حتى لا يستقطبوهم (4) ... دور وسائل الإعلام غير التقليدية في مكافحة التطرف

  • | السبت, 13 أبريل, 2019
حتى لا يستقطبوهم (4) ... دور وسائل الإعلام غير التقليدية في مكافحة التطرف

     من المعلوم الذي لا خفاء فيه أننا نعيش في عصر العولمة والإنترنت، وثورة المعلومات والاتصالات، أصبح العالمُ فيه قرية صغيرة؛ حيث يمكن بضغطة زرٍ واحدة معرفة خبرٍ أو استفادة معلومةٍ أو ترويجهما في أيّ مكانٍ في العالم، ومِن ثمَّ أصبح الفردُ لا يستطيع ملاحقة كل التطورات والمعلومات والاكتشافات العلمية المذهلة التي تظهر طوال الوقت. وقد انعكست هذه الثورة المعلوماتية والتكنولوجية على العالم بأسره، واستفاد منها الجميع، المصلحون والمخرِّبون، المتطرفون والمعتدلون، أهل الخير وأهل الشر، كما استطاعت الجماعات المتطرفة استغلال هذه التطورات الحديثة في نشر فكرها المتطرّف، واستقطاب الشباب من جميع أنحاء العالم.

وكان تنظيم "داعش" الإرهابي هو أكثر التنظيمات المتطرفة استفادةً من وسائل الإعلام غير التقليدية كمواقع التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها وأسمائها، والمنتديات الإلكترونية، والمدونات، وغيرها من وسائل الإعلام والتواصل على الشبكة العنكبوتية؛ حيث تعرّف هذا التنظيم عن قربٍ على لغة الميديا الرقمية وأسرارها ومساراتها، وأصبحت جزءًا من استراتيجيته الإعلامية، كما تفرَّد في وقتٍ من الأوقات بترسانةٍ إعلاميةٍ ضخمةٍ ومنظمة، تبنَّى فيها استراتيجيةً إعلاميةً اعتمدت بشكلٍ كبيرٍ على وسائل الإعلام غير التقليدي، وقامت على مجموعةٍ من الأسس، سعى التنظيم الإرهابي من خلالها إلى نشر فكره المتطرف ومجابهة الأفكار والجماعات المناهضة له، واستقطاب مجندين يقاتلون في صفوفه ومتعاطفين يستخدمهم كقوةٍ ناعمة في البلاد التي ليس له فيها أذرعٌ إرهابيةٌ.

وأهمُّ هذه الأسس التي بنى التنظيم إستراتيجيته الإعلامية عليها: استخدام وسائل الإعلام الرقمية كسلاحٍ مهمٍّ في تعزيز إستراتيجيته المتطرفة، وإبراز تفوقٍ إعلاميٍ موازٍ للتفوق العسكري، والسير في كلا الاتجاهين على حدٍّ سواء، وتفريغ القيم الدينية من محتواها الذي يُرسِّخ للرحمة والحوار والاختلاف في إطارٍ من التسامح، وصبغها بصبغة العنف والقتل. ومن أهم الأسس كذلك: تحقيق المقاييس العالمية في جودة النصوص الإعلامية وإخراجها، والتأثير على وسائل الإعلام المختلفة بصورة غير مباشرة، بل وإجبارها على استخدام رسائل التنظيم ومصطلحاته مثل مصطلح "الدولة الإسلامية" الذي استخدمته بعض وسائل إعلام اليمين المتطرف في الغرب وروَّجت له كجزءٍ من خطاب الكراهية ضد الإسلام والمسلمين.

ويكاد العاملون في مجال مكافحة التطرف يُجمِعون على أنّ الآلة الإعلامية لتنظيم داعش الإرهابي وخطابه الإعلامي هما كلمة السِّر في انضمام المقاتلين إليه، وخصوصًا من فئة الشباب؛ حيث تبنَّى هذا التنظيم خطابًا إعلاميًا ضالًّا ومُضللًا، خاطب فيه كل فئةٍ شبابية بما تحب وتهوى، فأغرى الشبابَ المتطلع إلى الزعامة وإلى أنْ يكون من النخبة بأن ينضم إليه، ويشارك معه في تغيير خريطة العالم، وكتابة تاريخه من جديد، كما أغرى الشبابَ المتدين والفتيات المتدينات في المجتمعات الغربية، أو في المجتمعات المسلمة التي سلكت طريق الغرب في شكل الحياة الاجتماعية بقوله لهم: "انضموا إلينا حتى تعيشوا الإسلامَ الذي حُرمتم منه في بلادكم العلمانية" -على حد زعمهم-.

وبالفعلِ لاحظنا في رصدنا لشهادات العائدين من داعش أنّ الكثير من الفتيات والشباب خُدِعوا بهذه الدعاية، وانضموا إلى التنظيم معتقدين أنّهم سيعيشون الدِّين هناك، ثم تفاجؤوا بعد ذلك بأنّهم كانوا مخدوعين، وتحوّلت أحلامهم إلى سرابٍ.

فإذا كانت التنظيمات الإرهابية والمتطرفة -وهي على الباطل- تستطيع أنْ تستغلَّ التكنولوجيا الحديثة ووسائل الإعلام غير التقليدية كلَّ هذا الاستغلال في نشر الفكر المتطرّف، وتفريغ الدِّين من قيم التسامح والحوار والرحمة، فلماذا لا نستثمر نحن أيضًا مواقع الإنترنت كسلاحٍ فكري مضادٍ للجماعات المتطرفة، نرسّخ من خلالها قيم المواطنة والحوار والتسامح وغيرها من القيم الإسلامية المتأصلة في ديننا الإسلامي الحنيف؟ لماذا لا يشارك الأكاديميون والمثقفون والإعلاميون والسياسيون والفنانون والرياضيون في مكافحة الفكر المتطرّف ومجابهة جماعاته فكريًا وأيدولوجيًا، كلٌ قدر استطاعته؟

إنَّ المتأمل في الدور الذي يمكن لوسائل الإعلام غير التقليدية أن تلعبه في مكافحة الفكر المتطرف لا تخطئ عيناه مدى خطورته وصعوبته في الوقت نفسه؛ حيث إنَّ طبيعة هذا الدور تختلف عن الأدوار الأخرى التي ذكرناها في المقالات السابقة والخاصة بدور التعليم والفن الهادف ورجال الدين في مكافحة التطرف؛ لأنَّ مواقع الإنترنت بالرغم من خطورة دورها، فإنها في النهاية عاملٌ مساعدٌ للفئات التي تستطيع نشر الوسطية ومكافحة التطرّف. فعلى سبيل المثال ينبغي على رجل الدِّين ألا يحصر خطابه المعتدل في جمهور المسجد الذي يعمل به، إنما ينبغي عليه أن يكون أكثر انتشارًا وحضورًا بين الجماهير وخصوصًا الشباب، وأفضل ما يتيح له ذلك مواقعُ التواصل الاجتماعي. ومِن ثمَّ أصبح من الواجب تزويد جميع المساجد بأجهزة حاسوبٍ، وتأهيل الأئمة والخطباء والوعاظ عن طريق إعطائهم الدورات اللازمة في مجال التواصل الاجتماعي حتى يستطيعوا نشر أفكارهم عبر الشبكة العنكبوتية، وحتى يصلوا بخطابهم المعتدل إلى أكبر عددٍ ممكنٍ من الشباب.

وكذا الفنانون ومقدمو البرامج والمثقفون والكتّاب والشعراء والمدرسون وأساتذة الجامعة، وكلُّ من له قدرةٌ على الكتابة والتواصل والتأثير في الناس والشباب بصفةٍ خاصةٍ ينبغي عليه استثمار صفحته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي في القيام بدورٍ توعويّ بلغة الميديا الحديثة والبسيطة، يحذِّر فيه من التطرّف وجماعاته، ويسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز القيم الدينية والإنسانية الراسخة.

خلاصةُ القول أنّه لا ينبغي بأيِّ حالٍ من الأحوال تركُ الفضاء الإلكترونيّ ساحةً فارغةً للمتطرفين والمتعصبين والمتشددين، ينشرون فيه ما يشاؤون بلا رقيبٍ؛ بل ينبغي مزاحمتهم فيه، وتفنيد أفكارهم، ٍوإظهار عوارهم، وحماية الناس من الوقوع فريسةً سهلة في براثنهم.

 

وحدة الرصد باللغة التركية

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
3.0