أخبار المجلة

الخليل بن أحمد الفراهيدي (100هـ ــ 170 هــ)

إعداد الأستاذ / رمضان ثابت

  • الخميس, 17 نوفمبر 2016
الخليل بن أحمد الفراهيدي (100هـ ــ 170 هــ)

في أزهى عصور بني أمية، عصر الخليفة الراشد/ عمر بن عبد العزيز (99 - 101هـ) الملقب بخامس الخلفاء الراشدين، استقبلت الدنيا، ميلاد الخليل بن أحمد الفراهيدي، عبقري اللغة، ومؤسس علم العروض، شيخ المدرسة البصرية، فمَن هو الخليل؟ وكيف كانت ملامحه الشخصية وحياته العلمية والعملية؟ وما هي أبرز مؤلفاته ومآثره، وأقوال العلماء فيه؟ هذا ما سنعرض له في السطور التالية:

اسمه ونسبه:

هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفَرَاهِيديُّ، ويقال: الفُرْهودِي، الأزدي اليحمدي، نسبة إلى فراهيد أو فرهود، وهي بطن من الأزد العُمانية، والفرهود: ولد الأسد بلغة أزد شَنُوءة(1).

ميلاده ونشأته:

بينما كان أحمد الفراهيدي(2) والدُ الخليل ثالثَ ثلاثة في وفد أهل عُمان إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، يشكون إليه سوء فعال واليه على أهل عمان، كانت بطن فرهود بقبيلة الأسد العُمانية تستقبل بزغاريد الفرحةِ والسرورِ بكاءَ الخليل. وذلك عام مئة من الهجرة، وقد شبَّ الخليل على حب العلم، ورحل إلى البصرة صغيرًا، وبها نشأ ودرس الفقه واللغة على أبي أيوب السختياني، وتلقى العلم عن عاصم الأحول والعوام بن حوشب وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم. ثم ساح في بوادي الجزيرة العربية وشافه الأعراب في بلاد الحجاز وتهامة، والتقى أئمة العربية في عصره، ثم عاد إلى البصرة عارفًا بأسرار العربية، متصدرًا للتدريس بمسجد البصرة الكبير، فصار شيخًا للمدرسة البصرية، وعلامة فارقة في تاريخ العربية.

شخصيته وأخلاقه وحياته:

كان الخليل بن أحمد الفراهيدي -رحمه الله- رجلًا صالحًا عاقلًا؛ كان وقورًا كاملًا، مفرط الذكاء، وأكثر ما كان من صفاته بعد سيادته في العلم وانقطاعه له ما كان من زهده وورعه؛ إذ كان متقللًا من الدنيا جدًا، متقشفًا متعبدًا، صبورًا على خشونة العيش وضيقه، ومما حكاه عنه تلميذه النضر بن شميل قوله: «أقام الخليل في خُصٍّ من أخصاص البصرة، لا يقدرُ على فَلْسَيْنِ، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال».

ومن حكايات زهده أن سليمان بن حبيب والي فارس والأهواز وجَّه إليه يلتمس منه الشخوص إليه وتأديب أولاده نظير راتب يُجرِيه عليه، فأخرج الخليل إلى رسول سليمان خُبزًا يابسًا، وقال: ما عندي غيره، وما دمتُ أجده فلا حاجة لي في سليمان. فقال الرسول: فماذا أبلغه عنك؟ فأنشأ يقول:

أبلغ سليمان أني عنـه في سعـةٍ            وفي غِنًى غير أني لسـت ذا مـالِ

شيوخ الخليل:

تتلمذ الخليل على أكثر من شيخ وأستاذ، منهم أيوب السختياني البصري، وقد فقه اللغة عليه، ومنهم عاصم الأحول، والعوام بن حوشب، وغالب بن خطاف القطان البصري، وكذلك أبو عمرو بن العلاء، وعثمان بن حاضر الأزدي، وغيرهم.

تلاميذ الخليل:

أبرزهم سيبويه النحوي البصري حُجَّة العربية، والأصمعي، وحماد بن يزيد، وأيوب بن المتوكل البصري القارئ، وبَدَل بن المحبَّر، وداود بن المحبر، وعلي بن نصر الجهضمي الكبير، وعون بن عمارة، ومؤرج بن عمرو السدوسي، وموسى بن أيوب، والنضر بن شميل، وهارون بن موسى النحوي الأعور، ووهب بن جرير بن حازم، ويزيد بن مرة الذَّارع، والليث بن المظفر.

مؤلفات الخليل:

(كتاب العين)، وهو معجم بِكْر من نوعه في مصنفات اللغة العربية، وكتاب (العروض)، وكتاب (النقط والشكل)، وكتاب )النغم في الموسيقى)، وكتاب في (معانى الحروف)، وكتاب (جملة آلات الإعراب)، وكتاب (تفسير حروف اللغة)، وغيرها، وسنعرِّف بأبرز مؤلَّفَيْن له وهما العين والعروض.

العين:

منهج الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجم العين:

لقد رتَّب الخليل في (العين) الحروف العربية على مخارجها من الحلق على النظام التالي، كما جاء في مقدمته لكتاب العين: ع، ح، هـ، خ، غ، ق، ك، ج، ش، ض، ص، س، ز، ط، د، ت، ظ، ث، ذ، ر، ل، ن، ف، ب، م، و، ا، ي، همزة.

وإذا كان الخليل قد عدَّ العين أقصى الحروف مخرجًا، فإن سيبويه يذكر أن الهمزة أقصى الحروف مخرجًا. غير أن ابن كيسان يروي أنه سمع من يذكر عن الخليل أنه قال: «لم أبدأ بالهمزة لأنها يلحقها النقص والتغيير والحذف، ولا بالألف لأنها لا تكون في ابتداء الكلام ولا في اسمٍ ولا فعلٍ إلا زائدةً أو مُبْدَلَةً، ولا بالهاء لأنها مهموسة خفيَّة لا صوت لها، فنزلتُ إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء فوجدتُ العين أنصع الحرفين؛ فابتدأت به ليكون أحسنَ في التأليف».

وقد بسط الخليل في (العين) الكلام في هذه الحروف ومخارجها، فعدَّها تسعة وعشرين حرفًا، جعل منها خمسة وعشرين حرفًا صحاحًا لها أحياز ومدارج، كما جعل منها أربعة هوائية. ولقد وَسَم الخليل كتابه المعجم هذا بأول حرف اعتمده، وهو العين.

ولما كان الخليل أول واضعٍ للكلم العربي في صورة معجمية، كان عليه بعد ذلك أن يستقصي الكلمات بعد أن اختار الترتيب، وكان اعتماده على ما ساقه الصرفيون -ممن سبقه- من حصرٍ لأبنية الكلمة، وجعلها إما ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية. وعلى هذا وجد الخليل أن مبلغ عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل على مراتبها الأربع من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي من دون تكرار، اثنا عشر ألف ألف وثلاث مئة ألف وخمسة آلاف وأربع مئة واثنا عشر.

الثنائي: سبع مئة وست وخمسون.

الثلاثي: تسعة عشر ألفًا وست مئة وست وخمسون.

الرباعي: خمس مئة ألف وواحد وتسعون ألفًا وأربع مئة.

الخماسي: أحد عشر ألف ألف، وسبع مئة وثمانٍ وثلاثون ألفًا وست مئة.

اعتمد الخليل في هذا الإحصاء على تنقّل الحرف في بنيته من الكلمة، فالحرف في الكلمة الثنائية ينتج عن تنقله صورتان يكون أولًا ويكون ثانيًا، والحرف في الكلمة الثلاثية ينتج عن تنقله صور ثلاث يكون أولًا وثانيًا وثالثًا، والحرف في الكلمة الرباعية ينتج عن تنقله صور أربع، وفي الكلمة الخماسية صور خمس. ولا شك أن هذا الاستقصاء ثم الاستصفاء اقتضى من الخليل جهدًا حثيثًا، وفكرًا كبيرًا.

كتاب العروض:

ابتدع الخليل علم العروض على غير سابق مثال، وعن ذلك يتحدث الراحل الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي فيقول:

«ونأتي إلى عجيبة العجائب حقًا وهي ابتداع الخليل علم العروض ابتداعًا على غير سابق مثال.. وتفرُّده وحده بإنشاء علم عربي كامل تام. وإذا صرفنا النظر عن بحرٍ استدركَه بعده المستدركون، ونحن نعرف أن كل شيء مبتكر في العلم أو الفن يكون مظنة التعثر والأخذ والرد ويكون نواة يضعها المبتكر الأول في الأرض الجديدة، ثم تتوالى الأيام عليها بتوالي الباحثين سقيًا ورعاية وتسميدًا وتهوية، حتى تنشق الأرض عن الغصن الأخضر، وينمو الجذع والساق وتهتدل الفروع وتنضج الثمار، هذا هو المعهود في دنيا العلم، أما أن يكون (علم العروض) دوحة فينانة مثمرة ممتدة نشأت في أرض الخليل وحده، وبمعونته رعيًا وتهوية وريًا وتشذيبًا قد بسطت غصونها وامتدت ظلالها وجاءت بأشهى الثمر!! أما أن تكون دوحة العروض الوارفة الثمر كلها من صنع الخليل وغرسه فهذا هو الشيء الذي لا ينتهي منه عجب ذوي العقول.. الواقع أن منشأ علم العروض يرجع إلى اختلاط العرب بالعجم بعد الفتوحات الإسلامية العظيمة وإبانها حيث رأى الخليل فاشية اللحن على أيدي الموالي، وشاهد من ضعف السلائق وبلبلة الألسن ما خشي معه على الشعر روايةً وإنشاءً، كما وجد انحرافًا عن الجادة في قرض الشعر من بعض معاصريه مما حدا بالخليل إلى وضع هذا العلم (العروض) لكي يعصم هؤلاء من الزلل، فجال بفكره في الشعر العربي القديم وأخذ يجمعه من كل فج ليجعله طوائف وشيعًا. وليخص كل طائفة بوزن معين تنتمي إليه مئات القصائد فاتخذ أصولًا.. ووضع بكل أصل تفعيلات متميزة يعرف بها، وانتهت الأصول إلى خمسة عشر أصلًا سمَّاها بحورًا وجعل لكل بحر اسمًا يناسبه وأعانه على هذا التنسيق درايته بالموسيقى وذكاؤه الرياضي اللمَّاح، إلى جانب أنه لما وفد المدينة المنورة حاجّا في طريقه إلى مكة استرعى نظرَه شيخٌ أقبل على فتى يلقنه: نعم لا نعم لا لا، نعم لا نعم لا لا، نعم لا نعم لا لا، نعم لا نعم لا لا، فقال له الخليل: ما هذا الذي تقول لفتاك؟ فقال الشيخ: علم يتوارثونه عن السلف يقال له: (التنعيم).. قال الخليل فأحكمتها بعدُ. ثم وضع كتابه الذي سماه (العروض)، ذلك أنه عرض جميع ما روي من الشعر وما كان به عالمًا على الأصول التي رسمها والعلل التي بينها فلم يجد أحدًا من العرب خرج عليها.

ويزعم بعض الرواة أن الذي هيأ للخليل اختراع العروض مروره يومًا بسوق النحاسين وهو يدير بيتًا من الشعر في رأسه فتوافق تتابع حركاته مع تتابع طرقات النحاسين على آنيتهم، وسكناته مع توقف المطارق عن الآنية.. فالطرق حركة والتوقف سكون وهكذا، فأدرك أن موسيقى البيت الشعري إنما جاءت من حركات وسكنات منتظمة، وأجرى ذلك في بقية الأنواع حتى استوى له هذا العلم كاملًا. وقد كان هذا العلم غريبًا كل الغرابة في ذلك الوقت على أهل عصره حتى لَيُروَى أن ابن الخليل دخل عليه وهو يقطِّع بيتًا من الشعر وينطق بالوزن العروضي له، فدهش وحسب أباه قد جُن.

أقوال العلماء فيه:

قال حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتاب (التنبيه على حدوث التَّصحيف): «وبعدُ، فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم تكن لها أصول عند علماء العرب من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيمٍ أخذه، ولا على مثال تقدَّمه احتذاه، وإنما اخترعه من ممرٍّ له بالصَّفَّارين مِن وَقْع مطرقة على طست، ليس فيهما حجة ولا بيان يؤديان إلى غير حليتهما أو يفيدان عين جوهرهما، فلو كانت أيامه قديمة، ورسومه بعيدة لشكَّ فيه بعض الأمم؛ لصنعته ما لم يضعه أحدٌ منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قَدَّمْتُ ذكره، ومن تأسيسه بناء كتاب (العين) الذي يحصر فيه لغة كل أمة من الأمم قاطبة، ثم من إمداده سيبويه في علم النحو بما صنَّف كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام».

وقال عنه سفيان بن عُيَيْنة رحمه الله: «من أحبَّ أن ينظرَ إلى رجلٍ خُلِق من الذهب والمسك، فلينظر إلى الخليل بن أحمد».

وقال السيرافي: «كان الغاية في تصحيح القياس، واستخراج مسائل النحو وتعليله».

وأخيرًا فقد ذكر ابن خلكان في كتابه (وفيات الأعيان) أن الخليل اجتمع وعبد الله بن المقفع ليلة يتحدثان حتى الفجر، فلما افترقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ فقال: رأيت رجلًا علمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: رأيت رجلًا عقله أكثر من علمه.

وفاة الخليل بن أحمد الفراهيدي:

كانت حياة الخليل بين أزهى عصرين في دولة بني أمية ودولة بني العباس فكما كان مولده في خلافة عمر بن عبد العزيز أزهى عصور بني أمية وكانت وفاته في خلافة هارون الرشيد (170 – 193هـ) أزهى عصور بني العباس، فكان الخليل متفردًا بين بني جنسه ميلادًا وحياة ووفاة؛ وروي عن وفاته أنه أراد أن يُقرِّب نوعًا جديدًا من الحساب تمضي به الجارية إلى البائع فلا يمكنه ظلمها، فدخل المسجد وهو يُعمِل فكره في ذلك، ولكن أجله كان بالمرصاد، حيث صدمته سارية وهو غافل عنها بفكره، فانقلب على ظهره، فكانت سبب موته. وقيل: بل كان يقطِّع بحرًا من العروض، وكان ذلك بالبصرة سنة سبعين ومئة من الهجرة (170هـ) على المشهور، وبها دفن(3).

(1) أزد شنوءة أو أزد شنوّة هي قبيلة عربية تنتمي إلى الأزد، وهم أبناء كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد،  واشتهرت بكمال الخلقة البشرية؛ ففي الحديث في حق النبي موسى: «كأنه من رجال شنوءة». (صحيح البخاري). قال الخليل بن أحمد: «أزد شنوءة: أصحُّ الأزد فرعًا وأصلًا».

(2) قال أبو بكر بن أبي خيثمة: «أولُ مَن سُمِّيَ بأحمدَ في الإسلام بعد الرسول هو أبو الخليل بن أحمد العروضي» (الزركلي: الأعلام 4/165).

(3) للاستزادة يمكن الرجوع إلى (الخليل بن أحمد الفراهيدي: العين)، (رحاب عكاوي - الخليل بن أحمد الفراهيدي، صانع النحو وواضع العروض، دار الفكر العربي)، (عبد الله درويش، المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم العين للخليل بن أحمد - مكتبة الشباب)، (الزركلي، معجم الأعلام).)ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الأعيان). )موسوعة أعلام الفكر الإسلامي، إشراف وتقديم الأستاذ الدكتور/ محمود حمدي زقزوق -وزارة الأوقاف).

 

الطباعة
تاج:
Rate this article:
لا تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.

Your name
Your email
الموضوع
ادخل رسالتك
x
حقوق الملكية 2017 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg