| 28 يناير 2021 م

دوحة الشعر.. الهجرة النبوية الشريفة وبداية التاريخ الحضاري للإنسانية

  • | الخميس, 27 أكتوبر, 2016
دوحة الشعر.. الهجرة النبوية الشريفة وبداية التاريخ الحضاري للإنسانية

إن الهجرة النبوية لها آثارها في تغيير وجه التاريخ، والارتقاء بالإنسانية إلى أفق أعلى، ورغبات أسمى، وتطلعات أكثر اقترابًا من فطرة الإنسان.

أ.د/ صابر عبد الدايم

العميد السابق لكلية اللغة العربية بالزقازيق

ورئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية – القاهرة

ويرى المفكر الأستاذ/ عباس العقاد أن الهجرة عبور إلى المستقبل، والرافعي يؤكد أن إرهاصات الهجرة هي المقدمة الإلهية للتاريخ، ويصور العقاد عظمة الزمان، وعظمة المكان، وهما  في مسيرة النبوة يخطان ويشكلان ملامح جديدة للعالم كله: أما المكان فهو (غار ثور) وأما الزمان فهو (يوم الهجرة)، ويؤكد هذه الرؤية الحضارية لآثار الهجرة النبوية المباركة.. قائلاً:

ستطلع الأقمار بعد الأقمار، وتقبل السنة القمرية بعد السنة القمرية، وكأنها تقبل بمعلم من معالم السماء يومئ إلى بقعة من الأرض هي غار الهجرة، أو يومئ إلى يوم لمحمد هو أجمل أيام محمد ؛ لأنه أدل الأيام على رسالته، وأخلصها لعقيدته، ورجاء سريرته، وهو يوم التقويم الهجري الذي اختاره المسلمون بإلهام لا يعلوه تفكير ولا تعليم، ولله درّ القائل مخاطبًا رسول الله :

الله يعلمُ كم كابدْتَ مِنْ كمدِ

وأنت ترحلُ عن أهْل وعن ولد

ونبضُ قلبكَ أشواق مؤرقة

لكل خاطرة..  في ذلك البلد

فكم هَمَسْتَ إلى أنسامها سحرًا

لكي تَفُوه بِسرِّ الواحد الأحد

وكم سَبحتَ مع الإلهام منفردًا

وفي حراء تلاشَتْ حَيرة الخَلْدِ

ما كنت تقرأ شيئًا من ضلالتهم

وعُدْتَ تقرأ باسم الواحد الأحدِ

أشرقْت  في يثربٍ بدْرًا

فأنقذ الكون من تيهٍ ومن بدَدِ

والله ينْصر من يحمي شريعته

وغير سنتك الفيحاء لمْ يُرَدِ

ومن وَحْي هذه الرؤى الحضارية السامقة يُسعد مجلة الأزهر أن تقدم للقراء الكرام  في مصر والعالم العربي والإسلامي ثلاث تجارب شعرية لكبار العلماء والشعراء احتفالًا بالعام الهجري الجديد.

أولًا: (من وحي طيبة) للشاعر المصري الكبير/ فاروق شوشة.

ثانيًا: موكب الهجرة النبوية للإمام الشيح محمد متولي الشعراوي.

ثالثًا: الركب المقدس بمناسبة عيد الهجرة للشاعر المصري الكبير/ محمود غنيم.

