أخبار المجلة

الدور التنويري لفلسفة ابن رشد

أ.د/ محمود حمدي زقزوق رئيس التحرير

  • الخميس, 5 يناير 2017
الدور التنويري لفلسفة ابن رشد

لقد لخص أحد المفكرين المعاصرين حال الأمة الإسلامية في العصر الحاضر في عبارة قصيرة يقول فيها: إنها «أمة حائرة في عالم محير». وحقيقة الأمر أن من يتأمل أوضاع عالمنا العربي الإسلامي تستبد به الدهشة لما يسود هذا الجزء من العالم من حيرة وارتباك يسيطران على خطواته، فهناك تيارات فكرية ودينية تحاول أن تشد المجتمعات الإسلامية إلى الوراء متجاهلة مستجدات العصر وما طرأ على العالم من تطورات جوهرية، وهناك في الوقت نفسه تيارات أخرى تحاول أن تجذبها من وهدتها بقوة بطريقة قد تفقدها توازنها وتقتلع معها جذورها، بل وتفقدها هويتها.

وليس هناك من شك أن عالمنا العربي والإسلامي في أشدِّ الحاجة إلى حركة تنويرية شاملة في محاولة جادة لإخراجه من حالة الجمود والتخلف التي تسيطر عليه منذ مدة طويلة، وليس هناك من شك أيضًا في أن هذا أمر يتطلب بذل جهود كبيرة لتغيير العقلية العربية الإسلامية التي تتلمس طريقها وسط موجات من الاضطراب الفكري والديني الذي يخيم على مجتمعاتنا الإسلامية.

وإذا كان الكثيرون من مفكرينا ينادون دائمًا بالاتجاه نحو المستقبل والاستفادة من تجارب مَنْ سبقونا في ميادين التقدم وعدم الالتفات إلى الماضي، فإن هذا لا يمنع من أن نلتفت في الوقت نفسه إلى بعض النماذج المضيئة في تاريخ حضارتنا الإسلامية التي استطاعت بإشعاعها الفكري وتوهجها العقلي أن تفتح في الماضي آفاقًا واسعة للتنوير.

ومن الأمثلة البارزة في هذا الصدد الفيلسوف العظيم ابن رشد (1126 - 1198م)، فقد كانت له رؤية واضحة المعالم متمثلة فيما قدمه لنا منذ أكثر من ثمانية قرون من نموذج تنويري لا يزال مصدر إلهام لكل الباحثين عن التنوير في كل العصور. وابن رشد -الذي جاهد طوال حياته في سبيل تمكين العقل من أداء دوره الفاعل في حركة الحياة والأخذ بأسباب العلم بجميع جوانبه، والاستفادة من تجارب الآخرين- يُعد -بلا جدال- زعيم التنويريين في الشرق وفي الغرب على السواء.

وقد انتشرت أفكاره في أوروبا في العصر الوسيط وتم الاحتفاء بها وترجمتها والاستفادة منها، وقد مهدت هذه الأفكار الطريق لعصر النهضة الأوروبية، ومن المفارقات الغريبة أن استفادة أوروبا من الفكر التنويري لابن رشد كانت أكثر من استفادة العالم العربي من هذا الفكر.

فقد تلقى ابن رشد جزاء سنمار على جهوده التنويرية عندما تعرض لوشاية خبيثة من بعض علماء الكلام الجامدين في ذلك العصر تتهمه بالزندقة، الأمر الذي أثار غضب الخليفة عليه وتم نفيه وإحراق كتبه. وقد كانت هذه الصدمة العنيفة لابن رشد هي بداية النهاية لمشواره الفلسفي.

فعلى الرغم من أن الخليفة قد عفا عنه بعد ذلك، وعاد ابن رشد إلى مراكش فإنه لم يكن قد تعافى بعدُ من هول الصدمة الظالمة وتُوفي بعد فترة قصيرة.

ومصطلح التنوير وإن كان قد جاء متأخرًا عن عصر ابن رشد بعدة قرون، إلا أن فكر ابن رشد يعد تعبيرًا عما يقصد بهذا المصطلح الذي هو في العربية مشتق من النور الذي هو ضد الظلام، وضد الجهل الذي هو شكل من أشكال الظلام.

وتنوير ابن رشد يقوم على دعامتين أساسيتين هما العقل والدين وليس على دعامة واحدة، كما يحلو للبعض الترويج لذلك. وكما أن الطائر لا يستطيع أن يطير بجناح واحد فكذلك تنوير ابن رشد لا يجوز أن يفهم فهمًا أحاديًا. فالتنوير العقلي مطلوب، والتنوير الديني مطلوب أيضًا في الوقت نفسه، وبخاصة في عالمنا الإسلامي المعاصر الذي اختلطت فيه المفاهيم الدينية واختلت فيه الموازين الفكرية.

وفي سياق مماثل يقول الشيخ محمد عبده: «العقل يجب أن يحكم كما يحكم الدين، فالدين عرف بالعقل، ولا بد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معًا؛ حتى نستطيع أن نواجه المسائل الجديدة في المدنية الجديدة ونقتبس منها ما يفيدنا»(1):

وقد كان ابن رشد حريصًا كل الحرص على الاستفادة من أفكار الآخرين ما دامت هذه الأفكار ستفيدنا في مسيرتنا الحضارية لدرجةٍ جعلته يعتبر الاطلاع على ما لدى الآخرين والإفادة منها من الواجبات الشرعية.

