خطاب داعش الحالي.. هزيمة نفسية ساحقة

  • | الثلاثاء, 25 ديسمبر, 2018
خطاب داعش الحالي.. هزيمة نفسية ساحقة

 

منذ أن أطلَّ علينا تنظيم داعش الإرهابي بوجهه القبيح، راح أتباعه والمنتمون إليه يدّعون - كذبًا وزورًا- أنهم حرّاسُ العقيدة، وحماةُ الدِّين، يدافعون عن أصوله، ويذبُّون عن حِياضه، ويردُّون عنه كل كيدٍ، ويقعدون لمن يتربَّص به كلَّ مقعد!
تلك دعاوى عريضة ردَّدها تنظيم داعش، وظلَّ يرددها فترةً من الزمن حين توهَّم لساعةٍ من نهار أنه قد تمّت له السيطرة على بعض المناطق.
وفي بداية نشأة التنظيم، لم يكن إصدارٌ مكتوبٌ أو مرئيٌ إلا ويشتمل على حديثٍ متغطرسٍ ناشئٍ من شعور هذه الجماعات المتطرفة بالخيرية والأفضلية على من سواهم، في حين قرّرَ القرآن الكريم الخيريَّة لكل الأمَّة  في قوله تعالى:{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] دون أن يختصَّ بهذه الخيريَّة طائفةً أو تيارًا أو جماعة.
وظلّت تلك الجماعات تستخدم «مفهوم الفرقة الناجية»؛ لجذب الشباب، وتنفيذ عملياتها الإجرامية، ولا يخفى على من عنده مسحة من عقل أن تلك التنظيمات بمناهجها المغلوطة وفهمها السقيم وممارساتها الإجرامية، لهي أبعد ما يكون عن أن تدخل في دائرة الفرقة الناجية من قريب أو بعيد؛ فإنَّ الإشارة إلى مفهوم الفرقة الناجية ورد في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي قال فيه: « ستفترق هذه الأمة -يعني أمته صلى الله عليه وسلم- على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، فقيل: من هي ؟ قال: الجماعة» وفي لفظ: «ما أنا عليه وأصحابي » إذن  الفرقة الناجية: هي تلك التي اجتمعت على الحقِّ الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- واستقامت عليه، وسارت على منهج الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومنهج أصحابه، فنشروا الدِّين بالحكمة والرحمة والموعظة الحسنة، لا تلك التنظيمات التي سلطت سيوفها في رقاب الناس لفرض باطلٍ يريدون أن يُلبسوه ثوب الحق.
يظهر شعور تلك الجماعات بالخيريَّة والأفضليَّة من خلال محاولتهم الظهور بصورةٍ قريبة من صورة الجيل الأول من الصحابة من حيث الاصطفاء والاختيار، والتأييد الإلهي لجهادهم، تجد هذا واضحًا جليًّا حين كتبوا في إصدارٍ من إصداراتهم :« وإننا وجدنا في زمننا هذا كثيرًا من المشاهد المشابهة لحال المسلمين في بدر وحنين، فكم من غزوة خاضها الموحدون وهم قلة ضعفاء ففتح الله عليهم، وكم من غزوة دخلوها بكثرة عدد وعدة، فعادوا منها مكسورين مثقلين بالجراح والهموم، ولنا في غزوة فتح مدينة الموصل مثال حي، إذ فتحها الله على أيدي عدد قليل من الموحدين لا يكفي لفتح حي من أحيائها بالحسابات العسكرية البحتة، فكان مقابل كل فرد من المجاهدين مائة أو يزيدون من جنود الطاغوت، مدججين بالسلاح والدروع، ولكن هزمهم الله ففروا تاركين وراءهم الأرض والمقرات والسلاح والمال، بل وتبعهم جنود الدولة الإسلامية يطاردونهم في المناطق الأخرى حتى فتح الله على أيديهم مساحات عظيمة واسعة لم يحكموا مثلها من قبل».

وبقليلٍ من التأمل في سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، نجد بونًا شاسعًا بين فلسفة الجهاد وحكمته لدى المؤمنين، وبين ما تمارسه التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها داعش وتسميه جهادًا، ويظهر من خلال ذلك أيضًا الفرق الكبير بين تأييد الله تعالى للمؤمنين في جهادهم ضد من اعتدى عليهم، وبين تلك الممارسات الإجرامية التي يقوم بها هذا التنظيم، فإنَّ جهاد الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يكن يومًا لفرض السيطرة، أو تعطشًا للدماء، بل كان جهادًا دفاعيًّا ضد من اعتدى على حياض الإسلام، أو حاول فرض سيطرته على المسلمين، وما أُثِرَ عن المسلمين قتل أعزل أو مسالمٍ لهم، وما أُثرَ عنهم حرق أسير أو ذبحه، وما أُثر عنهم إكراه أحدٍ أو إجباره على اعتناق فكرٍ بعينه، والأمر مختلفٌ تمامًا عند داعش كما لا يخفى.
لقد كان الأمر بالقتال في القرآن والسنة من باب دفع العدوان الذي مارسه المشركون ضد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وضد أصحابه؛ بل إنَّ الدارس والمتابع والمطلع على غزوات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  يجد أنها كانت لردِّ العدوان، ولتأمين الدعوة والمسلمين في أوطانهم، وهو سبب منطقي تتفق العقولُ على وجاهته، بل هو سبب منطقي لتأمين الديانات السماوية بأسرها، وهذا ما يُفهم من قول الله تعالى:{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40].
وبهذا يتضح لكلِّ ذي عينين أنَّ ما يقوم به داعش ليس من الجهاد في شيء، بل هو فسادٌ وإفسادٌ، وتخريبٌ ودمارٌ، يدلُّ على جهلهم، وطيشهم، وسفاهة عقولهم، ومن ثمَّ فإن ما عقده المنتمون من مقارنةٍ بينهم وبين الصحابة الكرام ما هو إلا دعوى عريضة ينقضها العقل والواقع، وهو ادعاء كاذب يغني كذبُه عن تكذيبه، وبطلانُه عن إبطاله.
 إلا أنَّ مكمن الخطر في استخدام هذا الكلام في تنمية الشعور بالأفضلية والخيرية لدى أتباعهم، حين يصورون لهم أنهم محلُّ عناية الله وحفظه، دون غيرهم من غير المنتمين إلى فكرهم والسائرين على منهجهم.

ولقد تهاوت – سريعًا- تلك الدعوى العنتريَّة لمّا مُني هذا التنظيم بخسائر فادحة تتعلق بخسارته كثيرًا من الأرواح، وفقدانه المناطق التي كان يسيطر عليها، وتغيَّرت تلك النبرة المتعالية والمعتزة بنفسها، وظهرت في إصداراتهم المكتوبة والمرئية والمسموعة نبرةٌ جديدة، يعرض التنظيم نفسه من خلالها على اعتبار أن ما حدث لهم من انكسار إنما هو من باب الابتلاء والتمحيص لهم ولصدقهم وثباتهم، وبالتالي هم مأجورون في كل الأحوال، والظروف!
ولعل المقطع الصوتي المنسوب لأبي بكر البغدادي زعيم التنظيم الذي بثَّته المواقع التابعة للتنظيم ثاني أيام عيد الأضحى المبارك 1439هـ،قد تضمّن هذه الرسالة بشكل واضح، حيث تغيَّرت لغةُ القوة والاستعلاء إلى لغة الدَّعم والمواساة وقد أسسَّ لأتباعه أنَّ خسارتهم وهزيمتهم المُرَّة إنِّما هي لحِكمٍ إلهية عديدة لتهذيب نفوسهم وإصلاح اعوجاجهم، وأنَّ النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانًا وركونًا إلى العاجلة، وذلك مرضٌ يعوقها عن جِدِّها وسيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيَّض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواءً لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه، ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه لغلبته الأدواء، حتى يكون فيها هلاكه!
 وبهذا يحاول البغدادي أن يؤكد تلك الفكرة الخرافية التي تسيطر على عقلية المتطرف بأنه في كل حالاته من الهزيمة أو النصر أقربُّ وأحبُّ إلى الله من غيره، وأنَّ له فوق الناس درجة وكرامة! فإذا هُزم المتطرفُ فإنِّه ابتلاء من الله له؛ ليمتحن إيمانه وصبره ومدى ثباته على الحق، وإذا انتصر فإنَّ الله أيَّده ونصره وأظهر الحق على يديه؛ ما يجعل الإرهابي يسير في ظلماتٍ بعضها فوق بعض لا يبصر سوى طريق القتل والعنف ولا يفكر أن يعود عن هذه الطريق لإيمانه أنها طريق خلاصه!

وهكذا يقوم التنظيم بالتلاعب بعقول أتباعه ببثِّ هذه الروح التي تدعوهم إلى مزيد من الصبر والتّحمل بعد ما لحقتهم الخسائر بأشكالها المختلفة، لينقذ ما تبقى من  روحهم المعنوية ؛ إلا أنه من الواضح جدًا أنَّ خطاب داعش قد بات هزيلًا منكسرًا، بعد ادعاء القوة والغلبة فترة من الزمن، مما يعطي دلالة واضحة لا تقبل الشكَّ أنَّ هذا التنظيم قد انهزم نفسيًّا هزيمة لا تقلُّ عن هزيمته العسكريّة، وإن رُمتَ دليلًا على هذا فبماذا نفسِّرُ انشقاق الشباب عن «داعش» والعودة إلى أوطانهم بعدما تجلَّت لهم حقيقة هذا التنظيم الذي غرّر بهم للمشاركة بين صفوفه للقيام بأعمال إرهابية إجرامية؟!
ولماذا أصدر البغدادي في أكتوبر الماضي أوامره بإعدام 320 من عناصره بتهمة خيانة الأوامر، وتسببهم في إلحاق خسائر بالتنظيم؟
إن هذا كلّه يعطينا من ثوابت اليقين ما يدلُّ دلالةً واضحة على أن توالي الهزائم وفداحة الخسائر التي لحقت بداعش تسببت في إصابته بالوهن، وأنَّ علامات الانهيار الداخلي ظاهرةٌ لا تخفى، وأن التنظيم يعاني الآن من تخَبُّطٍ شديدٍ، قد أوصله إلى حالة من اليأس، وأنه في مأزقٍ حقيقي حتى وإن حاول  إثبات العكس.
وهذا بدوره يحتّم على جميع الجهات المعنيّة ضرورة الاستمرار في محاربة هذا الفكر المتطرّف بكل حسمٍ وقوة وعلى جميع الأصعدة، كلما حاول الظهور، حتى ينتهي وجوده.

 وحدة رصد اللغة العربية

 

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
5.0