والله الموفق

 

من وحي طيبة

للشاعر المصري الكبير/ فاروق شوشة

الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة

إضـــاءة:

ألقى الشاعر فاروق شوشة هذه القصيدة بفندق شيراتون بالمدينة المنورة، ومنبع التجربة الشعرية ينطلق من الإحساس بقدسية المكان، والالتحام بأجواء المدينة المنورة، والامتزاج بها شعوريًا وفكريًا ومصيريًا إيمانًا من الشاعر بحضارة الإسلام، وأثره  في جمال الكون، والأخذ بيد العالمين إلى شاطئ النجاة:

هذي بحاليه تتْرى أم مُحَيَّاهُ

وتلك أنفاسُه؟ أم تلك رَيَّاهُ؟

يوم على ضفة الفردوس كم سبَحتْ

قلوبنا واستقرت عند بشراهُ

أسيرُ  في العطر تلقاني نسائمهُ

وأحضُن النور يلقاني وألقاهُ

إلى مشارف لم تلحق بها قممٌ

مدى الزمان ولم تُطْفأ نجاواهُ

على الروابي بقايا من ملاحمه

وفي الجبال الرواسي بعض سيماهُ

هذا الشموخ الذي في الأرض باذخه

وفي السماوات تعالى الله يرعاهُ

تفيض  في طيبة الغراء دوحتُه

مدى الظلال وترعاها سجاياه

نجم تجلَّى فكان الضوء مؤتلقًا

على الوجود وحيَّا نورَه اللهُ

* * *

هذا زمان تضيء النفس سيرته

وتستعيد الأماني بعض ذكراهُ

سيف من الله ماضٍ مُشْرعٌ أبدًا

تمتد للفتح والبشرى ذراعاهُ

وكل حبة رمْل  في مشارفها

تسبيحة للهدى تظما فتُسقاهُ

يوم على ضفة الفردوس كم سبحتْ

قلوبنا واستقرت عند بشراهُ

الشوق يملؤه، والوجْد يأخذه

وأقتَل الشوق أصباهُ وأشجاهُ

تفيض بالدمع عيناه ويسكنه

من الشجى العذْب وَقْدٌ  في حنَاياهُ

الذكريات الغوالي بعض حَلْوته

وخطوة  في السنا صارت قصاراهُ

إني على القُرْب فَيْض النور يَغْمرني

ومن رفيف السنا يهْتزُّ أَسْناهُ

ماذا أرجي وفيْض الذكر  في خلدي

وفي يديَّ مِنَ الريحان أنْداهُ

قد كنتُ أحلم أن أحظى بمشهده

واليوم يخفق  في الأعماق مرآهُ

إني على القُربْ فيْض النور يغمرني

ومن  رفيق السنا يهتز أسناهُ

* * *

هذي صحائفنا بالمجد حاشدة

فكيف يا قوم ينسانا وننساهُ؟

في أرض طيبة للإيمان سارية

تعلو وقلب مع الإيمان أوَّاهُ

ياساري البيد.. هذا اللحن  في فمنا

نحن النشاوى نغنيه.. ونحياهُ

لحن هو الطهر تسبيحًا ومرحمةً

في موقف نحن نهواه ونرضاه

ونستعيد زمانًا صُنْع كوكبة

وما لها  في مقام البذْل أشياهُ

فهل نعود كما كانوا.. يُتوِّجنا

هدْيُ الإله وتحدونا عطاياهُ

فكيف باتوا.. وعقْد الشمل منفرط

وكان حائطهم من قبل أعلاهُ

وكيف هانوا.. وفي أيديهمُ قبسٌ

من السماء وذِكْرٌ جلَّ مسراهُ

من أرض طيبة صوت الحق منطلقٌ

يدْعو ويهتف صِدْقًا باسْم مولاهُ

عهد علينا نصون الحلم مؤتلقًا

مدى الزمان نفدِّيه... ونرعاهُ

نقول مهما تمادى البغيُ وارتفعت

أعلامه.. بعض حين: حسبنا الله

حسبنا الله

 

موكب الهجرة النبوية

الإمام الشيخ/ محمد متولي الشعراوي

أريحي السماح والإيثار

لكِ إرث يا طيبة الأنوار

وجمال الجلال فيك عريق

لا حرمنا ما فيه من أسرار

تُجتَلى عندك البصائر معنًى

فوق طوق العيون والأبصار

ومن الحسن ما يضيق به الحسـ

ـن وعن فاقد الهوى متواري

قد حضنت الهدى حنونًا فألقى

فيك إشعاعه عصا التسيار

واحتفا بقعة لجفوة أخرى

ما تعد الأقدار للأقدار

قل لطلابه طلبتم عزيزًا

يتهادى في قبضة الجبار

مكر الله إذ مكرتم فآبت

بلظى الخزي ندوةُ الفجَّار

هل رأيتم فتى الفداء (عليًا)

كيف يحتل قبلة الأخطارِ

ويرى الموت قد أطل عليه

كاشر الناب جائع الأظفارِ

كيف يلهو به ويسخر هزءًا

من مشيب قبل اسوداد العذاري؟

كيف يرتاع والنبوة غذتـ

ـه حــــديد المهنـــــــد البتــــــار؟

يا وفاء الصديق  في رحلة الحق

سلام عليك يا خير جار

كنت درعًا إقامةً ومسيرًا

ونصيرًا يرجى لدى الإعسار

علم الله ما انطويت عليه

فجــــزاه إمـــــامة الأبـــــــــرار

وكفاه على الجزاء دليلًا

ثاني اثنين إذ هما  في الغار

أطرق الغار خاشعًا وسرى الها

دي حياة تدب بين القفار

فمشى الخير حيث يمشي وولَّى

كل عدم وطاح كل افتقار

وأتى أم معبد فتسامت

وهي من فكرة القرى  في دوار

ويحها ويحها، وويح كريم

حين تؤذيه صدمة الإعسار

قدمت شاتها بضرع بخيل

فإذا مسه فَكَالْمِدْرارِ

وإذا الله كان عون نبي

فازجر العقل عن حدود اقتدار

أحرقت قلبها المدينة شوقًا

عبقريا لطلعة المختار

أسرعي ناق فوق رحلك نور

ترتجيه مواكب الأنصار

رحمة للحبيب يرجو حبيبًا

فيرى الدهر  في أقل انتظار

حشدت حشدها فلما تجلى

كبر الحشد من جلال الوقار

ذكرينا يا دار هجرة طه

بالمجيد المسطور للأخبار

واملئي الناس عزة وطموحًا

وأرينا روائع الآثار

إنما تلك عبرة وتأسٍّ

صيروها ضربًا من الأخبار

أيقظي الشوق من سبات عميق

واحمليه إلى مدار الدراري

اطمئنِّي يا دار هجرة طه

ما توفي تحية الأشعار

فالتحايا إليك وثبة روح

تنفخ العزم  في حماة الذمار

ولنا من تراث ساكنها النو

رُ معين ثرَّ بغير قرار

ولنا  في خليفة الله في الأر

ض (مليك) ضمان كل انتصار

فلقد حكم الكتاب وأحيا

سنة المصطفى بكل الديار

وبهذا ولا سواه يرجَّى

عود سلطاننا على الكفار

كل دنيا تبنى على غير دين

فبناء على شفيرٍ هاري

الركب المقدس

بمناسبة عيد الهجرة

للشاعر الكبير/ محمود غنيم

من رواد الشعر العربي الحديث

أيُّ ركب دبَّ  في جوْف الفلاهْ

يَقْتَفي التاريخُ  في شوق خطاهُ؟(1)

تحتَ جُنْح الليل يسري خُفْية

في سبيل الله والحقِّ سُراه(2)

يقطع الليلَ مَسيرًا فإذا

وشَت الشمسُ به، ألقى عصاه

وقـــريشٌ خلفَــــه لاهثــــةٌ

تسأل الركبانَ عنه والمشاه(3)

فكأنَّ البرقَ في خَطْفَتِهِ

أعْيُنٌ شزراءُ، وَدَّتْ لو تراه

وكأن الطورَ في إطراقِهِ

سامعٌ تُنْصِتُ منه أُذُناه(4)

وكأن الرملَ يُحْصِي خطوَه

وكأن النجمَ من بعض الوُشاه

غير أن الركبَ يمضي ثابتًا

وشعاراه: اتِّئادٌ، وأناه

ويقـــينٌ بالـــــذي يحرســُه

من يَلُذْ بالله لم يَخْشَ سواه

في سبيل الله يمشي آمنًا

كيف يخشى وَهْو يمشي في حِماه؟

من هو الركبُ؟ نبيٌّ مرسَلٌ

وحواريٌّ تَهدَّى بهداه(5)

رَجُلاه بهما الدارُ نَبَتْ

فغزا العالمَ طُرًا رجلاه

ومشى التاريخُ من خلفهما

مرهفَ الآذانِ تَرْنو مُقلتاه

في يديه لَوْحه، ما همَسَا

همسة إلا وخطتها يداه

إن يكن هاجر منها كارِهًا

فَغَدًا يأْتي على رأس الغزاه

حلَّ ركبُ المصطفى في يثربٍ

كيف لا، والله يَرْعى من رعاه؟

رحَّبَتْ يثربُ، بل ألقت على

أُذُن الدهر هُتافًا، فَوَعاه

«طلع البدر»: نشيدٌ خالد

كلما ردَّدَه الدَّهرُ شجاه

بشِّرِ الشِّرْك بموت عاجِلٍ

أيها الشركُ، دَنَا يومُ الوفاه

أيها الأنصارُ، هذا يومُكم

يا سيوف الله  في حرب الطغاه

يا طَرِيدًا، ملأ الدنيا اسمُه

وغَدَا لحنًا على كل شفاه

وغدت سِيرتُه أُنشودة

يتلقاها رُواةٌ عن رواه

ليت شعري:  هل درى من طاردوا

عابدو اللات، وأتباع مناه؟

هل دَرَتْ من طاردتْه أُمةٌ

هُبَلٌ معبودُها؟ شاهَتْ وشاه

طاردَت  في الغارِ مَنْ بوَّأها

مَقْصِدًا لا يبلغ النجمُ مداه

أيُّ دينٍ ذلك الدينُ الذي

حَوَّل الأفكارَ عن كلِّ اتجاه؟

صَهَرَ الأنفُسَ حتى لم تعُدْ

تدركُ الأنفسُ شيئًا ما عداه

كم أبٍ خاصم  في الله ابنَهُ

وأخٍ حارب  في الله  أخاه

باسمه أمْسَى يَسوسُ الأرض مَنْ

يحلبُ النوق، ومَن يرعى الشياه

ويجوبُ البحرَ من لم يَرَهُ

غير طَيْفٍ من خيال  في كراه

ناشرًا من فوقه أعلامَه

تفزَعُ العِقْبانُ منها والبُزَاه

لم يكن طه لعَمْري ساحرًا

يخرِقُ العادات أو يَتْلو رُقاه

كلُّ ما جاءَ به من معجزٍ

سحَر الألبابَ: قرآنٌ تلاه

مُرسَلٌ نال بآي الذكرِ ما

لم ينلْ من قبلُ موسى بعصاه

وحَّد العُرْبَ، وكانوا بَدَدًا

كهشيم النبت من شاءَ رعاه

قوَّةٌ كامنةٌ أخرجها

مثلما يخرجُ طَلْعٌ من نواه

فإذا التيجانُ تهوِي، وإذا

بِرُعاةِ الإبْلِ للدنيا رُعا

(1) الفلاة: الصحراء: يقتفي: يتتبع.

(2) سَرَى سُرَىً، وأسرى إسراءً: سار ليلًا.

(3)لاهثة: من لهث لهثًا -ولُهاثًا بالضم-: أخرج لسانه عطشًا، أو تعبًا، أو إعياءً.

(4) الطود: الجبل.

(5) الحواري: الناصر، أو ناصر الأنبياء خاصة.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

الأكثر اطلاعا خلال شهر

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

 

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2021 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg