هجمة شرسة على اللاجئين بعد الأحداث الدامية الأخيرة

  • 09 يناير, 2017
هجمة شرسة على اللاجئين بعد الأحداث الدامية الأخيرة

لا تزال معاناة اللاجئين مستمرة، وتزيد حدتها يومًا بعد يوم؛ بسبب العمليات الإرهابية التي تضرب كثيرًا من البلاد الأوروبية، وبسبب التهديدات التي تطلقها التنظيمات المتطرفة من حين لآخر، وكان ضمن هذه التهديدات حث تنظيم داعش جميع مقاتليه على شن المزيد من الهجمات على السفارات والسفراء في جميع أنحاء العالم، من خلال نشر قوائم بأسماء السفارات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأكدت مجموعة "سايت للاستخبارات"، بناء على مراقبتها للمواقع الجهادية عبر شبكة الإنترنت، أن تنظيم داعش يحرض على شن المزيد من الهجمات الإرهابية بعد نشر قائمة بأسماء وعناوين وأرقام هواتف والبريد الإلكتروني لسفارات روسية في عدة دول من بينها كامبالا وأوغندا وطهران وإيران وباكو وأذربيجان تيرانا وألبانيا. كما صرحت ريتا كاتز – مديرة مجموعة سايت للاستخبارات- أن تنظيم داعش والقاعدة احتفلوا عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بقنص السفير الروسي، كما حذر تقرير صادر عن "مؤسسة اليوروبول" من أن مقاتلي داعش قد دخلوا أوروبا بهدف شن هجمات متخفين داخل أعداد كبيرة من اللاجئين، هذا وقالت الجهات الأمنية إن التنظيم يستخدم طرق الهجرة من أجل تهريب مقاتليها لشن هجمات في أوروبا، وتعتبر بريطانيا أعلى قائمة الدول المستهدفة.
وفي الغالب تؤدي مثل هذه الانذارات والتهديدات والتحذيرات إلى تخوف المجتمع الغربي من اللاجئين هناك، مما يزيد من أوضاعهم صعوبة، ومما يزيد الطين بلة في هذا الصدد استغلال بعض السياسيين مثل هذه الأفعال ذريعة للهجوم على الإسلام والمسلمين، والمطالبة بطرد اللاجئين من البلاد الأوروبية، وتزداد معاناة اللاجئين يومًا بعد يوم في ظل وجود أصوات تطالب بمنعهم من اللجوء إلى هذه البلدان، وفي هذا الصدد قام الكثير من السياسيين المنتمين للأحزاب اليمينية المتطرفة بالحديث عن مخاطر اتّباع أوروبا لسياسات الباب المفتوح التي انتهجتها رئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركل لتسمح بدخول قرابة المليون لاجئ.
وفي هذا الشأن شنَّ الهولندي "خيرت فيلدر" هجومًا ضاريًا على الإسلام، وعلى استقبال اللاجئين في البلاد الأوروبية، حسب ما أورد موقع معهد "جيت ستون انستيتيوت" الأمريكي للتحليلات السياسية، ويذكر الموقع أن "فيلدر" اتهم السلطات الألمانية بالاستهانة بخطر الإسلام. وذكر فيلدر أن الأحداث الجارية والعمليات الإرهابية التي حدثت في ألمانيا مؤخرًا تؤكد على هذا الأمر، مشيرًا إلى أنه لا يمكن إلقاء اللوم على منفذي تلك الجرائم وحدهم، بل أيضًا على الساسة الذي رحبوا بدخول الإسلام للدولة رغم علمهم بأن النصوص الدينية الإسلامية تبيح قتل اليهود والنصارى، ولا نعلم من أين يأتي اليميني المتطرف فيلدرز بهذه المزاعم التي يروج لها أتباع هذا التيار في البلاد الغربية، متغاضيًا عن النصوص التي تأمر بالتسامح وتحريم قتل النفس، وأن النصوص التى يتحدث عنها قد أسىء فهمها أو ابتسرت من سياقها.
وأضاف فيلدرز أن استمرار هذا الوضع القائم وغض طرف الساسة عن حقيقة الدين الإسلامي المروعة لا ينذر بخير على ألمانيا بوجه خاص والمجتمع الغربي بوجه عام، لذا فقد دعا فيلدرز الساسة الأوروبيين للتصدي لأسلمة مجتمعاتهم من خلال غلق أبواب بلادهم أمام اللاجئين القادمين من دول إسلامية، والاحتجاز الوقائي للمسلمين المتطرفين ومصادرة ممتلكاتهم وطردهم، لينعم المجتمع الغربي بالأمان.
وتظهر من خلال تلك التصريحات والدعوات العنصرية الخلط الشديد والمغالطات الكبيرة؛ لأن الإسلام لم يدعُ إلى قتال الناس بل الدافع المحرك للقتال في الإسلام هو الدفع لا الاعتداء، كما قال الله تعالى "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" بل كان النبي (صلى الله عليه وسلم) أحلم الناس حتى مع من أخطؤوا في حقه؛ فقد قال (صلى الله عليه وسلم) لأعدائه "أذهبوا فأنتم الطلقاء".
ومثل هذه التوجهات السياسية اليمينية تزيد من صعوبة اندماج هؤلاء اللاجئين، وتعمل على اتساع الفجوة بينهم وبين سكان البلاد الأصليين، إن مرصد الأزهر دائمًا ما يدعو إلى التفريق والتمييز بين هذه العناصر المتطرفة وبين المسلمين عامة الذين ينتهجون الدين القويم، كما يؤكد المرصد دائمًا على أن الأفكار التي تبثها الجماعات المتطرفة أبعد ما تكون عن الدين الإسلامي القويم، وأنه على الجميع أن يعي هذا الأمر وألا يضع جميع اللاجئين في سلة واحدة بسبب تطرف قلة منهم.
ومن العجيب أن نرى مثل هذه الأصوات الداعية لمنع اللجوء إلى أوروبا من أي دولة مسلمة، تخرج من أحد القيادات الدينية التي من المفترض أن تكون داعية للسلام ونبذ العنصرية، فقد نقل صحيفة "Sunday Express" البريطانية أن الكاردينال "كريستوف شونبورن" مطران فيينا والمرشح للجلوس على الكرسي البابوي دعا مؤخرًا إلى إعادة النظر في قضية اللاجئين في أوروبا واصفًا إياها بأنها عبء على المجتمع.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن "شونبورن" كان يرى في البداية أن أوروبا تستطيع التغلب على أزمة اللاجئين، إلا أن موقفه تغير حاليًا بل أصبح يحذر من أن المسلمين سوف يقضون على الهوية المسيحية لأوروبا ويستحوذون عليها، كما أشار إلى أن خسائر أوروبا من استقبال اللاجئين لن تكون اقتصادية فقط بل هناك خطر ضياع الإرث المسيحي.
ومثل هذه التصريحات تتنافى تمامًا مع القيم السامية لتعاليم المسيحية السمحة التي تدعو إلى التسامح، ونتساءل عن رد فعل المجتمع الدولي لو خرجت مثل هذه التصريحات المعادية لفئة بعينها من أحد القيادات الإسلامية أو العربية.
ويطالب مرصد الأزهر الشريف الدول الأوربية بتبني النموذج الكندي تجاه اللاجئين، والذي يحاول جاهدًا دعم المعاهدات التي تدعو إلى المساواة والاندماج وحماية الحقوق المدنية، وقد أكد رئيس الوزراء الكندي "جاستن ترودو" في كلمته التي ألقاها في الاحتفال بالكريسماس أن كندا سوف تستمر في احتضان اللاجئين من سوريا، فيما  دعا "ترودو" المجتمع المسلم في كندا إلى الانخراط في العملية السياسية والانضمام إلى الأحزاب المحافظة والأحزاب الأخرى؛ لضمان عدم استحواذ حزب من الأحزاب على الساحة السياسية. وتجدر الإشارة إلى أن كندا استقبلت حوالي 38 ألف لاجئ غالبيتهم من المسلمين.
إن أديان العالم أجمع تدعو إلى العدل والمساواة بين الجميع، وقد أكد الإسلام على عدم أخذ إنسان ما بجريرة غيره؛ فقوله تعالى: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" من الأصول المقررة في الشريعة الإسلامية، وانطلاقًا من هذه القاعدة يدعو مرصد الأزهر الأطراف المعنية بقضايا اللاجئين إلى معاملتهم بالعدل والمساواة، ومحاسبة من يثبت تورطه في أعمال إجرامية أو تثبت علاقته بجماعات إرهابية طبقًا للقانون، لكن من لم تثبت عليه أيّ من هذه التهم فلا ذنب له في أن يتم طرده أو إهانته أو منعه من اللجوء في الوقت الذي يعني الأمرين بين صراع داخلي واضطهاد خارجي.


وحدة رصد اللغة الإنجليزية

 

Print
كلمات دالة:
Rate this article:
No rating

Your name
Your email
الموضوع
ادخل رسالتك
x