| 22 نوفمبر 2019 م

عالمية الدعوة الإسلامية

أ.د/ جعفر عبد السلام أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر والأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية

  • | السبت, 28 يناير, 2017
عالمية الدعوة الإسلامية

إذا كانت رسائل سيدنا محمد ﷺ إلى ملوك وزعماء عصره تفيد وجوب تبليغ الدعوة للناس كافة، فإن العديد من الآيات والأحاديث قد جاءت نصًا صريحًا في هذا الموضوع، ومن هذه النصوص قوله تعالى:  "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا" (سبأ: 28).

وقوله: " فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" (الحجر: 94)

وكذلك قوله: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ" (التكوير: 27)

وقوله: "وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ"  الشورى:7

وقوله: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" الأعراف: 158

وقوله: "لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ"  الأنعام: 19

وكذلك قوله:" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" المائدة: 67

ومن الأحاديث الناطقة بعالمية الدعوة أيضًا ما رواه البخاري أن النبي قال: أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهن أحد من الأنبياء قبلي... [منها]: وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى الناس عامة (1).

وقول النبي : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»(2). وما جاء في كتاب الرسول إلى كسرى بن هرمز ملك فارس: «أدعوك بدعاء الله، فإنني أنا رسول الله إلى الناس كافة؛ لأنذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين»(3)، وكما يقول رسولنا : «بلغوا عني ولو آية»(4). ويقول في حجة الوداع: فليبلغ الحاضر منكم الغائب (5).

ويفهم من هذا كله أن الرسالة للناس كافة، والدعوة لكل الناس. لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن الطبيعي أن تكون كذلك لأنها آخر رسالات السماء التي بلغت إلى الأرض، ولن تكون بعدها رسالة.

ونستطيع أن نفسر دوافع الفتوح الإسلامية كلها بفكرة عالمية الرسالة، نحن أصحاب دعوة، وأصحاب رسالة ومن واجبنا أن نبلغها للناس كافة(6).

وبناءً على هذا ظلَّ رسول الله يدعو إلى الدين الجديد وهو يعيش في مكة، ولم يقبل أن يحيد عن تبليغ الدعوة أو يتكاسل عن هذا التبليغ رغم الضغوط الشديدة التي وجدها من أهله وقومه، فلقد رفع شعارًا ظل متمسكًا به طوال حياته عندما طالبه عمه وحاميه أبو طالب أن يرحمه من ضغوط قريش ومطالباتها له، إذ قال قولته المشهورة: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه.

وأمام هذه الضغوط الشديدة والتحديات الأكيدة، يثبِّته الله تعالى على الحق وعلى الإيمان، وأعطاه قدرة فائقة على تبليغ الدعوة وإيصالها للناس.

ومن أجل ذلك يأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة أولًا ثم إلى المدينة ثانيًا، حتى يُنقذ الدعوة من محاولات الإهلاك. وترعرعت الدعوة في المدينة، حيث كان المجتمع المدني مجتمعًا زراعيًا يعرف الله ويتأثر في حياته ورزقه بما يجود به عليه، كان بعيدًا عن مجتمع التجارة المادي الذي كان يخشى ضياع هيبته ومصالحه قبل كل شيء، وعندما تم له النصر في مجتمع المدينة ثم فتحت له مكة، ثم شبه الجزيرة العربية بعد ذلك، تطلَّع إلى واجب تبليغ الدعوة للأقوام الأخرى، ومن هنا كانت رسائله التي نوَّهْنا عنها، وقد رصد جيشًا قبل وفاته يرد على من قابل رسله ورسائله بقبول سيِّئ، هو جيش أسامة بن زيد (رضي الله عنه).

إذن كان الفتح الإسلامي لتبليغ الدعوة؛ لحمل من لم يقبل أن تذاع أو أن تنتشر بين قومه سلمًا على فتح الباب أمام المسلمين؛ لإعلانها وتبليغها لتحقيق حرية العقيدة، فليس الغرض من إرسال الجيوش وفتح الأقاليم إجبار الناس على قبول الدعوة.

وأؤكد هنا أن الهدف لم يكن فرض العقيدة وإنما كان تحقيق حرية العقيدة؛ ليمكن لأي راغب في المعرفة أن يقبلها دون أي معوق(7).

إن الفتح الإسلامي لم يكن للغلبة أو لفرض دين جديد على الناس، وإنما لتبليغ الدعوة.

هذا -باختصار شديد- مقتضى أن الإسلام دين عالمي، وأن الرسول كُلِّف بتبليغ دعوة الهداية إلى الناس كافة؛ لذا إذا تعينت الوسائل السلمية لتبليغ الدعوة فلا يوجد أي مبرر للفتح والجيش والسلاح، ويكفي في ذلك تحقيق حرية الرأي وحرية التعبير في أي مجتمع، وسماح الحكام لمن يرغب في أن يتلقى أو يلتمس أو يعلم بأي شكل؛ حتى يكون المجتمع سالمًا من أي محاولات لدخوله عنوة(8)، وهذا هو مفهوم حرية الرأي التي تقررها مواثيق حقوق الإنسان في المجتمع الدولي(9). لذا يدخل الناس في دين الله أفواجًا بطرق عديدة غير الفتح والجيش الآن، كانتشار الإسلام بالسلوك الحسن (القدوة) ودخول العلماء الأفذاذ في الإسلام عن طريق قراءة كتاب الله أو تفاسير له مترجمة إلى لغات أخرى، أو عن طريق الاقتناع بمعلومات بلغت إليه بكافة وسائل التعبير الحديثة في الكتابة، والرسم، والقول الحسن، خاصة وقد تعددت الوسائل مثل: الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت)، والإذاعات المسموعة، والأحاديث التي تلقى في المجتمعات الخاصة أو العامة، والمحاضرات والندوات والمؤتمرات والنشرات... إلخ(10)، وهي من الأمور المشاهدة الآن بوضوح، وينتشر الإسلام بها اليوم انتشارًا واسعًا.

إن اتهام الإسلام بأنه دينٌ قد انتشر عنوة أو بالسيف -كما يدَّعِي أعداؤه والحاقدون عليه- يدعونا إلى أن نبين فكرة أخرى بجانب فكرة عالمية الدعوة، هذه الفكرة هي فكرة الحرب في الإسلام، ومجملها أن الإسلام دين السلام، وأنه لا حرب في الإسلام إلا للدفاع ورد العدوان.

 

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتاب التيمم الباب الأول جـ1 ص534، 634 حديث رقم 533. تحقيق: عبد العزيز بن باز، رقّمه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه: محب الدين الخطيب، دار المعرفة بيروت، لبنان.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي، المجلد الأول جـ2 ص681 كتاب الإيمان.

(3) البداية والنهاية جـ4 ص269.

(4) صحيح البخاري.

(5) متفق عليه.

(6) فالأمة الإسلامية أمة بلاغ وأمة دعوة، وهي تشترك مع رسولها في هذه الوظيفة وفي حمل تلك الرسالة. ومن صريح القرآن في بيان ذلك قوله تعالي:

"قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ"   (يوسف: 108)

وقوله: "وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (الأنعام: 153)

(7) وعلى ذلك فإن الفتوحات الإسلامية والجهاد الذي يدعو إليه الإســلام إنما يعمل علي تحقيق الحرية الدينية لا على هدمها؛ لأن الجهاد لم يكن لإلزام الناس بالإسلام، ولا لإجبارهم عليه. ولكن لإيصال فكرته إلي قلوبهم وصورته الصحيحة إلي عقولهم، وتتحقق من وراء ذلك الحرية الكاملة، فيختارونه بعد ذلك أو يدعونه عن إرادة وعن بينة.

(8) ولعله بعد وجود شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) اليوم قد سنحت للمسلمين فرصة عظيمة للقيام بواجب الدعوة وفريضة الدعوة إلي الناس كافة وبصفة خاصة لغير المسلمين وغير الناطقين بالعربية، وذلك دون قتال أو سلاح من خلال هذه الشبكة الدولية التي اخترقت كل الحدود وبرهنت برهانًا قويًا وواقعيًا على أن العالم مع اتساع أطرافه أصبح كالقرية الصغيرة تمامًا.

ولذا نهيب بالدول الإسلامية أن تخصص للدعوة الإسلامية وبيان عالميتها موقعًا كبيرًا على هذه الشبكة، وأن تهتم بتدعيمه تدعيمًا كاملًا، بتكليف فريق من علماء الأمة وخبرائها، يقومون بهذا العمل الإسلامي العظيم ويرصدون له من الدعم المادي ما يجعل هذا الفريق يواصل الليل والنهار في تقديم جهده وبذل وسعه من أجل تبليغ الدعوة إلي العالمين.

(9) تنص المادة (91) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان -وهو نفس النص الموجود في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية- على أن: لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.

(10) راجع: دراسة لنا عن تطوير الخطاب الإعلامي ضمن أبحاث مقررة بهذا العنوان عُقدت في مدينة الإسماعيلية ونشرتها الرابطة في سلسلة فكر المواجهة. ولعله مما يدل على أهمية الدعوة الإسلامية وقوتها أنه في الوقت الذي يحارب فيه الإسلام والمسلمون، ويوجه إليهم أشد أنواع النقد، نجد نسبة كبيرة قد دخلت الإسلام من الغربيين، رغم الحملة الضارية التي تشن عليه الآن. ومن الطريف أنه في زيارة لدولة النمسا ذكر لي أحد المسئولين هناك أن الإسلام قد فشل في الدخول بالحرب في النمسا، ولكنه دخل بالسلام من أوسع الأبواب، فذكرى هزيمة الجيش العثماني المسلم علي أبواب فيينا يحتفلون بها ويضعونها علي الكروت التذكارية لهم، وقد تغير الوضع باعتراف النمسا بالإسلام رسميًا وتعليمه في المدارس الرسمية وغير الرسمية وتمثيله في السجون والمستشفيات. بل تم -بالتعاون مع الأزهر ورابطة الجامعات الإسلامية- افتتاح الأكاديمية الإسلامية بالنمسا، وهي مؤسسة نمساوية تدفع نفقاتها الحكومة النمساوية، وقد تم افتتاح الأكاديمية في حفل مهيب عام 1999م حضره ممثل لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان النمساوي فضلًا عن رئيس جامعة الأزهر والأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية ولفيف من المسئولين من النمساويين والمسلمين.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
3.5

الأكثر اطلاعا خلال شهر

المسلمون حول العالم

المسلمون حول العالم

 إعداد أ/ أحمد رضوان

بين أروقة الأزهر

بين أروقة الأزهر

 إعداد الأستاذ/ عبد الموجود أمين

أنباء الأزهر

أنباء الأزهر

 إعداد/ مدير التحرير

مسابقة مئذنة الأزهر

مسابقة مئذنة الأزهر

 إعداد أ/ جاد الكريم حربي

محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم

 أ.د/ عبد المنعم عبد الله حسن الأستاذ في...

بين المجلة والقارئ

بين المجلة والقارئ

 إعداد الأستاذ/ محمد جمعة سكرتير عام التحرير

الأساس الإنساني للتضامن

الأساس الإنساني للتضامن

 أ.د/ محمود حمدي زقزوق رئيس التحرير

تفسير سورة البقرة

تفسير سورة البقرة

 الإمام محمد عبده

1234

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

 

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2019 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg