حرق المصحف ... أثر من آثار "الوهم الاجتماعي" في الدول الأوروبية

  • | الأربعاء, 9 سبتمبر, 2020
حرق المصحف ... أثر من آثار "الوهم الاجتماعي" في الدول الأوروبية


                يعد الإقدام على حرق المُصحف الشّريف في بعض البلدان الأوروبيّة من الأمور التي أغضبت جموع المسلمين في مَشارق الأرض ومغاربها؛ فالمصحف الشّريف كلام الله المنزل على لسان خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه واحترامه وتقديسه، والإيمان بما جاء فيه واتباعه، كلُّ هذا من أسس الدّين الإسلاميّ. 
وبنظرةٍ اجتماعيّة فاحصة لمثل هذا الحادث المؤسف، بغية التعرف على دوافع بعض الأفراد لارتكاب ذلك الجُرم الشنيع بحق أحد مقدسات الدّين الإسلاميّ الحنيف؛ وجدنا أن هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى تعرض المسلمين ومقدساتهم الدينيّة إلى جرائم عنف وإرهاب وكراهية؛ منها الفهم المغلوط لتعاليم الدّين الإسلاميّ، بالإضافة إلى الأعمال الإرهابيّة التي يقوم بها بعض المنتسبين إلى الإسلام، وهو منهم بريء.
             ومن تلك الأسباب أيضًا (الوهم الاجتماعيّ) والذي يُشير إلى الاعتقاد المرضيّ الذي ينتج عن بعض الأحداث المشابهة للاعتقاد الراسخ في ذهن بعض الأفراد، ويستمر الفرد في تمسكه بوهمه على الرغم من وجود الدلائل التي تثبت له عكس ما يتوهم به، ثم ينتشر ذلك الوهم، ويخرج من إطار محدّد إلى نطاق أوسع في المجتمع، وهو ما حدث جليًّا في بعض المجتمعات الأوروبيّة، فقد توهّم بعض الأفراد وجود خطرٍ يهدّد حياتهم نتيجة انتشار الدّين الإسلاميّ والمسلمين في بلادهم، على غرار الأفعال الإرهابيّة الذي قام بها بعض الأفراد المنتميين إلى الإسلام، ومن ثمَّ تحول الأمر من مجرد حادثة إرهابيّة من بعض المجرمين إلى سيطرة للوهم الاجتماعيّ في عقول بعض العناصر المتطرّفة، والذي تم تناقُله وانتشاره عبر سنوات إلى شرائح اجتماعيّة أخرى، الأمر الذي جعلنا أمام مأساة حقيقيّة تكمن في معاداة كلِّ ما هو إسلاميّ، أو له علاقة بالمسلمين، وما يترتب على ذلك من جرائم عنصريّة في بعض الدول الأوروبيّة، والتي تحدث دون تعقُّل من منفذي تلك الجرائم.
             هذا هو ما ظهر جليًّا في جرائم انتهاك المقدسات الدينيّة في بعض الدول الأوروبيّة؛ فقد شهدت السويد حادثًا إرهابيًّا عام 2010 على يد شخص يُدعى "تيمور عبد الوهاب العبدلي" عندما قام بتفجير قنبلتين في وسط استكهولم، الأمر الذي لفت أنظار المجتمع السويديّ إلى اسم هذا الشخص وارتباطه بالدّين الإسلاميّ، ورسَّخ بعض الأفكار الخاطئة في عقول أبناء تلك الدولة، ومن ثم تكوين وسيطرة الوهم الاجتماعيّ الخاطئ لدى البعض بنشر الكراهية والعنصريّة ضد معتنقي الدّين الإسلاميّ ومقدساته. 
        واستمرارًا لذلك الوهم الذي ظل مسيطرًا على عقول بعض الأفراد حتى عام 2020، قامت جماعة يمينيّة متطرّفة بحرق المُصحف في مدينة "مالمو" السويديّة، وتصوير ذلك عبر فيديو نشر على وسائل التواصل الاجتماعيّ، ما أدى - فيما بعد- إلى خروج مظاهرات حاشدة للاحتجاج على مثل تلك الأفعال المعادية للإسلام.
             وفي النرويج التي شهدت أولى الأحداث الإرهابيّة عام 2011 على يد أحد "الذئاب المنفردة" الذي يدعى "أندرس بهرنغ بريفيك" ضد الحكومة والسكان المدنيين ومعسكر الصيف الخاص باتحاد العمال الشباب، وهو ما أدى إلى وقوع بعض الأفراد تحت وطأة الوهم الاجتماعيّ أيضًا، وترسيخ الفكرة الخاطئة المعادية للدّين الإسلاميّ، واستمرار تلك الفكرة حتى نجد بعض المحاولات لحرق القرآن الكريم في عام 2019 في مدينة "كريستيانسند" جنوب النرويج، في مظاهرة تبنّتها جماعة يمينيّة متطرفة تسمى "أوقفوا أسلمة النرويج"!
             وقد انتقل الوهم الاجتماعيّ المعادي للدّين الإسلاميّ، وانتهاك المقدسات الدينيّة الإسلاميّة إلى الدنمارك؛ حيث تم إعادة نشر صور مسيئة للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم- عام 2020، بعد تطاول أحد الأفراد عام 2005، وتوبته من ذلك الفعل الشنيع عام 2015. كما شهدت العاصمة الدنماركيّة "كوبنهاغن" احتجاجات عارمة من بعض المسلمين على خلفية حرق وتدنيس القرآن الكريم في الشارع العام من اليمينيّ المتطرّف "غاسموس بالودان" عام 2019.
             ومن هنا وجدنا تركيز جرائم انتهاك المقدسات الدينيّة الإسلاميّة في (الدنمارك، والسويد، والنرويج)، أكثر من غيرها خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يوحي بأن هناك إمكانية لتناقل الأفكار والأفعال بين أبناء تلك الدول، ويرجع ذلك إلى التقارب الجغرافيّ فيما بينهم، بالإضافة إلى التقارب الاجتماعيّ، سواء على المستوى المعيشيّ، أو أساليب الحياة الاجتماعيّة، ومن ثم سهولة انتقال الأفراد، وما يترتب على ذلك من اكتساب بعض الصفات الشخصيّة لأبناء تلك الدول، علاوة على وجود أسس قديمة، حيث سبق اتحادهم في كِيان واحد قبل انفصالهما تحت مسمى "اتحاد كالمار"، الأمر الذي يوحي بإمكانية تأثير ونقل بعض المعتقدات والأفكار من آنٍ لآخر.
وبناء على ذلك، يؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرّف أن الإقدام على مثل هذه الأفعال التي تستفز مشاعر ملايين المسلمين شرقًا وغربًا، لم تنمُّ عن حضارةٍ أو وعيٍ من فاعليها، وأنه ينبغي على الجميع ضرورة احترام المقدسات الدينيّة، وتوخّي الحذر والتعقل والتدبر تجاه الأفعال المعادية للدّين الإسلاميّ، والتكاتف الفعليّ للمجتمعات الدوليّة لمواجهة ظاهرة «الإسلاموفوبيا» وخطاب الكراهية والعنصريّة بين أفراد المجتمعات المختلفة، بالإضافة إلى ضرورة البحث عن حقائق الدّين الإسلاميّ؛ لمعالجة الوهم الاجتماعيّ الخاطئ الذي يقع فيه بعض الأفراد. 


وحدة رصد اللغة العربية 
 

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
No rating