بين قرارات المحاكم .. وتدابير الحكومات "أطفال داعش" هم مَن يدفعون الثمن!!

  • | السبت, 2 فبراير, 2019
بين قرارات المحاكم .. وتدابير الحكومات "أطفال داعش" هم مَن يدفعون الثمن!!

براءةُ أطفالٍ ونشء ضعيف ما زال ملفّهُم يُدمي القلوب ويجعلها تَقطر حسرةً وتعيش في قيظٍ من الألم والأسى، أطفال يدفعون ثمنًا لجرائمَ لم يكن لهم فيها ناقةٌ أو جمل، ليس بما قدَّمتْ أيديهم، بل بما اقترفته عقولُ آخرين تاهوا عن سُبُلِ الرشاد ودخلوا في موكب الضياع. 

وتُطالِعُنا التقارير المتلفزة والاستقصائية وتقارير المنظمات الحقوقية كلَّ يومٍ عن أوضاعٍ مأساوية وانتهاكاتٍ صارخة بحقّ هؤلاء الأطفال (أكثر من 1,240 طفلًا من 46 جنسيّةً مختلفة، من بينهم 80%  أقلّ من 6 سنوات، وليس مِن بينهم مَن يَزيد عمره عن 13 عامًا)، الذين يقطنون مخيماتِ اللجوء السورية، لا سيّما الأطفال الذين كانت تربطهم صِلاتٌ بـ"داعش".. فهؤلاء الأطفال لم يكن لهم رفاهية اختيار الأب أو الأم أو البلد الذي وُلدوا فيه، فهل هم "مذنبون" حقًّا كي يدفعوا الثمن؟!

هذه الانتهاكات الحقوقية والجسدية التي ترفضها كافّة الأديان والمَواثيق الحقوقية الدولية، تُرَسِّخ في عقول هؤلاء الأطفال ذكرياتٍ لا آدمية، والتي من المحتمل أن تكونَ نَواةً لعنفٍ مستقبليّ يعبث بأمن العالم بأسره، لا سيّما في ظلّ غياب مَساعٍ دولية حقيقية لاحتواء هذه الأزمة.

فهل سيظلّ "أطفال داعش" الأجانب - الذين قُتِلَ أو فَرَّ آباؤهم - يُعانون من وَصمة انضمام آبائهم لـ"داعش"، ويظلون طِيلة حياتهم يدفعون ثمنَ ذنبِ آباءٍ حمقى؟! أم سيُغَيِّر العالَمُ نظرتَه تُجاهَهم، ويُحاوِل انتشالهم من هذه المُخَيَّمات اللاإنسانية التي تحرمهم من أَيْسَرِ حقوقهم؛ إيمانًا بأنهم مُجَرَّد "أطفال"؟ أم أنّ ضمير الإنسانية سيَغُضّ الطرف عن "براءتهم" ويصير جلّادًا لهم؛ خوفًا من أيّ أفكارٍ متطرفة قد يحملونها؟ فيصيرون في المقابل "قنابلَ موقوتة".

 

وإذا حَكَمَ ضمير الإنسانية عليهم بأنهم "مذنبون"، فهل لهم الحق في استئناف الحُكم؟ أم سيظلّ مصيرُهم مجهولًا للأبد؟ فهل مَن دَقَّ طبولَ الحروب هناك قادرٌ على تعويض هؤلاء الأطفال عن براءتهم؟

إنَّ العمل على الاهتمام بهؤلاء الأطفال وإعادة تأهيلهم ودمجهم في النسيج المجتمعيّ هو أفضلُ طريقةٍ لتَجَنُّب الكثير من العنف المستقبلي؛ فممّا لا شَكَّ فيه أنّ قضية "عَودة هؤلاء الأطفال وأمهاتهم" تُسيطر على الكثير من النقاشات بالساحات الأوروبية وداخل أروقة الحكومات، ولم يَخْلُ الأمرُ في بعض الأحيان من التوترات حِيال تلك القضية، ولكن نلاحظ أنّ كلًّا من: "فرنسا" و"بلجيكا" تنتهجان نفْس المنهج والسياسة، أي: أنه من الممكن استعادة الأطفال وليس الأمهات، كما أنَّ ملفَّ الاستعادة لا يُعنى إلّا بالأطفال القاصرين المقيمين حاليًّا بمُخَيَّمات اللاجئين بـ"سوريا".

وفي المقابل، ترفض أمهات هؤلاء الأطفال رفضًا قاطعًا عودةَ أطفالهن بدونهن، معتقداتٍ بأنه "ما دام هناك أطفالٌ؛ فقد يكون لدى دُوَلهم قليلٌ من الشفقة والرحمة حيالهن"، ولكن أيّ مستقبل ينتظر هؤلاء الأطفال، إذا رفضت أمهاتهم ترحيلهم وحدهم إلى الوطن؟ لا سيّما وأنّ الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 – 5 سنوات، قد عاشوا غالبية حياتهم في مُخَيَّمات، حيث ليس لديهم نافذةٌ على العالم أو مصدر لأيّ معرفةٍ أو خبرةٍ حياتية سوى أمهاتهم.

