27 أكتوبر, 2019

التعايش السلمي بين الإنسان والبيئة

التعايش السلمي بين الإنسان والبيئة

أنعم الله عز وجل على الإنسان بهدايا كثيرة؛ أرض وسماء، بحار وأنهار، ماء وهواء، شمس مشرقة وقمر منير، نجوم وكواكب.
كل ذلك خلقه الله عز وجل بإتقانٍ عظيم، وجعل البيئة مهيَّأة لعيش الكائنات الحية عليها؛ من خلال توفير جميع الأسباب والظروف الملائمة لها:
فالأرض: جعلها الله عز وجل ممهدة ومُيسرة للحياة عليها؛ فقال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} [طه :٥٣].
والبحار والأنهار: سخرها الله عز وجل للإنسان؛ للأكل منها، واستخراج الحلي، ولتسير فيها السفن؛ فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:١٤].
والماء: سخره الله عز وجل لنا، وبيَّن لنا أهميته؛ حيث يرتبط به وجود المخلوقات الحية،
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:٣٠].
والهواء: فهو عنصر حساس للبيئة الحياتية، وبدون الهواء النقي لا تقوم الكائنات الحية؛ فقال تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ} [فاطر:٩].
والشمس والقمر والنجوم والكواكب: آيات من آيات الله، مسخرات ومذللات لمعرفة الأوقات، ونضج الثمار والزروع، والاهتداء بالنجوم فى الظلمات، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
[النحل :١٢].
ومن جملة ما أُمر به الإنسان -بعد عبادة الله وإقامة شرعِهِ- عمارةُ الأرضِ، والاستفادة من خيراتها..
ولا تتم هذه العمارة إلا بإصلاح البيئة، والمحافظة على سلامتها، والبعد عن كل ما يفسدها ويحول دون الانتفاع بها، واستثمار ما أوجده الله تعالى من مقومات الحياة البشرية على النحو الذي أراده الله تعالى، دون إفراط أو تفريط، أو إسراف أو تقتير، بالإصلاح دون الفساد، وبالبناء دون الهدم.
فإذا كان الله عز وجل قد سخر لنا الأرض، ومهدها لنا لنعيش عليها، وسخر لنا الماء لإخراج النبات والزرع، وسخر لنا الهواء لنتنفس؛ إذن فإن المحافظة على الأرض والماء والهواء والبيئة عامةً أمرٌ مطلوب وضروري، والإهمال بصورة عامة أمر مرفوض جملةً وتفصيلًا، والاعتداء على البيئة وخيراتها أمر يحرمه الشرع؛ فالإنسان مأمور بعدم الإفساد في الأرض بأي صورة من صور الإفساد (حسي أو معنوي).
قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:٥٦].
وإيمانًا منا بأهمية إيقاظ الوعي، وتنمية القيم التي تُحَسِّن من طبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة؛ قامت واعظات الأزهر بدورهن في المؤسسات المختلفة بتوعية مجتمعية على ضرورة المحافظة على البيئة، وحمايتها من التلوث؛ فالمحافظة على البيئة وحمايتها من التلوث جزء لا يتجزأ من إيمان المسلم، وشعبة من شعب الإيمان.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (صحيح مسلم).
فإماطة الأذى عن الطريق صورة من صور مواجهة التلوث وتطهير البيئة، ونظافة وجمال الشوارع وخلوها من الأذى من أهم الأمور التي يلزم المسلمين أداؤها، وعدم التهاون في المحافظة عليها؛ لذا يقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: «عرضت عليّ أعمال أُمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن» (أخرجه مسلم).
حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا العمل الخفيف الجليل صدقة؛ ففي الحديث يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «بكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة» (رواه البخاري).
فالتطهير والتجميل الذي أمر به الإسلام أتباعه؛ من نظافة شخصية، ووضوء، وغسل، امتد إلى بيوتهم وطرقهم، حيث نبه الإسلام على تخلية البيوت والشوارع من الفضلات والقمامات؛ حتى لا تكون مصدرًا للحشرات والأمراض والعلل؛ فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة» (رواه الترمذي).
فعناية الإسلام بالنظافة والصحة جزء من عنايته بقوة المسلمين المادية والأدبية؛ فهو يتطلب أجسامًا تجري في عروقها دماء العافية، ويمتلئ أصحابها قوةً ونشاطًا؛ فللجسم الصحيح أثر في سلامة الفكر، وفي تفاؤل الإنسان مع الحياة والناس.
ورسالة الإسلام أوسع في هدفها وأصلب في كِيانها من أن تحيا في أمة مرهقة، مريضة، عاجزة.
ومن هنا أُؤكد على أن الإسلام يربط الإيمان بالواقع الذي يعيشه الإنسان؛ فالإسلام ليس طقوسًا تؤدى، بل هو رُوح تسري في كل مجالات الحياة، ويجب أن يُترجم عمليًّا إلى سلوك يحقق الانسجام بين الإنسان والكون.
وهكذا يحقق الإنسان الخلافة في الأرض، وأداء العبادة على الوجه الأكمل.

عدد المشاهدة (2559)/التعليقات (0)

كلمات دالة: منطقة وعظ دمياط