27 أكتوبر, 2019

خُلقتُ لإسعادك.. فلا تقْهرني!

خُلقتُ لإسعادك.. فلا تقْهرني!

تزوجتُ منه لأهرب من شبح العنوسة.

ولكن الزوج الذي كنت أتوقعُ منه السكن والمودة والرحمة كان شديد الغضب، وكان يشرب المسكرات.

فمنذ اليوم الأول من زواجنا اغتصبني، ثم أجبرني على القيام بأفعال شاذة، وكنت أمتنع، ولكن كان يمسك برأسي وشعري، ويضربني بالحائط، ثم تعدى ذلك إلى عزلي داخل البيت؛ فصار بيتي كالمعتقل، وقطع عني الاتصال بأهلي، وكان رد فعلهم أن قالوا لي: (أنتِ السبب، اسمعي كلامه، إنتي عاوزة تتطلقي ويقول الناس بنت فلان مطلقة، استحملي شوية واصبري وعيشي يا بنتي، بكره يعقل)، فلم ينْصفني أهلي.

وعند ذلك تحطمت نفسيتي؛ لأنني لم أجد رحمةً عند الزوج، ولا عطفًا عند الأهل، فالجميع يستضعفني.

وفى يومٍ من الأيام، رجع ليلًا بعد أن شرب الخمر؛ فدار نقاش بيننا، ثم تحول النقاش إلى مشكلة، فضربني بوحشية، ثم دفعني دفعة قوية، فسقطتُ من على السُلّم، وفقدتُ وعيي، ثم دخلتُ المستشفى، وبعد إجراء عملية لوقف النزيف الداخلي، استيقظتُ على الفاجعة، لقد فقدتُ رحمي، وحُرِمتُ من سماع كلمة (ماما) للأبد.

أما عن الصاعقة الكبرى فعند سؤال الشرطة عن الجاني قال أهلي: (إني وقعت وأنا أنظف السلَّم).

هكذا كانت تتحدث (حواء) عن نفسها في إحدى المستشفيات للأمراض النفسية والعصبية.

تبكي العين دمًا على مثل هذه القصص، وغيرها من التجارب المؤلمة التي نقابلها يوميًّا، ولا تكاد تسلم منها كل فتاة، سواء اختارت أن تحكيها، أو فضّلتْ الصمت على الجُرْح.

إيذاء نفسي، إيذاء جسدي، إيذاء جنسي، إهدار للكرامة، اعتداء لفظي، تهديد، اغتصاب.

كل ذلك وأكثر.

أفعال عنيفة تُتَخذ كل يوم ضد الأنثى بشكل متَعمّد، وتترك آلامًا نفسية وجسدية وجنسية للمرأة، تؤدى إلى إعاقة قدرتها على المشاركة الكاملة في المجتمع؛ وبالتالي انهيار المجتمع بأكمله.

فظاهرة العنف تفشت في حياتنا بشكل أدى إلى نوع من التوتر النفسي والعصبي لدى شرائح المجتمع؛ نتيجة لما يحدث في البيوت من سوء تربية، وفى الشوارع من فساد أخلاق، وفي المدارس من سوء توجيه وغياب القدوة، وفي وسائل المواصلات من معاكسات ومضايقات.

ولأن واعظات الأزهر الشريف على دراية كبيرة بحقوق المرأة التي منحها لها الإسلام، ولأنهن على علم بالطرق التي أمر الله تعالى بها للحفاظ على كرامة المرأة؛ انتفضت الواعظات لتوعية المجتمع بحق المرأة في العيش الكريم، ولتعريف الناس بالأساليب التي انتهجها النبي صلى الله عليه وسلم في رعاية النساء ومراعاة أحوالهن.

فإن الله عز وجل قد كرّم المرأة، ورفع شأنها، وأعلى قدرها، سواء كانت أمًّا أو زوجة، بنتًا أو أختًا، خالة أو عمة.

ومهما طوّف الناس، وتكلموا في قضية المرأة؛ فلن يجدوا شريعة حفظت لها حقوقها ورحمتها من التجني عليها مثل شريعة الإسلام، فلم تقتصر حقوق المرأة في الإسلام على الحقوق المادية فقط، بل تتعدى إلى الحقوق الجسدية، والنفسية، والجنسية.

فقد احترم الإسلام شخصية المرأة، وحماها من العنف الجسدي، ومما يدل على ذلك أنه حرّم قتلها في الحروب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم غضب عندما ضُربت امرأة على عهده، وإنما جعل الإسلام للرجل حق القوامة على المرأة ليدافع عنها، ويحيطها بقوتهِ، وينفق عليها، وليس له أن يتجاوز ذلك إلى القهر والجحود والضرب والقسوة.

كما حمى الإسلام المرأة من العنف النفسي؛ حيث أمر بكف الأذى عن المرأة، واحتماله منها، والحلم عند غضبها، وحسن معاشرتها، ومعاملتها بلطف، وعدم خدش مشاعرها وأحاسيسها، وحفظ كرامتها، وترك رميها بالعيوب، أو الاشمئزاز منها.

وذلك كله اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم ذي الذوق الرفيع في تعامله مع زوجاته، فإنه لم يضرب زوجة له قط، بل كان يراعيهن، ويحافظ على حبهن ومشاعرهن دائمًا.

 فكان صلى الله عليه وسلم يَقْبل مراجعة نسائه له؛ فقد رُوي أن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كان في المدينة، وهذا بعد الإسلام، فوجد زوجته تراجعه في الحديث، فقال لها: أتراجعينني؟ فقالت: ولِمَ لا أراجعك وابنتك حفصة وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم يراجعْنَه؟ فذهب عمر إلى حفصة ليسألها: هل تراجعين رسول الله؟ فقالت: نعم وكل زوجات النبي يراجعن رسول الله.

وكانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع زوجاته مليئة بحسن المعاشرة، وحسن الخلق؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «والله ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم» رواه ابن عساكر عن علي رضي الله عنه.

وكان يقول: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد، يضربها أول النهار، ثم يضاجعها آخره» رواه عبد الرازق عن عائشة رضي الله عنها.

كما يقول: «أكرموا النساء، فإنهن المؤنسات الغاليات» رواه الطبراني عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَفْرِك مومنٌ مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي آخر» رواه مسلم. 

فإن رأى الرجل من زوجته ما يكره، عليه إنصافًا أن يفكر في محاسنها أيضًا، فإذا وضع مساوئها إلى جانب محاسنها توازن الأمر، وأحبها، ورضي بها.

ووصى النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة؛ لضعفها جسمانيًّا وعصبيًّا وعاطفيًّا.

لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن خُلقن من ضِلَعٍ أعوج، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا».

ومما يعجبني في هذا قول أحد العلماء: «خُلِقت المرأة من أحد ضلوع الرجل، ولم تخلق من قدميه؛ حتى يحق له أن يدوس عليها،

بل خلقت من جنبه؛ لكي تكون مساوية له، ومن تحت إبطه؛ لكي يدافع عنها، وقريبة مِنْ قلبه؛ لكي يحبها».

فالإسلام جعل للمرأة حقوقًا وعليها واجبات، وجعل لها كرامة، واحترامًا ومقدارًا، واعْترف بوجودها ودورها، وساوى بينها وبين الرجل، ويكفي في ذلك قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة:٢٢٨].

وقوله تعالى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ} [آل عمران :١٩٥].

فإذا تأملنا في هذا التعبير الإلهي {بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ}؛ رأينا كيف سما القرآنُ بالمرأة؛ فجعلها بعضًا من الرجل، وكيف حد من طغيان الرجل؛ فجعله بعضًا من المرأة، وليس في الإمكان ما يؤدي معنى المساواة أكثر من هذه الكلمة.

 لذا أرى وجوب تكاتف جميع أفراد المجتمع، حكومة وشعبًا، وجميع المؤسسات التعليمية والإعلامية والاجتماعية، العام منها والخاص؛ للتصدي للعنف ضد المرأة، وإيقافه بشكل تام.

وربما يكون الحل في أن تبدأ الوقاية من المناهج الدراسية، التي يجب أن تضم برامج للتعريف بالعنف ضد المرأة، وكيفية حمايتها منه، ونشر الوعي الصحي والثقافي حول هذا الموضوع.

وأن يتم وضع خطط اقتصادية، تُمكّن المرأة من تعزيز دورها في المجتمع، وإبرازها كعضو فعّال فيه؛ من خلال تقديم الدورات التدريبية لها لدعم، وتطوير مهاراتها.

وأن يوجد تواصل بين ضحايا العنف وبين الجهات الاستشارية الخاصة؛ وذلك عن طريق إيجاد خطوط ساخنة لهذه الجهات، حيث يمكنها تقديم الاستشارات والمساعدات إذا لزم الأمر.

كما أوصي بإضافة قانون يقدم للمرأة عيشًا كريمًا لائقًا، يُلحق عقوبات قاسية بحق كل من تُسوّل له نفسه بالاعتداء النفسي أو الجنسي أو الجسماني عليها لردعهِ؛ وذلك لتشعر المرأة بالأمن والأمان الفعلي، وعدم الخوف من معاودة التهديد والعنف إليها؛ فالمرأة خُلقْت لسعادتك، فلا تكن سببًا في شقائها.

عدد المشاهدة (11615)/التعليقات (0)

كلمات دالة: منطقة وعظ دمياط