"عروس داعش" وإستراتيجية ألمانيا في مواجهة خطر العائدين

  • | الخميس, 18 فبراير, 2021
"عروس داعش" وإستراتيجية ألمانيا في مواجهة خطر العائدين

 

تواجه ألمانيا كغيرها من الدول، مشكلةً كبيرةً في التعامل مع العائدين من تنظيم داعش الإرهابي، حيث يعيش في ألمانيا عددٌ ملحوظ من هؤلاء، والذين عاد معظمهم بشكل سري إلى ألمانيا قبل انهيار التنظيم، وقد تمَّ اعتقال بعضهم وإحالتهم إلى المحكمة، بينما يخضع آخرون لمراقبة السلطات الأمنية.

وبحسب وزارة الداخلية الاتحادية، فإن أكثر من 1060 متطرفًا قد سافروا من ألمانيا إلى سوريا أو العراق للانضمام للتنظيم الإرهابي، وعاد نحو ثلثهم إلى ألمانيا حاليًّا، بينما لقي عدد كبير من هؤلاء حتفه هناك. وأضافت بيانات الوزارة أن أكثر من مائة شخص من مقاتلي تنظيم "داعش" العائدين إلى ألمانيا لديهم خبرة في القتال، أو استعداد للمشاركة في المعارك مرة أخرى، وعلى خلفية ذلك صنَّفت الشرطة الألمانية 61 شخصًا منهم على أنهم "خطرون". ووفق بيانات الحكومة الألمانية فإنَّ الشرطة ليست قادرة على مراقبة هؤلاء الأشخاص الخطرين أمنيًّا بلا أيِّة ثغرات، وذلك لأسباب قانونية وأخرى تتعلق بضعف الموارد البشرية في جهاز الشرطة.

عروس داعش

وتسعى السلطات الألمانية إلى تعزيز كوادرها من العاملين في مجال مكافحة التطرف والإرهاب، إضافة إلى إنشاء مراكز تأهيلية لمساعدة العائدين إلى ألمانيا، ممن أبدوا رغبتهم في التنصل من الأفكار المتطرفة، مثل الألمانية "لينورا" التي استقبلتها الدولة الألمانية مؤخرًا، والتي يطلق عليها الإعلام هناك "عروس داعش" والتي غادرت من ولاية "ساكسونيا أنهالت" قبل نحو ست سنوات -في مارس 2015، وهي في سن الخامسة عشر من عمرها- وتوجَّهت إلى سوريا من أجل الانضمام لتنظيم داعش الإرهابي، وتزوجت هناك بأحد المقاتلين الألمان داخل التنظيم كزوجة ثالثة، ويدعى "مارتن ل." والمعروف داخل التنظيم باسم "نهاد أبو ياسر" ولديها منه طفلان، وألقي القبض عليها بعد انهيار التنظيم، وإيداعها آنذاك في مخيم "الهول" بشمال سوريا. وبعد مساعٍ دبلوماسية تم السماح لها بمغادرة المخيم والسفر إلى ألمانيا، لتلقي القوات الألمانية القبض عليها بمطار فرانكفورت لدى وصولها يوم 22/12/2020، وتوجَّه إليها تهمة "الانضمام لجماعة إرهابية" و"ارتكاب جرائم ضد الإنسانية".

وقد عبّرت "لينورا" عدة مرات عن ندمها بخصوص الانضمام لتنظيم داعش الإرهابي، وأكدت أن سفرها إلى سوريا حطَّم حياتها، كما واصلت القول بأنها حاولت مرات عديدة الفرار من سوريا لكن باءت كل محاولاتها بالفشل.

وبعد ذلك قامت الحكومة الألمانية بجهود دبلوماسية كبيرة لإعادتها مع ثلاث سيدات ألمانيات واثني عشر طفلًا آخرين ممن كانوا محتجزين بمخيم "الهول" شمال سوريا. ووفقًا لموقع "RTL" تم إلحاقها ببرنامج التأهيل ضد التطرف، حسبما صرحت النيابة العامة بمدينة "هاله" بناء على قرار محكمة العدل الاتحادية بمدينة "كارلسروهه"، مع استمرار التحقيق في القضايا المتهمة فيها تلك السيدة، حسب موقع "MDR"، ويأتي إلحاقها ببرنامج التأهيل ضد التطرف بهدف معرفة الأسباب النفسية التي أدت بها إلى الانضمام لتنظيم داعش الإرهابي.

وفي حقيقة الأمر فإن "لينورا" أو "عروس داعش" كما يُطلق عليها في الصحافة الألمانية، تمثل نموذجًا واضحًا لاستغلال هذه الجماعات الإرهابية للشباب صغير السن، حيث تم استقطابها وهي في سن الخامسة عشرة من عمرها، أي وهي لا تزال طفلة، أو تنتقل من عمر الطفولة إلى عمر المراهقة، وهي مرحلة عمرية حرجة، إذ إن أغلب المراهقين والشباب في هذه المرحلة لا يستطيعون تحديد هويتهم، ويمكن التأثير عليهم بشكل كبير، ولاستكمال سيطرة التنظيم عليها تم تزويجها وهي في عمرها هذا لأحد مقاتليه زوجةً ثالثة، لتحمل وتنجب أطفالًا في مثل هذه الأجواء، ثم انتقلت بهم في مرحلة الرضاعة للعيش في ظروف لا تناسب أطفالًا في هذه المرحلة العمرية في مخيم "الهول".

كما كشف حال "عروس داعش" أيضًا عن غياب المسؤولية العائلية، التي تركت فتاة في مثل هذا العمر لتقع في شباك جماعات لا تعرف سوى العنف والقتل، وأنه يجب على العائلات تحمُّل مسؤوليتهم تجاه أبنائهم في هذا العصر، الذي يمكن التسلل فيه إلى عقول الشباب والأطفال من أكثر من باب.

وليست "لينورا" هي الحالة الأخيرة، بل قامت أيضًا النيابة العامة الألمانية برفع دعوى قضائية ضد سيدة لبنانية تُدعى "فادية. س" تحمل الجنسية الألمانية، بتهمة الانضمام لتنظيم داعش الإرهابي، وقد سافرت تلك السيدة إلى سوريا عام 2015 وبرفقتها أطفالها الأربعة بغرض الانضمام للتنظيم الإرهابي، بعد سفر زوجها مسبقًا للانضمام إليه. وتم القبض عليها بمدينة "إيسن" في يوليو 2020 بعد عودتها إلى ألمانيا، وتم اتهامها بالعديد من التهم مثل التقصير في رعاية أبنائها، وتعريضهم للخطر، وإلحاقهم بدروس خاصة بالتنظيم الإرهابي لتربيتهم أيديولوجيًا على الفكر الداعشي المتطرف، والاستيلاء على منازل الآخرين بشكل غير قانوني، وطرد السكان منها بغرض الإقامة فيها، والانضمام لتنظيم إرهابي، وقد تمَّ القبض عليها مؤخرًا وتقديمها للمحاكمة من قبل المحكمة الإقليمية العليا بمدينة "دوسلدورف".

كما قامت أيضًا السلطات الأمنية بإدانة أحد الأشخاص بمدينة "دوسلدورف" وهو شخص سوري الجنسية يسكن بالمدينة، ويبلغ من العمر 36 عامًا، بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية في مدينة الرقة السورية، وقد انضمَّ لتلك الجماعة الإرهابية في سوريا في فبراير عام 2013، وهو الآن محتجز في ألمانيا. ومن المحتمل أن تصدر المحكمة الإقليمية العليا بمدينة "دوسلدورف" حكمًا ضده بالسجن عشر سنوات حال ثبوت التهم الموجهة إليه، حسب صحيفة "فيلت" الألمانية.

ويتبين هنا اختلاف تصنيف الجهات الأمنية لكل حالة من الحالات العائدة من داعش، وطريقة تعاملها مع كل حالة على حده، ففي أحيان كثيرة يقبع العائدون من داعش رهن الاحتجاز على خلفية المحاكمات التي يطول زمنها، وفي أحيان أخرى يتم الإفراج عن الحالة رغم إدانتها في العديد من التهم، لتخضع لبرامج إعادة التأهيل، مع استمرار التحقيقات والمحاكمات، وذلك مثل حالة "لينورا" على سبيل المثال؛ لأنها سافرت إلى هذا التنظيم الإرهابي في مرحلة عمرية مبكرة.

وقد واجهت ألمانيا مصاعب جمَّة فيما يتعلق بالتعامل مع ملف العائدين سواء من الأطفال أم النساء أم الأسر، ابتداءً من العائق القانوني الذي يمنع مراقبة الأشخاص العائدين رغم تصنيفهم على أنهم خطرون، ومرورًا بالعائق الاقتصادي الذي يتمثل في قضية تمويل إجراءات المراقبة الدقيقة للعائدين، والتي تتطلب تعيين المزيد في مكاتب وكالة الاستخبارات الفيدرالية في الولايات الألمانية المختلفة، وانتهاءً بالبرامج النفسية والاجتماعية لإعادة دمج هؤلاء في المجتمع الألماني ومدى نجاح هذه الخطوة، لكن يمكننا القول: إن ألمانيا تخطو خطوات مهمة في اتجاه مكافحة التطرف.

ونؤكد في هذا السياق على ضرورة مكافحة التطرف والإرهاب بشتى السبل الممكنة، سواء القانونية أو الفكرية، والتغلب على العقبات والصعوبات، إذ إن تكلفة مكافحة الإرهاب وإن كانت كبيرة، إلا أنها أقل تكلفة من المخاطر الاجتماعية والاقتصادية والمعنوية التي من الممكن أن يسببها الإرهاب والتطرف.

تجفيف منابع التمويل

ومن الإستراتيجيات التي تتبعها ألمانيا في مكافحة التطرف تجفيف منابع التمويل للتنظيمات الإرهابية، فلا تقتصر التهم الموجهة لهؤلاء على الانضمام لجماعة إرهابية، بل هناك العديد من التهم التي تتعلق بالتمويل، فقد ألقت السلطات الأمنية الألمانية القبض على ثلاثة أشخاص على علاقة بتمويل جماعة "تحرير الشام" بسوريا يوم الجمعة الموافق 8/1/2021 في أثناء المداهمات لثماني مدن ألمانية،  في حملة استهدفت القبض على 14 متهمًا بتمويل تلك الجماعة الإرهابية، وتم القبض على ثلاثة منهم في مدن "ميونيخ" و"أولم" و"ديلمن هورست"، وهؤلاء الثلاثة من بينهم اثنان من الألمان ""Önder A و"Tassilo M" وامراة "Valdete M" تحمل الجنسية الألمانية والصربية والكوسوفية، طبقًا لما ذكره موقع "شبيجل".

وبحسب مكتب النائب العام الاتحادي، فإن الشخص الرئيس في شبكة التمويل كان عضوًا في "هيئة تحرير الشام" في سوريا، ويُتهم بأنه دعا علانيةً عبر منصة على الإنترنت للتبرع لشراء أسلحة، ودعم المقاتلين في تلك الجماعة الإرهابية.

وتأتي عملية مكافحة التمويل وتجفيف منابعه، خطوةً رئيسة ضمن الإستراتيجية الشاملة لمكافحة التطرف في ألمانيا، وقد كانت قضيةُ تمويل الجماعات الإرهابية والمتطرفة، ـولا تزال، أحدَ أبرز القضايا التي تسعى السلطات الألمانية جاهدة في مكافحتها، وتتبع القائمين عليها داخل ألمانيا وخارجها في إطار الإستراتيجية الأوروبية المشتركة. ومن ثمَّ، فقد قامت السلطات الألمانية بإلقاء القبض على عشرات الأشخاص ممن يشتبه في أنهم كانوا يقومون بجمع التبرعات، بغرض إرسالها لمتطرفين بسوريا أو العراق، وقد جاءت هذه الخطوة نتيجة التنسيق الأمني المشترك بين دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى معالجة الثغرات الأمنية التي تتعلق باتفاقية شينجن، وغيرها من الثغرات التي تستغلها الجماعات المتطرفة والإرهابية في نقل وتحويل الأموال من بلد إلى أخرى بسهولة.

هذا ويؤكد مرصد الأزهر أن مكافحة الإرهاب عالميًّا أمرٌ لابدَّ منه، ولابدَّ من تكاتف جميع الأطراف والدول في هذا الأمر. ويشدد المرصد على أن إعداد برامج للحدِّ من التطرف عن طريق إنشاء مواقع متخصصة لمراقبة المحتوى المتطرف على الإنترنت، ومكافحته وإزالته للحيلولة دون وقوع الشباب في براثن تلك الأفكار المتطرفة هو من الأهمية بمكان.

وحدة رصد اللغة الألمانية

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
4.8