"أبناء الصراع".. اللّاجئون بين المشكلات المتعاقبة والاستقرار المؤقت

  • | الخميس, 17 سبتمبر, 2020
"أبناء الصراع"..  اللّاجئون بين المشكلات المتعاقبة والاستقرار المؤقت

       لا شكّ أن أزمة اللّاجئين تمثل إحدى الكوارث الإنسانيّة التي لم يسبق لها مَثيل في تاريخ العالم. وممّا زاد في تفاقمها أن اجتمعت عليهم حروب طاحنة، وظروف اقتصاديّة متردية، وأزمات صحيّة خطيرة، حطمت آمالًا عريضة، وأثرت بشكل سلبيّ على حياة الملايين من المقيمين، فكيف باللّاجئين فاقدي الأوطان والأوراق والمأوى؟

       وعلى الرغم مما يحملونه على عواتقهم من هموم ومشكلات، فقد بات لزامًا عليهم أن يتحملوا ظروف البلدان المضيفة في كثير من الأحيان؛ فمن يقول إنَّ اللّجوء أو الهجرة يمثلان حلمًا أو مطمعًا؟! وقد بات من الواضح أنهم يهربون –في أحيان كثيرة- من واقع مرٍّ إلى واقع أشد مرارة (كالمستجير من الرّمضاء بالنارِ).

       وبعد مرور خمس سنوات على بداية الأزمة الحقيقية للّاجئين لا تزال تلك الأزمة قائمة. ولا شكّ أن الاتّحاد الأوروبيّ لا يزال يعاني في معالجة هذه الأزمة؛ لأن جذورها لا تزال قائمة؛ نتيجة استمرار الصراعات التي تشهدها بعض البلدان، والتي تجبر المواطنين على الهرب واللّجوء إلى أوروبا بحثًا عن حياة أفضل، كما يحدث في سوريا منذ تسع سنوات وفي أفغانستان والعراق وغيرهم من مناطق الصراع.

       وقد ذكرت "المنظمة الدوليّة للهجرة" أن مئات المهاجرين لا يزالون يلقون حتفهم في مياه البحر المتوسط بعد مرور خمس سنوات على أزمتهم التي بلغت أوجها في عام 2015. وتفيد تقديرات المنظمة بأن 20.014 مهاجرًا لقوا حتفهم حتى الآن منذ بداية أزمة اللّاجئين، وذلك خلال محاولتهم الوصول إلى شواطيء أوروبا، علمًا بأن إغلاق الحدود لم يكن الحل الأمثل لمنع تدفّق المهاجرين إلى أوروبا. والمتابع لأزمة اللّاجئين يجد أن من أبرز المشكلات التي تواجههم ما يلي:  

أزمة العمل

       في البداية، تدعو الضرورة المهاجرين إلى البحث عن وظيفة تكفل لهم حياة كريمة. وعلى الرغم من محاولاتهم المُتكّررة والملحّة، فإن معدل البطالة لا يزال مرتفعًا بينهم. ويمكن أن نعزو ذلك إلى إغفال مسألة توفير فرص العمل من حسابات غالبية الدول، وربما يحدث ذلك لغياب الفكر التخطيطيّ للاستفادة من هؤلاء الوافدين في سوق العمل، أو لأن هذه الدول تعتبرهم عبئًا عليها.

وقد أشارت دراسة نشرتها مؤسسة "برتلسمان" عام 2016 إلى أن معدل البطالة بين اللّاجئين في الاتّحاد الأوروبيّ كان أعلى من معدل البطالة بين السكان المهاجرين وأعلى بكثير من السكان المحليين. وقالت الدراسة التي أجريت حول إحدى التحديات الكبرى التي تواجه اللّاجئين الذين يمكنهم الوصول إلى أوروبا: "تركز سياسات البلاد على الاستقبال أكثر من تركيزها على الاندماج في سوق العمل".

      من ناحية أخرى، فإن دراسات عديدة، في أوروبا والبلدان النّامية، تبين أن تأثير اللّاجئين على الاقتصادات المحليّة هو تأثير إيجابيّ إلى حد كبير؛ لأن تكاليفها أدنى من الفوائد التي تجلبها على البلدان المضيفة في هيئة ضرائب على الاستهلاك وإنتاجيّة العمل. ويرى مرصد الأزهر أن هذا ما يبرّر رفض عدد من الهيئات الإنتاجيّة في بعض الدول كألمانيا –مثلًا- إجلاءهم واشتراطها سنّ قوانين لضمان إقامتهم لفترات طويلة في تلك البلدان؛ كَي لا تضطر تلك الهيئات إلى استبدالهم بآخرين، وهو ما يكلفها المزيد من الوقت والجهد والمال.

التعليم

       تمثل قضية التعليم بالنسبة لأبناء اللّاجئين أو القُصّر غير المصحوبين بذويهم إشكاليّة كبيرة؛ حيث يلتحق بالتعليم الابتدائيّ 61% فقط من الأطفال اللّاجئين مقابل 91% في المتوسط على الصعيد العالميّ. وفي التعليم الثانويّ تكون الفوارق أكثر وضوحًا، حيث لا يتجاوز عدد المسجلين في المدارس 23% من اللّاجئين المراهقين، وهو ما يقابله 84% على الصعيد العالميّ.

       وتستحق حالة الفتيات اللّاجئات اللاتي لا تتاح لهن إمكانية الوصول إلى نظام التعليم إشارة خاصة. فالتعليم بالنسبة لهن يمكن أن يكون الضمان الوحيد لتجنب تزويجهن في مرحلة عمرية مبكرة، وتمكينهن من تولّي زمام حياتهن.

       وقد حذرت "المفوضيّة الساميّة للأمم المتّحدة لشئون اللّاجئين" من سوء الوضع التعليميّ للملايين من الأطفال والشباب اللّاجئين، مشدّدةً على أنه حال تجاهل هذا الملف وعدم تحرك المجتمع الدوليّ سيصبح الوضع "كارثيًّا" بسبب وباء كورونا. جاء ذلك في تقرير المفوضيّة الأخير الصادر تحت عنوان: "توحيد الجهود من أجل تعليم اللّاجئين"، حيث أشارت المفوضيّة إلى أن نصف الأطفال اللّاجئين في العالم لا يتلقّون تعليمهم في المدارس، وهو وضع خطير بالفعل، وقد تفاقم بسبب الوضع المؤلم الذي يواجههم. 

        وقالت المفوضيّة إن الخطر الذي يهدّد تعليم الصغار يثير القلق بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالفتيات، حيث كنّ بالفعل الأقل وصولًا إلى التعليم بالنسبة لأقرانهن قبل اندلاع الأزمة الصحيّة، حيث قدرت المفوضيّة أن نصف الفتيات اللّاجئات في المدارس الثانويّة لن يَعُدن إلى التعليم عند إعادة فتح المدارس في سبتمبر الجاري 2020.

        وأشار تقرير المفوضيّة أيضًا إلى أن زيادة الهجمات الإرهابيّة خلال السنوات الأخيرة في منطقة الساحل الإفريقيّ قد أدت إلى إغلاق أكثر من 2500 مدرسة، ممّا يعرض وصول 350 ألف طالب لخطر الحرمان من التعليم، وهذا تحدٍّ آخر علاوة على انتشار وباء كورونا.  

لذا يشدّد مرصد الأزهر على ضرورة وضع أزمات اللّاجئين في الاعتبار، داعيًا المجتمع الدوليّ إلى القيام بدوره في حل هذه الأزمات التي قد تهدّد مستقبل العالم بأسره إذا استمرت على هذا النحو من تجاهل الوضع الصحيّ والغذائيّ والتعليميّ لهم. 

استغلال المافيا والجماعات الإجراميّة للّاجئين

        تحت عنوان: "مفوضية الأمم المتّحدة لشئون اللّاجئين: الميليشيات والمسئولون يرتكبون أعمالًا وحشيّة ضد المهاجرين في طريقهم إلى أوروبا"، سلطت صحيفة "خي إني دياريو" الإسبانيّة الضوء على تقرير نشرته وكالة الأوروبيّة "فرونتكس" بعنوان "تحليل المخاطر" يدور حول المخاطر التي يواجهها اللّاجئين خلال رحلتهم إلى أوروبا عن طريق البحر، وهو واقع قاسي يتزايد عامًا بعد عام.  

وأشار التقرير إلى استغلال المافيا للمهاجرين واللّاجئين، وقد قدر أن ثلاثة من كل أربعة مهاجرين استخدموا العام الماضي 2019 ما يسمى بـ "طريق غرب البحر الأبيض المتوسط" للعبور من شمال إفريقيا إلى إسبانيا، وذلك عبر المافيا في مخاطرة واضحة بحياتهم عن طريق البحر. وأشارت الوكالة إلى أن وضع النساء لا يمكن مقارنته إلا بالأطفال، الذين يهاجر الكثيرون منهم غير مصحوبين بذويهم، ما يجعلهم أهدافًا مثاليّة لعصابات المافيا.

        من جانبها، قالت "المفوضيّة الساميّة للأمم المتّحدة لشئون اللّاجئين" إن الميليشيات ترتكب أعمالًا وحشيّة مع المهاجرين من الدول الإفريقيّة، وتنتهك حقوق الإنسان أثناء سفرهم عبر الدول في طريقهم إلى أوروبا. فعلى سبيل المثال، يتعرضون لأساليب عديدة من التعذيب كالحرق أو التعرض للصدمات الكهربائية والضرب والإجبار على العمل، أو حتى قتلهم.

        ووفقًا لبيانات الأمم المتّحدة، لَقِيَ 1750 شخصًا حتفهم خلال عامي 2018 و 2019، عندما ساروا من غرب أو شرق إفريقيا إلى دول أخرى في الشرق. ومن هذه البيانات نستنتج أن 72 لاجئًا ومهاجرًا كانوا يفقدون حياتهم شهريًّا خلال عبورهم هذه الطرق. وفي النصف الأول من عام 2020، تشير التقديرات إلى مقتل ما لا يقل عن 70 لاجئًا ومهاجرًا، بينهم 30 شخصًا قتلوا على يد تجار البشر في مايو الماضي.

 ووفق هذه الأرقام والمعلومات، يرى مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن اللّاجئين في هذه الحالة يمثلون موردًا بشريًّا ثريًّا ودائمًا لتلك العصابات الإجراميّة، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تدخل مباشر وقوي من الأجهزة الأمنيّة بكافة الدول المعنيّة لمواجهة هذه الأنشطة الإجراميّة التي تستهين بكرامة الإنسان وتنتهك حقوقه وحريته –وخصوصًا الأطفال القُصَّر- الذين قد يتحول مجرى حياتهم إلى الإجرام، أو يكون مصيرهم الموت الذي فروا منه.  

الأوبئة: أزمة كورونا أنموذجًا

أشار مرصد الأزهر في تقارير سابقة إلى ضرورة التحرك السريع لمواجهة الفيروس العالميّ "كوفيد- 19" في معسكرات اللّاجئين، محذرًا من خطورة تفشّي الفيروس بين اللّاجئين، خصوصًا في ظل تدهور الأوضاع الصحيّة في المخيمات التي يقيمون فيها، ولا سيّما مخيم "موريا" في جزيرة "ليسبوس" اليونانيّة، والذي يعيش فيه ما يقرب من 20 ألف لاجئ في حين أنه يتسع فقط (2500(، مؤكدًا على ضرورة أن تقوم المنظمات المعنيّة بوضع حلول فاعلة لمواجهة الوباء، حتى لا يؤدي الأمر إلى كارثة حقيقية، آخذين في الاعتبار أنه من المتوقع حدوث نفس الأمر في مخيمات أخرى للّاجئين حول العالم.

       ويبدو أن هذه المخاوف بدأت تتحقّق على أرض الواقع؛ ففي مطلع سبتمبر الجاري 2020، أشارت صحيفة "ABC" الإسبانيّة إلى تسجيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا في مخيم "موريا" للّاجئين في جزيرة "ليسبوس" اليونانيّة. وأوضحت الصحيفة أن الحالة المصابة هي للاجئ صوماليّ يبلغ من العمر 40 عامًا، وقد خضع للعلاج في مستشفى "ميتيليني" في "ليسبوس"، كما فرض على المخيم بأكمله الحجر الصحيّ لمدة 14 يومًا.

        ويمثل ظهور فيروس كورونا في مخيم "موريا" للّاجئين كارثة إنسانيّة خاصة في ظل استحالة تطبيق التباعد الاجتماعيّ؛ نظرًا لاكتظاظ المخيم باللّاجئين، وإجراءات النظافة الموصى بها للحد من انتشار فيروس كورونا.

جهود دون حلول جذريّة

       وفقًا لموقع المفوضيّة الساميّة للأمم المتّحدة لشئون اللّاجئين، صدرت مجموعة من القوانين والاتفاقيات التي أُبرمت تحت مظلة عصبة الأمم، وتحديدًا عام 1951، كما وافقت الجمعية العامة للأمم المتّحدة على الاتفاقية الخاصة بوضع اللّاجئين، والتي تبين من هو اللّاجئ ونوع الحماية القانونيّة، وغير ذلك من المساعدات والحقوق الاجتماعيّة التى يجب أن يحصل عليها من الأطراف الموقعة على تلك الوثيقة التي شكلت أساس الجهود التى تبذلها المفوضيّة من أجل توفير المساعدة والحماية لما يقدر بـ 50 مليون من اللّاجئين حاليًّا.

        وتعترف الاتفاقية بالنطاق الدوليّ لأزمات اللّاجئين، وضرورة توافر تعاون دوليّ، بما فى ذلك اقتسام الأعباء بين الدول من أجل معالجة المشكلة. وتعتبر جميع الدول، بما فيها الدول التي لم توقع على الاتفاقية، مُلزمة بالتمسك بمعايير الحماية الأساسيّة التى تعتبر جزءًا من القانون الدوليّ العام.

ورغم تلك الاتفاقيات والبروتوكولات، يرى مرصد الأزهر أن أوضاع اللّاجئين تحتاج إلى قوانين تفصيليّة وخُطط سياسيّة واقتصاديّة وصحيّة، سواءٌ على الصعيد الأممي والمنظمات، أو على الصعيد الداخليّ للدول.  ويؤكد المرصد أن الخُطط الحالية للمنظمات المعنيّة بشئون اللّاجئين قد لا تستوعب المستجِدات العالميّة والاضطرابات التي تشهدها الدول على كافة الأصعدة، وهو ما يشير إلى ضرورة أن تشكل الدول هيئات تتابع المستجِدات وتدير شئون اللّاجئين وَفقًا لها، بما لا يخلّ بالحقوق الأساسيّة والإنسانيّة لهؤلاء اللّاجئين، خصوصًا في ظل الظروف العالميّة العصيبة جراء انتشار وباء كورونا وتدهور الخدمة الصحيّة في الكثير من الدول المتضرّرة.

ويلفت مرصد الأزهر كذلك إلى ضرورة طرح ملف تعليم اللّاجئين للمناقشة الجادة التي تعقبها حلول عمليّة؛ لأن تكلفة الجهل باهظة، أما العلم فهو خير ضمان لإسهام اللّاجئين علميًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا في المجتمعات التي ينزلون بها.   

 

 

وحدة رصد اللغة الإسبانية

 

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
No rating