ماذا بعد تدمير داعش للإرث الحضارى الإنسانى؟

  • | الجمعة, 4 سبتمبر, 2015
ماذا بعد تدمير داعش للإرث الحضارى الإنسانى؟

تتوالى الأخبار عن مواصلة تنظيم داعش تدميره وتخريبه لإرث البشرية الحضارى الذى أنتجه الإنسان عبر العصور والذى يعكس بدوره تنوع البشرية واختلافها الذى هو آية من آيات الخالق سبحانه ، فهاهم- وبعدما دمروا مادمروا من آثار العراق فى الموصل ونينوى وسامراء حاضرة الخلافة العباسية وغيرها وحرقوا من كتبها حتى قبور الأنبياء لم تسلم من تخريبهم فهاهم يدمرون بالديناميت قبر النبى يونس عليه السلام  واستولوا على مدينة تدمر التى كانت تسمى " درة الصحراء" فى مايو الماضى - يأتون اليوم على ماتبقى من معالمها الأثرية من معابد وقصور وغير ذلك فوق أنهم وكأنهم يريدون القضاء على الحجر والبشر فقتلوا ذبحا خالد الأسعد البالغ من العمر 82 عاما، والمعروف فى العالم بخبرته بهذا الموقع الأثرى الفريد وكأنه ارتكب جرما وكفرا إذ تخصص فى هذا الفرع من المعرفة الإنسانية وكما نقلت مجلة لوبوان le Point  الفرنسية  فقد قاموا بتفجير المعبد الشهير فى المدينة الأثرية تدمر بسوريا والمدرج على لائحة التراث العالمى. وقد بدأ بناء معبد "بعل شمين" عام 17م، ثم تم توسعته و تنميقه فى عهد الإمبراطور الرومانى هدريان عام 130م. والجدير بالذكر أنهم دمروا ونهبوا منذ دخولهم إلى سوريا  أكثر من 300 موقع أثرى

وإذا سألتهم لماذا تفعلون ذلك؟ يقولون إنها من الأوثان التى يجب اجتنابها وتدميرها مستندين إلى تفسيرات مغلوطة غير منضبطة منهجيا وعلميا مع صحيح الدين والغاية من الخلق. فما خلق الله البشر إلا ليتعارفوا ويتفاهموا ولايكون ذلك إلا بمعرفة الآخر والتعرف عليه واكتشاف ثقافاته وأفكاره وحضارته التى تتجسد واقعا فيما يقول أو يفعل أو يترك من أثر أو عمل فنى يعبرعن هويته وتاريخه وعاداته وتقاليده وأعرافه وهكذا خلق الله الناس مختلفين فى التوجه والفكر والاعتقاد بل وفى طريقة عبادتهم وإيمانهم بالله : " ولو شاء ربك لجعل التاس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم..." ( سورة هود، الآيتان 118-119).  ولذلك خلقهم مختارين لامجبورين وكان منهم المؤمن والكافر " هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن" ( التغابن، آية 2)، ولم يجعل حتى لنبى على قلب بشر سبيلا: "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين.." ( يونس، الآية 99) و" لست عليهم بمسيطر"( سورة الغاشية، الآية 22) . فلا محاكمة من أحد لضمير الآخر ولا إكراه ولا إجبار. وللبشرية إذن أن تعبر عن هذا التنوع والإختلاف الداعى إلى إثراء تراثها والحفاظ على حياتها  أيا كان شكله ووسيلته, وقد عبر الإنسان بسبل مختلفة تحقق له إنسانيته وتنزع عنه حيوانيته، فكان الفن

والرسم والنحت أحد أهم أدوات ملكة التعبير التى وهبها الله البشر فكيف يأمر الله أو رسوله بأن يُقضى على ذلك قضاء مبرما يُمحى به تاريخ الإنسان ونتاج الموهبة التى أودعها الله إياه؟  

جاء الإسلام بهذا المفهوم الصحيح الذى لا يخالف أو يناقض الفطرة التى فطر الله الناس عليها. ولما رأى الناس قد حادوا عن الصواب وأخذوا مما يبدعون آلهة من دون الله بما يخالف العقل السليم والمنطق القويم أمر الناس ألا يعبدوا إلا إلها واحدا وألا يعبدوا ماينحتون لأن الجماد الذى هو من إبداع الإنسان لايمكن أن يكون نافعا أوضارا ناهيك أن يكون إلها. هنا كان سياق تحريم صناعة التماثيل بقرينة عدم اتخاذها آلهة تعبد من دون الله, وليس ثمة أمر مباشر من الشارع بتدمير كل ماتقع عليه عين المسلمين من آثار. ألم يدخل المسلمون وفيهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى  دول كثيرة كانت تنتمى لحضارات وثقافات أخرى وقبلوا هذه الثقافات واستوعبوها وبدهى أن كان لها أشكال من الفنون، ولم يعمل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على التفكير فى تخريبها أوتدميرها وإزالتها من الوجود أو سمحوا بالمساس بها؟ ألا تمثل أهرامات مصر وأبو هولها ومعابدها الممتدة على طول مصر وعرضها من الأقصر وأسوان جنوبا إلى الأسكندرية شمالا بما يمثله ذلك من حضارة فرعونية ورومانية وقبطية نموذجا على قبول وتقبل الإسلام لها ليقينهم من عدم تأثيرها على عقيدة الناس ودينهم؟ هل من يدمرون ويخربون باسم الإسلام أشد تقوى وورعا وتدينا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل أصدر الصحابة أو من تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا فتاوى تبيح أو توجب ذلك ؟ ألم يصل الصحابة والتابعون بالإسلام إلى حيث أفغانستان وغيرها من بلاد آسيا ومابها من تماثيل بوذا وغيرها؟ هل رأينا هدما لها بالمعاول إلا مع طالبان وأشباهها ادعاء للورع واستنادا إلى مايعتقدونه دينا وماهو إلا اجتهادات بشرية تصيب وتخطىء فى حدها الأدنى؟  كيف إذن تغفل الأمة فى مجملها عن واجب دينى على مدى تاريخها حتى يأتى من يعتقدون أنهم وحدهم الذين يمتلكون ناصية الدين وأنهم المتحدثون باسمه فيشرعوا للناس ما ليس لهم به علم ومالم يدرسوه أو يعرفوه من تاريخ الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين إلا إذا اعتبرناهم – حاشاهم- مقصرين فى مهمة البلاغ ؟  

وهنا يأتى دور البيان الواضح الذى يقوم عليه الراسخون فى العلم والمؤسسات الموثوق بها التى تُجلى للناس أمور دينهم من واقع الكتاب والسنة الصحيحة بفهم السلف الصالح رضوان الله عليهم.  وجميل أن يدين الأزهر الشريف بما يمثله من سماحة الإسلام ووسطيته محاولات داعش تدمير التراث الإنساني والحضاري، ويؤكد على أنَّ التدمير المتعمد للآثار الذي تقوم به ما هو إلا محاولات يائسة لطمس المعالم الحضارية والثقافية والتاريخية للعرب والمسلمين؛ خدمةً لأجندات استعمارية خبيثة كما جاء فى بيانه. ومن الضرورى أن يكون هناك توعية

بخطورة ذلك حضاريا وتأثيميه دينيا وخلقيا بل وإنسانيا باعتباره جريمة ترتكب فى حق الإنسانية تشويها لتراتها وتاريخها وقطعا لأوصال أجيالها فتقضى على الماضى الذى ينعكس على الحاضر فى بنيان الأمم وتأتى بذلك على مستقبلها وهويتها وهذا خطر يتهدد البشرية بأجمعها وعليها أن تتحسب له وتقف له بالمرصاد لتحقيق هناءها وسعادتها. ونختم بالآية القرآنية الكريمة : "ولاتسبو الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ... ".....(سورة الأنعام، الآية 108 ).

 أبعد بيان الله بيان، أم أننا نريد أن نسير فى ركاب مخططات لاترمى إلا إلى تشويه صورة الإسلام وإظهاره بمظهر العدوانى الدموى الهمجى الذى يريد أن يعيد البشرية إلى عصور تجاوزتها، وهذا مايريده أعداؤه ويقوم بتنفيذه أبناؤه؟ أى منطق هذا؟  سبحانك هذا بهتان عظيم!

 

 

        اد/ سامى مندور 

أستاذ اللغة الفرنسية وآدابها-جامعة الأزهر

طباعة
الأبواب: تقارير
كلمات دالة:
Rate this article:
No rating