| 22 نوفمبر 2019 م

من مقاصد الشريعة الإسلامية (الإعلاء من قيمة المساواة والمحافظة عليها 4)

أ.د/ عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول الدين

  • | الخميس, 3 نوفمبر, 2016
من مقاصد الشريعة الإسلامية (الإعلاء من قيمة المساواة والمحافظة عليها 4)

المساواة بين المرأة والرجل، مفهومها، ضابطها

كثيرًا ما يقع شغب من خصوم الإسلام حول هذه القضية بالذات، ضاربين صفحًا عن محاسن الشريعة الغراء من جوانب الإنصاف والإصلاح التي جاء بها الإسلام للمرأة، والتي لم تعرف البشرية في تاريخها الطويل لها مثيلًا.

والقرآن الكريم انتظمت آياته كثيرًا من التشريعات والأحكام التي أنصفت المرأة، وأتت آيات تبيّن لنا المساواة الدينية للمرأة والرجل على حد سواء، ومن ثم فإن الإسلام يرى أن مسئولية المرأة من الوجهة الدينية كمسئولية الرجل سواء بسواء، يكلف بالعقيدة، وتكلف هي بالعقيدة، ويطالب بالعمل الصالح، وتطالب هي أيضًا بالعمل الصالح، بل وتضمَّن الإسلام أن مسئوليتها في ذلك مسئولية مستقلة عن مسئولية الرجل لا يؤثر عليها – وهي صالحة – فسادُ الرجل، وخلل عقيدته ولا ينفعها صلاح الرجل وهي فاسدة العمل، فاسدة العقيدة، فلكل من الرجل والمرأة جزاء ما اكتسب من خير أو شر، وفيما قصّ الله علينا من ذلك قوله تعالى:

" ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (التحريم: 10، 11)

 وكما يقرر القرآن الكريم استقلال كل من المرأة والرجل في المسئولية الدينية يقرره بين الوالد وولده، حتى بلغ الولد درجة العقل والرشد قال الله تعالى: 

" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ"     (لقمان: 33)

وكذلك قرر القرآن الكريم المساواة في الجزاء بين الرجل والمرأة تساويهما في العمل فقوله تعالى:

"فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ"      (آل عمران: 195)

 ومن هذا القول الكريم نستخلص أمورًا يتجلى لك في ضوئها معنى المساواة فى الجزاء بين الرجل والمرأة بلا أدنى فرق.

أولًا: أن الاستجابة يصح أن تكون بغير ما طُلِب، فقد سألوا غفران الذنوب وتكفير السيئات، والوفاة مع الأبرار، فأجابهم بأن كل عامل سيوفى جزاء عمله.

وفي ذلك تنبيه إلى أن العبرة في النجاة من العذاب، والفوز بحسن الثواب إنما تكون بإحسان العمل، والإخلاص فيه.

ثانيًا: أن الذكر والأنثى متساويان عند الله في الجزاء متى تساويا في العمل، حتى لا يغترَّ الرجل بقوته ورياسته على المرأة فيظن أنه أقرب إلى الله منها.

ثالثًا: أن الله قد بيّن علة هذه المساواة بقوله: "بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ"، فالرجل مولود من المرأة، والمرأة مولودة من الرجل، فلا فرق بينهما في البشرية، ولا تفاضل إلا بالأعمال.

رابعًا: أنها رفعت قدر النساء المسلمات في أنفسهن وعند الرجال المسلمين.

خامسًا: أن هذا التشريع قد أصلح معاملة الرجل للمرأة، واعترف لها بالكرامة وأنكر تلك المعاملة القاسية التي كانت تعاملها بها بعض الأمم، فقد كان بعضها يعدّها كالبهيمة المسخّرة لمصلحة الرجل، وبعضها يَعُدُّها غير أهل للتكاليف الدينية؛ إذ زعموا أنه ليس لها روح خالدة، فما زعمه الإفرنج من أنهم السبّاقون إلى الاعتراف بكرامة المرأة، ومساواتها للرجل ليس مبنيا على أساس صحيح.

فالإسلام هو الذي سبق كل الشرائع في هذا، ولا تزال شرائعهم الدينية والمدنية تميّز الرجل من المرأة، نعم إن المسلمين قصّروا في تعليم النساء وتربيتهن، لكن هذا لا يصلح حجة على الدين نفسه.

سادسًا: أن ما َيفْضُلُ به الرجالُ النساءَ من العلم والعقل، وما يقومون به من الأعمال الدنيوية التي جرى عرف المجتمع على إسنادها إلى الرجال، وجَعْل حَظ الرجل في الإرث مثل حظ الأنثيين لأنه يتحمل نفقة امرأته، فلا دخل لشيء منه في التفاضل عند الله بثوابٍ وعقاب(2).

سابعًا: تأمل التعبير القرآني تجد أن الله ـ تعالى- كما يستجيب لدعاء الرجل يستجيب لدعاء المرأة، ولا يضيع العمل الصالح لأيّ منهما كما نصت الآية على ذلك "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ"، والتعبير أيضًا في الآية بقوله: " بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ" يدل على أن كلًا منهما مكمل للآخر وأن الحياة لا يمكن أنْ تسير في الاتجاه الصحيح دون مشاركتهما معًا(3).

ومثل ذلك قرّر القرآن الحياة الطيبة، والجزاء الأوفى والأجر الأحسن لكل منهما بسبب ما قدماه من أعمال صالحة قال الله تعالى:

" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل: 97)

والمراد من الآية – والله أعلم – من عمل عملًا صالحًا أيّ عمل كان، وهذا -كما قيل– شروع في تحريض كافة المؤمنين على كل عملٍ صالح، ولترغيبهم ولتثبيتهم على ما هم عليه من عمل صالح مخصوص دفعًا لتوهم الأجر الموفور بهم وبعملهم، وقوله: "مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ" دفع لتوهم تخصيص "من" بالذكور لتبادرهم من ظاهر لفظ (مَن) فإنه مذكر، وعاد عليه ضميره وإن شمل النوعين وضعًا على الأصح واستدل عليه بما رواه الترمذي من قوله ﷺ: «مَنْ جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله تعالى إليه»، فقالت أم سلمة: «فكيف تصنع النساء بذيولهنّ»(4) الحديث. فإن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- فهمت دخول النساء في (من) وأقرها على ذلك رسول الله ﷺ، وبأنهم أجمعوا على أنه لو قال: من دخل داري فهو حرّ فدخلها الإماء عُتقن، وبعضهم يستدل على ذلك أيضًا بهذه الآية إذْ لولا تناوله الأنثى وضعًا لما صح أن يبيّن بالنوعين.

وفي الكشف: كان الظاهر تناوله للذكور من حيث إن الإناث لا يدخلن في أكثر الأحكام والمحاورات – وإن كان التناول على طريق التعميم والتغليب حاصلًا، لكن لما أريد التنصيص ليكون أغبط للفريقين، ونصًا في تناولهما بين بذكر النوعين. اهـ (5).

قال العلامة الطيبي تعقيبًا على قولة الإمام الزمخشري: فإن قلت: (مَنْ) فتناول في نفسه الذكر والأنثى فما معنى تبيينه بهما؟

قلت: هو صالح على الإطلاق للنوعين، إلا أنه إذا ذُكِرَ كان الظاهـــر تناوله للذكور فقيــل "مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ" على التبيين ليعم الموعدُ النوعين جميعًا.  اهـ(6).

قوله: (ليعم الموعد النوعين جميعًا)، قال صاحب الفرائد: لو لم يذكر الأنثى لكانت داخلة في الحكم بطريق التغليب، ألا ترى إلى قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا" دخلت النساء في الخطاب بطريق التغليب(7)، ولما كان المراد من (مَنْ) العموم والاستيعاب لحصول التسوية بينهما في الحكم لا بطريق التغليب بين بقوله: "مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ".

وقال الإمام(8) إنه –تعالى- لما رغّب المؤمنين في الصبر على ما التزموه من فعل الواجبات، والمندوبات دون المباحات بقوله: "وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا" ثم رغّبهم في الإيمان بكل ما كان من شرائع الإسلام بقوله: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا" أتبع ذلك بقوله: "مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ" تقريرًا للوعد، وإزالة لوهم التخصيص كرمًا وفضلًا. اهـ (9).

