صراع الأدوار الاجتماعيّة في حياة المرأة لدى تنظيم "داعش" الإرهابيّ

  • | الثلاثاء, 18 أغسطس, 2020
صراع الأدوار الاجتماعيّة في حياة المرأة لدى تنظيم "داعش" الإرهابيّ

            لقد كرَّم الله سبحانه وتعالى المرأة، وأوجَبَ رعايتها واحترامها، وجعلها تتميّز عن الرجال بأمور خاصة؛ وذلك لطبيعتهن التي جبلهنَّ الله عليها، ليتسنى لها القيام بالدور المنوط بها في هذه الحياة، ونجد الدور الذي تقوم به المرأة يعتمد بشكل رئيس على مجموعة من الالتزامات والمعايير الاجتماعيّة التي تخضّع إلى العادات والتقاليد في المجتمع، وتتّسق كمال الاتساق مع تعاليم الدّين الإسلاميّ، وفي نفس الوقت تتناسب مع طبيعتها الأنثويّة، التي تمتاز بها من عاطفة رقيقة، ومشاعر دافئة تجعلها تصلح لقيامها بدور الأمّ الحانية بأبنائها، والابنة البارة بوالديها، والزوجة التي تعيّن زوجها على أمر دينه ودنياه، بما يحقّق المصلحة لأفراد الأسرة كلها على حدٍّ سواء، تلك طبيعة المرأة، وهذا هو دورها المنوط بها.

           وفي هذا المقال نحاول تسليط الضوء على صراع الأدوار الاجتماعيّة في حياة المرأة في كَنف تنظيم "داعش" الإرهابيّ، وتكمن نتيجة هذا الصراع في أثره على السلوك الذي يؤدي إلى تزايد إحساس الفرد بالتوتر والإحباط، أو الحياة البائسة للمرأة، ذلك الصراع الذي ينشأ نتيجة الرغبة في القيام بالأدوار الاجتماعيّة التي تعيش داخل المرأة بطبيعتها، وبين الأدوار الذكوريّة التي تُجبر المرأة على القيام بها داخل ذلك التنظيم الإرهابيّ، كالقيام بالعمليات الانتحاريّة، أو حمل الأسلحة المختلفة، أو الموت الحَتميّ نتيجة إعلان الرفض، أو محاولات الهرب من ذلك التنظيم الدامي.

           وعلى الرغم من التحديد الاجتماعيّ لدور المرأة في المجتمع، إلا أننا نجد التنظيمات الإرهابيّة دائمة البحث والتدقيق عن كل ما يُثير القلق النفسيّ للأفراد في صورة ترغيب حسن مستعينة بالمشاكل الاجتماعيّة التي تواجه الأفراد في الحياة المعيشيّة؛ حتى تقع الفريسة في شِباك صائدها، ثم يسقط القناع البريء لتظهر الصورة الدّامية لذلك التنظيم الإرهابيّ، وهو ما يظهر جليًّا عند توضيح العلاقة بين الدور الاجتماعيّ ومحدّدات الشخصيّة، تلك العلاقة التي تتبلور في رؤية الأفراد وفقًا لمدى قبولهم أو رفضهم للأدوار المحدّدة لهم في المجتمع، أو تصورات الآخرين لتلك الأدوار، مما يؤدي إلى الصراع الذاتيّ بين الدور الكائن بالفعل، وبين الدور الذي يجب أن يكون، وهو ما يظهر جليًّا عند عقد مقارنة بين استخدام مفهوم "الدور" كما يراه العلم وبين استخدام ذلك المفهوم كما يراه تنظيم "داعش" الإرهابيّ.

           وأما عن مفهوم "الدور" في سياقه العلميّ فيشير إلى الصورة التي يكوّنها الفرد عن دوره الاجتماعيّ كما يحدّده له المجتمع، أما لدى تنظيم "داعش" الإرهابيّ فيتبلور مفهوم الدور في كيفية استغلال تلك الصورة في أذهان النساء، ووفقًا لرؤية الفتيات اللائي يبحثن عن أحلامهن الورديّة عبر الشبكات العنكبوتيّة من أنهنَّ سيصبِحْنَ جزءًا من مجتمع نسائيّ تَسُودُه رُوح التّآخي، يجِدْنَ فيه الدّعم والصداقة، على نحوٍ يعوّضُهنَّ عن الشعور بالعُزلة والتهميش الذي ينتابهُنَّ في مجتمعاتهِنَّ، وبيْنَ أسَرِهِنّ، الأمر الذي يعمل على التعاطف القلبيّ لمجرمين في صورة بشر خلف الشبكات العنكبوتيّة. وسرعان ما تقع النساء في شباك تلك التنظيمات الدّامية، حيث يتمّ بيعُهنّ لأغراض عدّة، أو تقديمُهنّ كهدايا لكبار القادة بالتنظيم.

