29 أبريل, 2024

فن الاعتذار والمسامحة

فن الاعتذار والمسامحة

          
إن الاعتذار أدبٌ ديني، وخلقٌ اجتماعي، وهو من أقوى الصفات التي تدل على التواضع والتسامح، وهو أسلوب يُحسِّن صورة صاحبه ويُبعد عنه سوء الظن حين يصدر منه الخطأ؛ لذا وجب علينا الاعتذار عند الخطأ كما يجب علينا إعذار مَن أخطأ في حقنا والعفو عنه والصفح، وهذا ما تعلمناه من القرآن الكريم وسنة النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم-، وهدي صحابته الكرام -رضي الله عنهم-، وعباد الله الصالحين.
ففي القرآن نتعلم الاعتذار من قصة أبينا آدم وأمنا حواء -عليهما الصلاة والسلام-، وفي ذلك يقول ربنا جل وعز: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، وفي قراءة ابن كثير: {فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ}، وعندئذ تشعر بأن كلمات الاعتذار كانت تبحث عنه بشوقٍ ولهفةٍ؛ كما كان يبحث هو عنها، وهذا يعلمنا خلقًا قرآنيًا جميلًا؛ هو أن نُسهل للناس سبل التوبة والأوبة، ولا نضع سيف الخطأ والإساءة على رقابهم؛ لئلا نكون كفرعون الذي عيَّر سيدنا موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-؛ إذ قال له: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ★ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}.
إلا أن سيدنا موسى -عليه السلام- قال: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ}، فاعتذر عن هذا الخطأ الذي بدر منه دون قصد؛ ولم يبحث عن مبررات، وقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي…}.
القرآن يعلمنا فن الاعتذار وثقافتَه من خلال قصة نبي الله نوح -عليه السلام- وقد كان حريصًا على نجاة ابنه؛ فقال له: {يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا…}، وسأل ربه قائلًا: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ}، لكن ماذا فعل حينما قال له ربه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}؟ لقد اعتذر قائلًا: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ}.
وهذه بلقيس ملِكة سبأٍ تعترف بخطئها، وتعلن توبتها وأوبتها؛ فقالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأسوة والقدوة، فانظر كيف يفعل بعبدالله بن أم مكتوم بعد أن عاتبه فيه رب الأرباب؛ فكان كلما قابله يقول له: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، هل من حاجة؟».
ولم يكتف النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا؛ بل كافأه بأن استخلفه على المدينة مرتين خرج فيهما للغزو.
وفي واقعة تأبير النخل الشهيرة وهي في صحيح مسلم، وفيها يقول النبي- صلى الله عليه وسلم لأصحابه-: «فإني إنما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن».
وعلى هذا درج سلفنا الصالح، فهذا عمر بن الخطاب يرسل لعمرو بن العاص وولده ليقتص منهما رجل من أقباط مصر، ويذكره بوصية سيدنا رسول الله بأهل الذمة، ويقول كلمته المشهورة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!"، ويخوفه بقول البشير النذير: «من ظلم مُعاهَدًا أو كلفه فوق طاقته؛ فأنا خصمه يوم القيامة»، ويقول له: احذر يا عمرو أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لك خصمًا؛ فإنه من خاصمه خَصَمه!
وهذا عمير بن سعد يترك إمارة حمص؛ لأنه قال لنصراني: "أخزاك الله"، ويعاتب عمرَ بن الخطاب أن حمَّله الإمارة وهو لا يُطيقها، ويظهر خوفه من مخاصمة النبي -صلى الله عليه وسلم- إياه بسبب هذا.
واعلم أخي القارئ الكريم أنك لن تسامح أخاك إلا ويرفع الله درجتك؛ قال سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وما صبر عبدٌ على مظلمةٍ إلا زاده الله بها عزًا».
فاقبل اعتذار أخيك، واصفح عنه، فكل ابن آدم خطاء؛ ولكن خيرَ الخطائين التوابون، وأذكرك بقول الله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، واعلم أن الله يحب المحسنين.
ومن جميل ما قيل في هذا قول الشاعر الأمويِّ المغيرة ابن حبْناء:
خُذ مِن أَخيكَ العَفوَ وَاغفِر ذُنوبَهُ * وَلا تَكُ في كُلِّ الأُمورِ تُعاتِبُهْ
فَإِنَّكَ لَن تَلقى أَخاكَ مُهَذَّبًا * وَأَيُّ اِمرىءٍ يَنجو مِنَ العَيبِ صاحِبُهْ؟!
سترنا الله -جميعًا- بستره الجميل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بقلم / د. أحمد السيد السعيد / وعظ الدقهلية

عدد المشاهدة (560)/التعليقات (0)