وفي هذا الصدد، تقول السيدة "ماجي دو بلوك"، وزيرُ الهجرة واللجوء البلجيكية: "تِلْكُم الأمهات قد أَدَرْنَ ظُهورهنَّ في أكثرَ من مناسبةٍ لبلادنا بكاملِ حريتهن، وأعتقد أنه من الجرأة أن يَنتظرن أن تُعيدهنّ "بلجيكا" مرّةً أخرى إليها، إنّ هذا الأمر لا يتعدّى حَيّز الاستهزاء بنا".

وأيضًا: لم يُدْلِ وزيرُ العدل البلجيكي، السيد/ "كوين جيين"، بأيّ تصريحٍ أو رأيٍ حِيالَ تلك القضية، ولكنه قد صرَّحَ من قبلُ أنه على الدولة البلجيكية أن تُعيد أطفالها إلى أراضيها من جديد، وفي نفْس الوقت عليها أن تتعامَلَ مع حالات الأمهات، كلّ حالةٍ على حِدَة، لكن -وعلى الجانِب الآخَر- كان وزير الداخلية البلجيكية، السيد/ "چون چامبون"، قد أعلن أنه ضِدَّ عَودة البالغين تحت أيّ مُسَمّى وأيّ ظرف، فالأمهات ذهبنَ إلى "سوريا" للزواج بالمقاتلين، كما أنّ هؤلاء الزوجاتِ قد لعبنَ دورًا هامًّا في صفوف التنظيم؛ فلم يدعمنَ أزواجهن الذين يقاتلون في الخطوط الأمامية فقط، بل قَدّمنَ أيضًا التعليمَ للأطفال الذين يتدربون على فنون القتال على أيدى تنظيم "داعش"، كما قُمنَ أيضًا بالعمليات الانتحارية".

كما أعلن رئيس وزراء "بلجيكا"، "شارل ميشيل"؛ أنَّ بلاده لن تتفاوض مع أيّ مقاتل بلجيكي في صفوف الجماعات المتطرفة يرغب في العودة إلى "بلجيكا"، قائلًا: "ليس هناك مكان لهؤلاء وسط المجتمع البلجيكي".

ومن جانبها، أعلنت الحكومة الفرنسية موقفها تُجاهَ رعاياها المنضمين لـ"داعش" على لسان وزيرة الجيوش الفرنسية، "فلورانس بارلي"، التي صرَّحت بأنه "من الأفضل أن يَلقى هؤلاء المقاتلون الفرنسيون حتفهم في المعارك هناك، وأنّهم لم يشعروا يومًا بتأنيب الضمير نحونا؛ حتى نقوم نحن بذلك حِيالَهم".

وفي 23 من مارس 2017م، صرَّحَ رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك، "برنارد كازنوف"، "أنَّ نيابةً قضائية متخصصة ستقوم بتقويم حالة كلّ قاصرٍ على حِدَة، وسيكون بإمكانها تقرير احتمالية الملاحقة القضائية، وستلجأ إلى قاضي الأحداث من أجل توفير كافّة إجراءات الحماية اللازمة، كما سيخضع الأطفال إلى متابعةٍ طبية نفسية مناسبة إذا استدعى الأمر ذلك، وسيتمّ تأهيل وتَوعية المختصين بمتابعة هؤلاء القُصَّر بهذه الإشكالية ذاتِ الطابع الخاص".

وعلى صعيدِ أسر هؤلاء الأطفال المُحتجَزين في مُخَيَّمات اللاجئين بـ"سوريا"، سارَعَ أجدادهم وأقاربهم إلى رفع دعواتٍ قضائية؛ لإلزام الحكومة بإعادة أحفادهم إلى أرض الوطن، بسبب سوء الأحوال المعيشية التي يُعانى منها أطفالهم، فعلى سبيل المثال: ألزم القضاءُ البلجيكي الدولةَ البلجيكية "باتخاذ كافّة التدابير الضرورية والممكنة للسماح لسِتّة أطفالٍ قاصرين بالعودة إلى بلجيكا"، وأنه على السلطات البلجيكية مسئولية إجراء اتصالات مع مسئولي المُخَيَّمات التي يوجد بها الأطفال، من خلال موظفيها الدبلوماسيين؛ لتوفير وتسليم وثائق السفر والهُوِيَّة للأطفال، وتجهيزهم للعودة إلى بلادهم، وبمُجَرَّد صدور هذا الحكم، سيكون أمام الدولة البلجيكية أربعون يومًا لتنظيم عودة هؤلاء الأطفال بغرامةٍ قَدرُها "5000" يورو عن اليوم الواحد من التأخير لكلّ طفل، بحَدٍّ أقصى: "مليون يورو" للطفل الواحد.

ومن أجل العيش في ظل طفولةٍ محترمة، طالَبَ "ائتلاف الأُسر الفرنسية المتضررة من التطرّف وانضمام ذَويهم لصفوف داعش"، من الرئيس الفرنسي، السيد/ "إيمانويل ماكرون"، بوضع حَدٍّ للمذبحة التي تُرتكب في حقّ أحفادهم في المُخَيَّمات؛ حيث إنّ الأطفال يُعانون من سوء التغذية الحادّة، ويمكن ألّا يتمكّنوا من بلوغ الصيف القادم أحياء.

ومن جانبها، استنكرت المحاميةُ الفرنسية، "ماري دوزيه"، التي تدافع عن العديد من النساء اللاتي انضممنَ لصفوف "داعش"، الموقفَ الفرنسي حِيالَ تلك القضية، ورحَّبتْ بقرار العدالة البلجيكية؛ والذي يُلزِم الدولةَ البلجيكية بإعادة ستة أطفال من أبناء البلجيكيين المنضمين لـ"داعش"، والمُحتجَزين حاليًّا مع أمهاتهم في "سوريا"، إلى وطنهم "بلجيكا"، مُنتقِدةً المَوقِفَ الفرنسي تُجاهَ تلك القضية، قائلةً: "بعض الدول تتحمّل مسئوليّاتِها، وهناك البعض الآخَر له مَحاكِم تُجبِر السلطاتِ على تَحَمُّل مسئوليّتِها تُجاهَ رعاياها؛ الأطفالِ المنضمين لـ"داعش"، لكنّا في "فرنسا" ما زلنا بعيدين جِدًّا عن هذه القضية".

وأضافت: "لقد كنّا نُطالِبُ بإعادة هؤلاء الأطفال والنساء إلى فرنسا منذ عامين لتتمَّ محاكمتهم هنا، ثم كشَفَ لنا بعد ذلك المتحدثُ باسم الحكومة الفرنسية؛ أنه ستتمّ محاكمة هؤلاء النسوة هناك، حتى على أيدي الأكراد، الذين ليس لهم دولة".

كما قامت المحامية الفرنسية من أصلٍ تونسي، "سامية مكتوف"، برفع دعوة أمام المحكمة الإدارية الفرنسية العُليا؛ للمطالبة بإعادة يتيمَيْنِ فرنسيين (3 و6 سنوات)، بصورةٍ عاجلة إلى وطنهما؛ حيث إنَّ هذين الطفلين مُحتجَزانِ منذ أكثرَ من عامٍ في المُخَيَّمات الكردية للاجئين في "سوريا"، ومُنذُ بضعة أشهر تَعَرَّفَ "الصليب الأحمر" على هُوِيَّتهما، وطالَبَ السلطاتِ الفرنسية بالقيام بدَورها تُجاهَ هذين اليتيمَيْن، ولكن على الرغم من التعرُّف عليهما منذُ ستة أشهر؛ فإنهما لا يزالان موجودَيْنِ في مُخَيَّم "كردستان" للاجئين.

وأعربت "مكتوف" عن عدم تَفَهُّمها لمَوقِف السلطات الفرنسية الرافض لإعادة هذين الطفلين إلى وطنهما بالرغم من تحديد هُوِيَّتهما، ولم يَعُدْ هناك أيُّ مشكلةٍ في الوقت الراهن لإعادتهما إلى "فرنسا"، وحاليًّا لا نحتاج إلى موافقة الوالِدَيْنِ؛ لأنهما في حُكْم اليتامى، وناشدت الدولةَ الفرنسية بضرورة الرد على هذه الدعوى بصورةٍ عاجلة؛ إمّا أن تتركَ هذين الطفلين فريسةً سهلةً للتجنيد والإرهاب والتطرُّف الفِكريّ، أو حمايتهما من الإرهاب وجَعْلهما مواطنَيْنِ فاعِلَيْنِ.

لذا؛ يرى "مرصد الأزهر" أنه يجب على كافّة الدول أن تَتَضافَرَ مع بعضها وتُكَثِّفَ من جهودها، وتَتَحَمّلَ المسئولية القانونية والدستورية تُجاهَ هذا النَّشء، الذي يُعَدّ فريسةً سهلة وصَيدًا ثمينًا وجدارًا لَبِنًا آيِلًا للسقوط في شَرَكِ التطرُّف وغَياهِب الإرهاب، وتَعملَ على وَضْع برنامجٍ تأهيليّ نفسيّ وتعليميّ وفنيّ لإعادة تأهيل "أطفال داعش"؛ لدَمْجهم في النسيج المُجتمَعيّ، الذي هدّده الإرهابُ وقَطَّعَ أَوْصالَه.

كما يدعو "المرصدُ" الحكوماتِ إلى الاعتناء بالتعليم، لا سيّما منذ مرحلة الرَّوضة؛ لتكوين عقليّاتٍ نَقْديّة، قادرةٍ على استيعاب مَخاطِر الأيديولوجيات المنحرفة، تُعنى بالأساس بنشر قيَم الحرية والإخاء والمساواة وتَقَبُّل الآخَر... وذلك من خلال أساليبَ تعليميّةٍ مُحَفِّزَةٍ للنِّقاش

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
No rating