هكذا سوّت الشريعة الإسلامية بين الرجل والمرأة كما نطقت بذلك نصوصها القاطعة بعموم ألفاظها كما رأيت من التعبير بـ (مَنْ) التي من أقوى صيغ العموم في التناول والشمول، ومع هذا دفعًا لتوهم التخصيص وعدم إرادة ذينك النوعين أتى بالتنبيه والتنصيص عليهما معًا في قوله: "مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ"  لحصول التسوية بينهما في الحكم كرمًا منه وفضلًا، كما نطقت بذلك عبارة الإمام الفخر طيب الله ثراه.

أفبعد هذا يشغب الشاغبون ويهرفون بما لا يعرفون حول قضية المساواة في الإسلام بين الرجل والمرأة؟ لا يفت في عضدك شغبهم، ولا تلتفت إلى صياحهم، انقل على قناعة كاملة –كما يقول الأستاذ فتح الله كولن– بأن الإسلام لديه أشياء كثيرة سيقولها العالم أجمع في هذا الموضوع، وربما أن حق الحديث الوحيد في هذا الموضوع مكفول له هو فحسب؛ إذ لم يكن الحديث عما يسمى حقوق المرأة أمرًا ممكنًا في المجتمع الغربي حتى وقت قريب.

أما في يومنا الحاضر فإن ثمة شذوذًا، وإفراطات متنوعة يتم الدخول فيها، ويبدو الأمر، وكأنه ردّ فعل موجه ضد الأزمنة السالفة.

والواقع أن كل هذه الأمور تبقى أمرًا نظريًا فحسب. فكم امرأة ترأس دولةً في العالم؟ وفي كم دولة في العالم تتولى امرأة وظيفة في مراتب الجيش العليا؟ تُرىَ هل تمثلُ في البرلمانات النساء اللاتي يساوين الرجال في تعداد السكان تمثيلًا ملائمًا لنسبهم المئوية؟ كم امرأة تتبوأ مكانها بين القادة الروحانيين في العالم؟ ويمكننا أن نضيف إلى هذه المجالات القضاء، والحياة المدنية، ومنظمات الأمن، وأجهزة الاستخبارات أيضًا.

هناك متحمسون للغاية في الغرب يقولون ينبغي أن يكون الأمر كذلك، لم نصادف قط وجود أمثال هؤلاء في عالمنا الإسلامي.

ويتحدث عالم الاجتماع الفرنسي: بوتول جاستون (Bouthaul Gaston) عن أن النساء لا يستطعن القيام ببعض القضايا الصعبة بسبب جوانبهنّ النفسية، ونظمهن المنطقية الخاصة، وأن بعض المواضع، مثل الحرب ستظل كما هي عليه من شأن الرجال أيضًا في الأيام القابلة.

وهو يرى أنه من الخطأ أيضًا التسوية بين الرجال والنساء في الأمور السياسية، والحاصل أنه يركز على البنية البدنية للمرأة، ويوصي ببعض الأشياء وفقًا لذلك وعدد من يفكرون مثله في الغرب ليس قليلًا.

إن التعبير عن الأشياء التي وضعها الإسلام من أجل البشرية عن طريق ربطها بالنسب ليس منهجًا صحيحًا، إلا أنه لا شك في أن الحديث عن بعض المواضيع بطريق المقارنة يكون أكثر توضيحًا وتنويرًا:

- فقد كانت المرأة في الديانات الهندية القديمة مخلوقًا دنسًا ضعيف الإرادة محتقرًا.

والحقيقة أنّ بوذا لم يكن يقبل النساء في دينه في أول الأمر، كما أن القانون في ذلك العصر لم يكن يعطي المرأة أية حقوق على الإطلاق.

- كان العرف العبراني يبيح للأب أن يبيع ابنته، كما كان من المستحيل فيه تمامًا أن ترث الفتاة إن كان لها أخ.

- أما في اليونان القديم فقد كان يمكن نقل المرأة للغير.

- كما لم تكن المرأة تعتبر إنسانًا في الصين، ولا تمنح اسما تنادى به.

- وكانت المرأة فـي اليهوديــة والمسيحيـة – اللتين تعرضتا للتحريف في بعض جوانبهما – تعتبر مرتكبة أول ذنب؛ لأن السيدة حواء أغوت آدم -عليه السلام-، وكانت السبب في أكله من الشجرة المحرمة.

- كما لا ننسى أنه لم يؤذن للمرأة في دولة غربية متحضرة بأن تمس الإنجيل في القرن السادس عشر.

- أما في آسيا فلم يكن الوضع مختلفًا عن هذا، إذ كان الرجل يستطيع الزواج بأيّ عدد من النساء إن كانت لديه القدرة المادية، وكانوا يرون زواج الأولاد بزوجات آبائهم دون الأم الأصلية أمرًا لا حرج فيه.

- وفي الجزيرة العربية أيضًا كان وضع المرأة يَفْطر القلوب، فكانت تتبادلها الأيدي وكأنها متاع أو غنيمة، وكانت الفتيات في بعض القبائل يُوءدون بسبب ضيق العيش، وبعض الأسباب الأخرى (كخشية العار) وكانت تتعرض لأنواع وأنواع من التحقير طول حياتها إذا ما كتب لها أن تعيش، وذلك لأن الألاعيب البذيئة التي تُلْعَب على المرأة كانت قد بلغت مستوى قد يصيب الناس الذين لم يفقدوا معنى الحياة بالجنون.

- أما الإسلام فقد واجه كل هذه السلبيات، وقضى عليها، فخاطب النساء والرجال على حدٍ سواء، ورفع المرأة إلى منزلة مباركة جديدة.

- فقد كانت النساء مجرد أشياء يملكها الرجال، لكن الإسلام رفعهنّ لدرجة أن جعل الجنة تحت أقدامهنّ، فلم يكن أحد يستطيع بعد ذلك إكراه هذا المخلوق الرقيق على الزنى أو البغاء أو الفحش، أو معاملتها على أنها من متاعه أو اتهامها في عرضها:  

 "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ"   (النور: 4 – 7).

 وقد أصبح للبنات بعد الإسلام شأن، فلم يعدن يعاملن باحتقار كما كنّ في السابق، وأصبح قتلهن حرامًا حيث أعلن القرآن ذلك كما يقول تعالى:

" قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"

(الأنعام: 151)

 ويقول -عز وجل-:

"وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا"

(الإسراء: 31)

فاختلاف المرأة جسديا لا يبرر احتقارها.

وفي قصة بدء خلق الإنسان التي يذكرها القرآن خُلِق سيدنا آدم أولًا، ثم خلقت زوجته حواء من نفس واحدة:

" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا " (الأعراف: 189)

وبهذا يذكرنا القرآن بأن الرجل والمرأة كلاهما بشر، فهما كيانان يكمل بعضهما البعض ويرجع الفرق بينهما إلى أهداف معينة، وليس إلى أسبابٍ وجودية.

أما الآيات القرآنية التي تشير إلى أن الرجال يَفْضُلون النساء، فإن ذلك يشير إلى أدوار معينة.

يذكّرنا ربنا -تبارك وتعالى- بأن بين النوعين فروقًا في القابليات، وأن الانتماء إلى نوع معين لا ينبغي أن يكون سببًا للشكوى، فليس هناك فرق على الإطلاق فيما يتعلق بعلاقة كل منهما مع الله تعالى:

" وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا " (النساء: 32)

ويقول:

" الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا"   (النساء: 34)

ويقول:

" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ " 

(الجاثية: 15)

إذن فليس هناك أي فرق بين النساء والرجال فيما يتعلق ببشرية كلٍ من هذين النوعين، والعلاقات الإنسانية مع الله، فهم سواء في حقوقهم وواجباتهم، فالمرأة تتساوى مع الرجل في حقها في حرية الدين، وحرية التعبير، وحقها في حياة كريمة، وحريتها المالية.

فقد أعطاها الإسلام استقلالها التام عن الرجل في الأمور المالية فلها مطلق الحرية في التصرف فيما تملك بالبيع والشراء والهبة والاستثمار... إلخ. دون إذن من الرجل ما دامت لها أهلية التصرف، وليس لزوجها ولا لغيره من أقاربها من الرجال أن يأخذ من مالها شيئًا إلا بإذنها، ولا يجوز للرجل –حتى ولو كان الأب– أن يجبر ابنته على الزواج من رجل لا تحبه. فالزواج لا بُدّ أن يكون بموافقتها، وبرضاها، وقد جاءت فتاة إلى النبي  تشكو من أنّ أباها زوّجها من ابن أخ له ليرفع بذلك من مكانته وهي له كارهة، فاستدعى النبي  الأب، وجعل للفتاة حرية الاختيار: إما رفض هذا الزواج، أو قبوله، فقررت بمحض إرادتها قبول هذا الزواج، وقالت: «يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي ولكني أردت أنْ أعلم النساء أنه ليس للآباء من هذا الأمر شيء»(10) أي ليس للآباء سلطة إكراه بناتهم على الزواج.

والمرأة شريكة الرجل في الأسرة، وفي تربية الأطفال، ولا يعقل أن تستقيم حياة الأسرة دون مشاركة إيجابية من الطرفين، وإلا اختلت موازين الأسرة وانعكس أثر ذلك سلبا على الأطفال.

وقد حمّل النبي  كلًا من الرجل والمرأة هذه المسئولية عندما قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع ومسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسئولة عن رعيتها»(11).

وإسناد المسئولية هنا للمرأة ينفي تمامًا تهمة تبعية المرأة الدائمة للرجل، فليست هناك مسئولية دون حرية، والحرية لا تتفق مع التبعية.

بل لا يجوز للرجل أن يمنع المرأة من التردد على المسجد للعبادة، وقد ورد عن النبي  في ذلك قوله: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (12).

وإذا كان بعض المسلمين - استنادًا إلى تقاليد بالية وأعراف باطلة – لا يلتزم بهذه المواقف الإسلامية نحو المرأة فإن ذلك يُعدّ جهلًا بالإسلام وأحكامه أو سوء فهم لتعاليمه الواضحة(13).

ومن حقوق المرأة أيضًا: المساواة مع الرجل أمام القانون، والمعاملة العادلة، والزواج وبناء الأسرة، والحياة الخاصة، والحماية.

والإسلام يضمن للمرأة ممتلكاتها، وحياتها وكرامتها تمامًا مثل الرجل، ومن ينتهك أيًّا من هذه الحقوق فله عقوبة قاسية.

نعم فالمرأة حرة، ومستقلة أمام القانون لا تمنعها أنوثتها أو تبطل أيًّا من حقوقها القانونية، فإذا انتُهكت حقوقها يحق لها أن تلجأ إلى العدالة تمامًا مثل الرجل، وإذا أخذ شخص أيّ شيء من ممتلكاتها ظلمًا فلها كل الحق في المطالبة به، وبما أنه توجد بعض الصفات التي تميز الرجال والنساء، فقد شرع الإسلام بعض القوانين، فالنساء – على سبيل المثال – يُعفوْن من بعض المهام مثل الخدمة العسكرية، والخروج للحرب، وأداء الواجبات المالية للأسرة ولنفسها... إلخ.

- أما بالنسبة لمسألة حصول المرأة على نصف نصيب الرجل من الميراث فمن الواضح – إضافة إلى ما ذُكِر أعلاه – أن المرأة أقلّ نفقة بالنسبة للرجل لأنها لا تتحمل أعباء الحياة المختلفة باعتبار أوضاعها الخاصة، ولذا فقد تساوى غُنْمها مع غرمها بأخذها نصف الحق من بعض الثروات من الميراث، وإذا أضيف إلى هذه أن حكم الإسلام يزيل نظر العائلة إلى المرأة على أنها إنسان يذهب بثروتها –أي العائلة– إلى الغرباء فسوف تتبين معقولية ومنطقية هذا التقسيم وأفضليتها.

* أما بالنسبة للشهادة فقد قال الله تعالى في القرآن:

"وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ" (البقرة: 282)

غير أنه ليس من المقبول استنتاج أي معنى من هذه الآية يشير إلى أفضلية الرجال على النساء في الإنسانية والقيمة، فالقضية الأساسية هنا تحقيق العدالة، والأمر يتعلق بأمور مثل النسيان والخطأ والشفقة والرحمة التي خُلقت النساء عليها، وإنْ لم تُرَاع هذه الجوانب من المرأة بحجة المساواة، فلا يمكن تحقيق العدالة.

وهذا الأمر ليس قاصرًا على النساء، فقد تُرْفض شهادة الرجال من الأعراب مثلًا عندما غلب على الظن أن قبول شهادتهم يمنع تحقيق العدالة وإحقاق الحق.

إن قضية الشهادة تتصل بالحياة الاجتماعية، وقد يصعب انخراط الشهداء في جميع قطاعات الحياة الاجتماعية –وحتى اليوم– فبعض الرجال والنساء لا يشهدون جوانب عديدة من حياة الناس.

وحكم الآية المذكورة متعلق بالشهادة الشفهية فيما يتعلق بالحقوق المالية والديون، وأما فيما عدا ذلك فيقول بعض الفقهاء: إن شهادة المرأة كتابة – إذا كانت هناك حاجة إليها – تقبل تماما مثل شهادة الرجل (14).

(1) يراجع: الإسلام عقيدة وشريعة للإمام الشيخ / محمود شلتوت ص27.

(2) يراجع: تفسير المراغي 4 / 165، 166.

(3) يراجع: الإنسان والقيم في التصور الإسلامي لأستاذنا أ. د/ محمود حمدي زقزوق – هدية مجلة الأزهر ص61.

(4) حديث أخرجه الترمذي في الجامع (1731)، وأصل الحديث عند البخاري في صحيحه (5783) ومسلم في صحيحه (2085) دون قول أم سلمة.

(5) يراجع: روح المعاني 7 / 462.

(6) الكشاف 9 / 190 حاشية فتح الغيب.

(7) مسألة هل (مَنْ) الشرطية تتناول الإناث تناولها للذكور؟ مسألة وقع النزاع فيها عند الأصوليين.

فعلى حين ترى الجمهور من الأصوليين يقولون بالتناول للإناث كتناولها للذكور فإن فريقًا آخر يرى أنها تختص بالذكور.

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري محشيًا على عبارة الجلال المحلي في شرحه على جمع الجوامع: «والأصح أن (مَنْ) الشرطية تتناول الإناث وقيل تختص بالذكور». قوله: «والأصح أن (مَنْ) الشرطية تتناول الإناث» أي بدليل نحو قوله تعالى: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "(النحل: 97)

ولا معنى لتخصيصه كإمام الحرمين ذلك بالشرطية، بل يجري الخلاف في الموصولة والاستفهامية، ومن ثم قال الصفي الهندي: “والظاهر أنه لا فرق” وبه جزم شيخنا ابن الهمام فقال: “وتخصيص محل الخلاف بالشرطية غير جيد”.

وعلى ذلك لو نظرت امرأة إلى بيت أجنبي جاز رميها على الأول، لحديث مسلم كتاب الآداب. باب تحريم النظر في بيت غيره (4/2205) عن أبي هريرة أن النبي  قال: «مَنْ اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلّ لهم أن يفقئوا عينه». وقيل لا يجوز على الثاني. ا هـ.

تراجع: حاشية زكريا الأنصاري 2/323 – 324 وشرح العضد 2/125، شرح التنقيح ص179، وتلقيح الفهوم ص330، والأحكام 2/215 والبحر 3/176، والبرهان 1/360، التيسير 1/222، والتقرير والتحبير شرح التحرير 1/253.

(8) مفاتيح الغيب 20 / 111.

(9) فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب 9 / 190 – 191.

(10) رواه النسائي في سننه، كتاب النكاح، باب البكر يزوجها أبوها وهي كارهة رقم (3269).

(11) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن.

(12) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليها فتنة، رقم (442)، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، رقم (556).

(13) يراجع: الإنسان والقيم في التصور الإسلامي ص61 – 63.

(14) يراجع: السلام والتسامح في فكر فتح الله كولن ص146 فما بعدها.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

الأكثر اطلاعا خلال شهر

المسلمون حول العالم

المسلمون حول العالم

 إعداد أ/ أحمد رضوان

بين أروقة الأزهر

بين أروقة الأزهر

 إعداد الأستاذ/ عبد الموجود أمين

أنباء الأزهر

أنباء الأزهر

 إعداد/ مدير التحرير

مسابقة مئذنة الأزهر

مسابقة مئذنة الأزهر

 إعداد أ/ جاد الكريم حربي

محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

 أ.د/ عبد المنعم عبد الله حسن الأستاذ في...

بين المجلة والقارئ

بين المجلة والقارئ

 إعداد الأستاذ/ محمد جمعة سكرتير عام التحرير

الأساس الإنساني للتضامن

الأساس الإنساني للتضامن

 أ.د/ محمود حمدي زقزوق رئيس التحرير

تفسير سورة البقرة

تفسير سورة البقرة

 الإمام محمد عبده

1234

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

 

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2019 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg