الظهور الثاني للبغدادي.. رسائل ودلالات

  • | الإثنين, 3 يونيو, 2019
الظهور الثاني للبغدادي.. رسائل ودلالات

     منذ نحو خمسة أعوام، اعتلا إبراهيم عواد البدري، الذي أطلق على نفسه خليفة المسلمين وكنَّى نفسه "أبا بكر البغدادي"، منبر جامع النوري في الموصل بالعراق، وأعلن قيام ما أطلق عليه "الخلافة الإسلامية"، وطالب المسلمين في أرجاء الأرض بمبايعته خليفة للمسلمين.
وقد كانت هذه اللحظة إيذانًا ببدء مآسٍ مروعة عاشها العراق وسوريا وتجاوزتهما إلى العالم كله الذي واجه على يد تنظيم داعش الإرهابي مستوى وحشية وبربرية لم يسبق لها مثيل. ومنذ هذا الوقت انتشرت شائعات بأن البغدادي قد أصيب خلال المعارك وربما قُتل، بينما ظل الرجل مختفيًا بعيدًا عن أعين الإعلام طوال هذه الأعوام الخمسة، وكان يكتفي بنشر تسجيلات صوتية، على الرغم من تصريح القوات الروسية أنها قضت عليه في إحدى الغارات، وعلى الرغم كذلك من إعلان ترامب وبوتين والحكومة العراقية القضاء على التنظيم الإرهابي في العراق وبعدها في سوريا، ولكنه ظهر يوم الاثنين 29 أبريل 2019 للمرة الأولى بعد كل هذا الوقت الطويل. إذن ما الذي دفع البغدادي إلى الظهور في هذا الوقت تحديدًا؟ وما الرسائل التي يريد إيصالها للأطراف المختلفة؟ وما هي دلالات هذا الظهور؟
لا ريب أن الرسالة الأولى التي يريد البغدادي التأكيد عليها في هذا الوقت تحديدًا هي أنه على الرغم من الضربات الموجعة والهزائم المتتالية التي لحقت بالتنظيم الإرهابي لدرجة أنه فقد السيطرة تمامًا على الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق وسوريا، والتي كانت قد وصلت إلى ثلث مساحة البلدين- على الرغم من هذه كله، يريد أن يوصل رسالة للعالم مفادها أن التنظيم سيظل باقيًا ومؤثرًا، ويبدو هذا من حديثه عن المجموعات الجديدة التي أعلنت مبايعته ودخلت تحت راية داعش.
أما الرسالة الثانية، فهي وثيقة الصلة بسابقتها، إذ تتعلق بأتباع التنظيم وأنصاره على مستوى العالم، الذين يريد البغدادي أن يدعمهم ويحثهم على القيام بهجمات جديدة من خلال تأكيده لهم أن الهزيمة التي تلقاها التنظيم في العراق وسوريا ليست نهاية المطاف، وإنما هي فقط بداية لمرحلة جديدة من العمل. ومن ثم، فإنه يهدف إلى تعزيز الروح المعنوية لدى أتباعه وأنصاره.
أما الرسالة الثالثة، فتمثل في ظهور مناطق جديدة في خطة داعش المستقبلية؛ حيث تضمنت الملفات التي استعرضها داعش أسماء بعض الأماكن التي يزعم التنظيم الإرهابي أن له فيها ولايات، أبرزها ولاية تركيا التي ظهرت لأول مرة، وبهذا يعطي إشارة أن التنظيم ليس باقيًا فقط ولكنه يتمدد أيضًا، وهو الشعار الذي تبناه التنظيم منذ إعلانه خلافته المزعومة.
 أما الرسالة الرابعة، فهي محاولة الظهور في وضع الشخص المسيطر تمامًا على التنظيم والملم بالكامل بالأحداث العالمية التي تجري من حوله؛ حيث ظهر مستعرضًا ملفات يقدمها له كبار قادته عن مختلف الولايات، وعلى الجانب الآخر يتحدث عن آخر المستجدات العالمية مثل سقوط نظام البشير في السودان وهجمات سريلانكا، التي أضيفت كمقطع صوتي بعد الفيديو، وهو ما يحمل في طياته رسالة ثانوية أخرى يريد البغدادي من خلالها أن يؤكد على أن ثمة سيطرة على فروع التنظيم حول العالم، وأن هناك تنسيقًا بينها.  
وقد حمل هذا الظهور المفاجئ والمتأخر للبغدادي عدة دلالات أيضًا، من أهمها التركيز على ’العدو البعيد‘. فبعد أن كان التنظيم يركز على محاربة ’العدو القريب‘ المتمثل في المسيحيين والشيعة والأيزيدين- حسب وصفهم- مع تبني بعض العمليات العالمية، يبدو أن تركيز التنظيم الآن سيكون على هذه العمليات التي أُطلق عليها عمليات الذئاب المنفردة، أو كما كان التنظيم الإرهابي يطلق عليها في إصداراته "عمليات الإرهاب العادل". وفي هذا دلالة على تحول جديد في الأولويات لدى التنظيم الإرهابي؛ بينما تتمثل الدلالة الثانية في تخلي البغدادي عن الفكرة التي قامت عليها خلافته المزعومة، وهي السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي، وتحوله إلى حرب استنزاف أو كما أطلق عليها ’مطاولة العدو‘ من أجل استنزاف مقدراته البشرية والعسكرية واللوجستية. وهذا إقرار واضح بفشل فكرة الخلافة المزعومة التي أزهق التنظيم الإرهابي في سبيل إقامتها آلاف الأرواح البريئة، وأقدم على ارتكاب مجازر مروعة بل وحرق البشر أحياءً، واسترق الأحرار.
إن ظهور البغدادي في هذه المرحلة وبعد إنجاز القضاء علي داعش ميدانيًا في منطقة جغرافية محددة، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المعركة المتبقية لا تقل أهمية عن الحرب العسكرية ضده، كما يؤكد على أهمية أن ينصب تركيز قادة العالم على بحث سبل القضاء نهائيًا على هذا التنظيم وأشباهه على كافة الأصعدة، عسكريًا وفكريًا وأيديولوجيًا، والتباحث في تدابير تحول دون ظهور مثل هذا التنظيمات الإرهابية المتطرفة مرة أخرى.
ويبدو لنا أن المعركة الآن تكمن في تجريد هذا التنظيم الإرهابي من آلته الإعلامية التي تفوق فيها لنحو خمسة أعوام، وصارت له بها الآن خبرة ودُربة يستطيع من خلالها الصمود الإلكتروني وإعادة ربط شبكاته حول العالم من أجل إعادة التموضع وإدارة شبكة من الانتحاريين الذين يشنون هجمات بين الحين والآخر يحاولون من خلالها إثبات أن التنظيم لا يزال مؤثرًا.
ومن ثَمَّ، يتطلب الأمر مزيدًا من التنسيق بين الحكومات ومستوى أكبر من التعاون من جانب شركات التكنولوجيا وكبريات الشركات العاملة في مجال المنصات الإلكترونية والإنترنت من أجل إزالة المحتوى المتطرف، وتطوير أدوات وتقنيات تحول دون التواصل بين أتباع هذا التنظيم.
ومن الأهمية بمكان في الوقت ذاته، أن تعمل الدول كافة على ترسيخ قيم السلام والتعايش والتأكيد على كرامة الإنسان من حيث هو إنسان، بغض النظر عن جنس أو لون أو دين، في المناهج الدراسية وعبر جميع المنافذ الدينية والثقافية من أجل الحيلولة دون وقوع المزيد من الشباب فريسة لهذا الفكر المتطرف.
 
وحدة رصد اللغة الإنجليزية

 

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
4.3