           وكانت توقّعات الدور من المفاهيم المهمة، حيث تعمل الثقافة على تحديد الأدوار الاجتماعيّة للمرأة في المجتمعات المختلفة بما يتلاءم مع طبيعتها الأنثويّة، أما التنظيمات الإرهابيّة فنجدها تعمّد إلى تغيير تلك الحقيقة، واجتزائها من سياقها بما يخدم أهدافها الدّامية، وأفكارها السوداء، وأفعالها الإجراميّة، ومن ثمَّ يتم تحديد دور المرأة بما يراه الوسط الإرهابيّ، بداية من محاولات الاستقطاب والتي تتصور فيها الفتاة أنها ستتزوج من البطل المغوار الذي ينقذها من شرور الدنيا، حتى تكون أمًّا لتربية أشبال الخلافة! كما يدعون.

           وأما عن قبول الدور أو رفضه، فيأتي القبول الذاتيّ للدور الاجتماعيّ للمرأة داخل تنظيم "داعش" الإرهابيّ عند التشبّع بالأفكار السوداء التي ينجح التنظيم في غرسها في عقولهن حتي يصلن إلى مبدأ السمع والطاعة العمياء كما حدث في قصة الداعشيّة "ليندا"، وهي فتاة "ألمانيّة" اعتنقتِ الإسلام، ثم هربتْ إلى العراق من أجل الزواج بأحد الأشخاص الذي قام بتجنيدها؛ وقد أُلْقِيَ القبض عليها، وتمَّ ترحيلُها إلى "ألمانيا"، وأكّد مكتب مكافحة الإرهاب العراقيّ أنها عَمِلتْ لصالح الشرطة الداعشيّة، وأنها شاركتْ في بعض المعارك بمدينة "المَوْصِل" العراقيّة في دور "قنَّاصة".

          وقد كان هناك تصاعدٌ ظاهر في اعتماد التنظيمات الإرهابيّة على النساء في تنفيذ العمليات الانتحاريّة خلال الآونة الأخيرة مقارنة بالأعوام الماضية، حيث أفاد المؤشر العالميّ للإرهاب لعام 2019 الصادر عن مركز "السلام والاقتصاد" ــ أحد المراكز البحثيّة الكبرى المَعنيّة برصد ومتابعة مؤشرات الإرهاب حول العالم ــ أن ظاهرة النساء الانتحاريات قد شهدت ارتفاعًا كبيرًا بداية من عام 2013 وحتى 2018 بما نسبته 30%، هذا على الرغم من أن نسبة العمليات الانتحاريّة التي قامت بها النساء تمثل 3% من جملة العمليات الانتحاريّة لعام 2018، بينما شكّلت 5% من عام 1985 إلى 2018 .

          وأما رفض النساء للأدوار التي يُطالبن بها من قِبل التنظيم الإرهابيّ والتي تتنافى مع الطبيعة الأنثويّة أو الاجتماعيّة للمرأة، فالبديل عن قبول تلك الأدوار هو الصراع القاتل في عقول تلك النساء مع ما تتعرض له المرأة من الإجبار على العَيش الذّليل وما يصحبه من انتهاكات جسديّة ومعنويّة، أو الموت المحقّق على يد المنضمين إلى هذا التنظيم الدمويّ وقادته.

       ومن هنا يؤكد مرصد الأزهر أن تعاليم الدّين الإسلاميّ الحنيف وتقاليد المسلمين في معاملة النساء ليست على هذا النحو الذي تدّعيه التنظيمات الإرهابيّة من الجبر والإهانة، ومن ثمَّ كان هذا النهج الذي انتهجه التنظيم في معاملة النساء من أبرز الدوافع التي زادت من هجوم الغرب على الإسلام، وجعلهم في حالة رفض للتّراث الدينيّ؛ ظنًّا منهم أنه سببٌ في جهل المرأة، وإنكار حقوقها واستعبادها، والإسلام من كل ذلك براء.

وحدة رصد اللغة العربية

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
No rating