وابن رشد -صاحب الفكر الواعي المستنير- لم يفهم الدين فهمًا جامدًا، وإنما فهم الدين على أنه نصير للعقل. ومن هنا فلا يوجد بينهما -في رأيه- تناقض على الإطلاق. ويصور ابن رشد العلاقة بينهما على أنها علاقة وفاق لا تشوبه شائبة، وإذا جاء الدين بما يتناقض مع العقل وجب تأويل النص الديني حتى يتوافق مع العقل.

ويتفق ابن رشد في هذا الصدد مع الغزالي الذي يقول: «فإن لنا معيارًا في التأويل وهو أن ما دل نظر العقل ودليله على بطلان ظاهره (أي ظاهر النص) علمنا ضرورةً أن المراد غير ذلك».

ويقول ابن رشد مصورًا علاقة العقل أو الفلسفة القائمة على العقل بالدين: «الحكمة (الفلسفة) صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة .. وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة»(2). كما يقول أيضًا: «فإنا -معشر المسلمين- نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له»(3).

ولا يفوت ابن رشد أن ينتقد الفكر الديني الذي كان سائدًا في عصره من جانب من يسميهم بـ(الأصدقاء الجهال)، وما أكثرهم في عصرنا أيضًا. ويعبر عما يشعر به من الحزن والألم بسبب «ما تخلل هذه الشريعة من الأهواء الفاسدة والاعتقادات المحرفة». وهذا هو حال الكثيرين من أبناء الأمة اليوم الذين لا يزالون يفسرون الدين على هواهم ويغرسون في عقول أبنائنا «اعتقادات محرفة» أدت بهم إلى طريق مسدود.

إن ابن رشد -بعد ما يزيد على ثمان مئة عام على رحيله- كأنه لا يزال حيًا بيننا يشخص أدواء مجتمعاتنا ويصف لها العلاج الناجع، فالذي يراقب أحوال مجتمعنا يجد خللًا في الفهم الديني لدى قطاعات عريضة وبخاصة بين الشباب، كما يجد أيضًا كثيرًا من الخرافات والأوهام لا تزال تعشش في عقول الكثيرين من أبناء هذه الأمة.

ومنهج ابن رشد التنويري هو المنهج الملائم لمجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة للأخذ بيدها نحو تحكيم العقل في كل أمور حياتنا وإفساح المجال للفهم الصحيح للدين ومقاصده بعيدًا عن الجمود الفكري والانغلاق الديني.

وعلى الرغم من وضوح فكر ابن رشد الداعي إلى التنوير على المستويين العقلي والديني فإن هناك بعض الاتجاهات الفكرية في الماضي وفي الحاضر أيضًا قد تحولت بفكر ابن رشد إلى غير ما كان يدعو إليه. ومن بين المدارس الفكرية التي تشكلت لهذا الغرض في العصر الوسيط في أوروبا مدرسة تُعرف باسم (الرشدية اللاتينية) تبنت أفكار ابن رشد العقلية واتخذت منها سلاحًا لمحاربة الفكر الجامد والمتسلط للكنيسة حينذاك.

وقد فهمت الرشدية اللاتينية تنوير ابن رشد فهمًا أحاديًا؛ فقد أخذت من فكره الجانب العقلي وتركت الجانب الديني؛ لأنها لم تكن في حاجة إليه في حربها مع الكنيسة، وصورت هذه المدرسة ابن رشد على أنه يقوم بالفصل التام بين الفلسفة والدين، فهما في فهم الرشدية اللاتينية على طرفي نقيض. وهذا ما لم يقل به ابن رشد على الإطلاق.

وقد سار الكثيرون من المشتغلين بالفلسفة في عالمنا العربي المعاصر وراء هذه المدرسة الرشدية اللاتينية دون الرجوع إلى فكر ابن رشد نفسه الذي سطره في كتبه التي خلفها وراءه للأجيال، واتُّهم من الجانبين بالقول بالحقيقة المزدوجة التي تعني أن ما هو حق من الناحية الفلسفية قد يكون باطلًا من الناحية الدينية والعكس صحيح أيضًا. ولا يزال هذا الاتهام يتردد في كتابات كثير من الباحثين في الشرق وفي الغرب حتى اليوم.

ولا شك في أن ابن رشد قد أكد على دور العقل وضرورة التمسك به، ولكنه في الوقت نفسه لم يقف موقفًا معاديًا للدين، ولم يكن ذلك أمرًا متصورًا من ابن رشد، فقد كان قاضيًا في قرطبة وإشبيلية، وقاضي القضاة في قرطبة فيما بعد، وترك لنا كتابًا يُعد من أحسن ما كُتِب في الفقه الإسلامي وهو (بداية المجتهد ونهاية المقتصد).

وهذا هو الجانب المنسي من فكر ابن رشد. فالذين يتمسحون بفكره، على غرار ما فعلته الرشدية اللاتينية، لا يريدون أن يعرفوا شيئًا عن هذا الجانب وعليهم أن يعيدوا قراءة ابن رشد قراءة موضوعية غير مثقلة بأحكام مسبقة إذا أرادوا إنصاف هذا الفيلسوف العظيم المفترى عليه.

(1) زعماء الإصلاح للأستاذ أحمد أمين، ص733.

(2) فصل المقال لابن رشد (ضمن كتاب: فلسفة ابن رشد) ص83، بيروت 2891م.

(3) المرجع السابق، ص91.

 

الطباعة
تاج:
Rate this article:
لا تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.

الخبر السابق الرؤية الإسلامية في مواجهة أزمة الاحتكار
الخبر التالى التعايش السلمي في ظل التعددية الدينية

Your name
Your email
الموضوع
ادخل رسالتك
x
حقوق الملكية 2017 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg