مشتركًا بين أغلب هذه الخطايا الإعلامية. فعند مناقشة قضية فكرية تسيطر على الرأي العام وتحتاج لمتخصصين، ومساحة زمنية. نجد الوسيلة الإعلامية وقد استضافت متحدثًا ليس متخصصًا في موضوع النقاش، وليس ملمًا بأبعاد القضية. ثم يكتفي بالنفي أو الإثبات بحسب ما هو مطلوب منه، دون أن يكلف نفسه عناء إقناع المتلقي بوجهة نظره!

مثال ذلك: قضية تطوير التعليم في عالمنا العربي وربطه بالمستويات القياسية العالمية، قضية كبرى في غاية الأهمية تتعلق بمستقبل الأمة. إذا أردنا أن نتعرف على مدى اهتمام الإعلام العربي بهذه القضية فلننظر إلى المساحة الزمنية المخصصة لها، مقارنة ببرامج الرياضة والفن؛ لندرك أهمية إعادة ترتيب الأولويات في إعلامنا.

العاشرة: الإساءة إلى المرأة:

هي الأم والأخت والزوجة والابنة، هي الطالبة والمعلمة والطبيبة والفلاحة.. ولكنها بالتأكيد ليست هذه الصورة التي تقدمها الدراما العربية!!!

حيث نراها تقدَّم في صورة مبتذلة شكلًا ومضمونًا.. فملابسها خليعة.. ودورها مجرد أنثى تسعى للرجل بكل الحيل.. ثم إنها سلعة رخيصة، تستخدمها شركات الإعلانات للترويج لبضاعتها!!! حتى أصبح المشاهد يعتقد أن هذه هي المرأة العربية التي يراها عبر الشاشات؛ مما ترك أثرًا سلبيًا في مجتمعاتنا حول نظرة الرجل للمرأة وأسلوب التعامل معها.

وتلكم ورب العزة خطيئة لا تغتفر لوسائل الإعلام مجتمعة.. وحُقَّ لنا أن ننكر هذه الصورة الشائهة التي يقدمها الإعلام.

إن المرأة العربية في حقيقتها تعتز بكرامتها التي أعادها إليها الإسلام، فهي محتشمة في مظهرها.. مجاهدة داخل بيتها وخارجه.. صانعة للرجال، تقضي حياتها في عطاء دائم لأسرتها ومجتمعها.

فهذا غيض من فيض الخطايا الإعلامية، يجب على كل عناصر الأمة أن تسعى لعلاجها. وفوق كل ذي علم عليم.

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
5.0

Your name
Your email
الموضوع
ادخل رسالتك
x

الأكثر اطلاعا خلال شهر

الهجرة الواجبة علينا

الهجرة الواجبة علينا

 أ.د/ محمد محمد أبو موسى عضو هيئة كبار...

بيان من الأزهر الشريف

بيان من الأزهر الشريف

 فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ...

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم

 أ.د/ عبد الغفار حامد هلال أستاذ علم اللغة...

12345678

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2017 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg