الإسلاموفوبيا سبب في معاناة المرأة في أوروبا

  • | الثلاثاء, 16 مارس, 2021
الإسلاموفوبيا سبب في معاناة المرأة في أوروبا

     باتت ظاهرة "الإسلاموفوبيا" قضيةً لها حضور فاعل ومؤثر على ساحة التطورات السياسية والاجتماعية والقانونية الدولية، و"الإسلاموفوبيا" مصطلح إنجليزي بدأ استخدامه منذ عام 1997؛ لإدانة مشاعر الكراهية والخوف، والحكم المسبق الموجهة ضد الإسلام أو المسلمين في بريطانيا، والمصطلح يعني بشكل عام "رهاب الإسلام" أو "الخوف المرَضي من الإسلام"، ويعرفه قاموس أكسفورد الإنجليزي بـ "الخوف والكراهية الموجهة ضد الإسلام، كقوة سياسية تحديدًا، والتحامل والتمييز ضد المسلمين". وفي تعريف باحث الدِّين المقارن السويدي ماتياس غارديل للمصطلح، يرى أنه يعنى "الإنتاج الاجتماعي للخوف والتحامل على الإسلام والمسلمين، بما في ذلك الأفعال الرامية لمهاجمة أو التمييز ضد أو عزل أشخاص بناءً على افتراضات ارتباطهم بالإسلام أو المسلمين"، فهو لا يعنى فقط مجرد الخوف المرضى من الإسلام ولكنه بات يعنى ممارسة التمييز والعنصرية ضد المسلمين لكونهم مسلمين.
وقد زادت جرائم الكراهية ضد المسلمين في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث عمل البعض على نشر قوالب نمطية سلبية عن المسلمين عمومًا، والمرأة المسلمة بشكلٍ خاصٍّ، وذلك على نطاق واسع في أمريكا وأوروبا، وتشير الإحصائيات العالمية أن جرائم الكراهية المعادية للمسلمين كانت ثاني أقل الجرائم المبلغ عنها قبل 2001، ولكن في عام 2001 أصبحت ثاني أعلى الجرائم التي يتم الإبلاغ عنها في حوادث التحيز الديني، بعد جرائم الكراهية المعادية لليهود في أوروبا والولايات المتحدة، ومنذ ذلك الحين تتزايد تلك الاعتداءات سنويًّا كمًّا وكيفًا، وخاصةً بعد موجات الهجرة واللجوء إلى أوروبا في الأعوام الأخيرة.
ولذلك تشير التقارير الرسمية الصادرة حديثًا في أوروبا إلى تزايد معدلات حوادث الاعتداء ضد المسلمين بشكل غير مسبوق في الأعوام القليلة الماضية، حيث زادت وتيرة وحدة الاعتداءات على المسلمين في غالبية البلدان والعواصم الأوروبية، إلى الحدِّ الذي باتت فيه تلك الاعتداءات تأخذ شكلًا يهدد الحياة اليومية للمسلمين، وليست جريمة قتل أكثر من 50 مسلم داخل مسجد في نيوزيلندا في مارس 2019 ببعيدة عن ذلك.
ففي دولة كألمانيا مثلًا بلغت عدد الاعتداءات الموثقة ضد المسلمين ومنشآتهم حوالي 416 اعتداءً بين أعوام 2001 و 2016، بينما وصلت إلى نحو 950 اعتداءً موثَّقًا في عام 2017، ولم تقل في الأعوام الثلاث التالية عن 900 اعتداء وهجوم، ناهيك عن الاعتداءات غير الموثقة.
وتأتى جرائم الاعتداء على النساء المسلمات في أوروبا -بحسب التقارير ذات الصلة- على رأس الجرائم المرتبطة بالإسلاموفوبيا؛ حيث تتزايد حالات التعدي على نساء مسلمات بشكل ملحوظ، وذلك لسهولة تمييزهن من ملابسهن في الأماكن العامة، وأماكن العمل والدراسة. ولعل ما يُغذي تلك الاعتداءات من جهة أخرى الصورة النمطية عن المرأة المسلمة (المحجبة) في أوروبا، إذ يتواصل تصوير حياةِ المرأة في العالم الإسلامي بصورة سلبية وحصرها في الزواج القسريّ، وجرائم الشرف والعنف الذكوري، والضعف والاضطهاد، "ولا تكُفّ دور النشر الغربيّة عن إصدار سيلٍ لا ينتهي من المؤلفات التي تحمل عناوين على شاكلة "إنّي قد اخترتُ الحريّة: قصة نجاتي من زواج قسري والاضطهاد وكيف وجدتُ الأمل".
وتتنوع الاعتداءات وأشكال العنصرية والتمييز التي تتعرض لها المرأة المسلمة في أوروبا على جميع الأصعدة وفي مختلف الأماكن، في الدراسة وفى الشارع، في العمل وفي السكن وغير ذلك من الأماكن التي تتحرك فيها وإليها المرأة. ولذلك نجد أن الاعتداءات على نساء محجبات في الشوارع وفي محطات القطار والمترو تكررت بشكل كبير في ألمانيا -على سبيل المثال- في الأعوام الأخيرة، وتنوعت تلك الاعتداءات- التي رصدها مرصد الأزهر لمكافحة التطرف في حينها- بدءًا من الإهانة اللفظية مرورًا بالبصق وصولًا إلى الضرب باليد، ومحاولة إلقاء بعض النساء أمام عجلات القطار. ومن أبرز القضايا المرتبطة بمصر وألمانيا في هذا السياق جريمة قتل المصرية مروة الشربيني عام 2009، على يد متطرف يميني في مدينة درسدن الالمانية، وعُدَّت تلك الجريمة جريمة قتل مرتبطة بالإسلاموفوبيا، حيث ارتبطت جريمة قتلها بكونها مسلمة محجبة.
ويعتبر منع التوظيف بسبب الحجاب أحد أوجه التمييز البارزة التي تتعرض لها المرأة المسلمة، تلك التي جعلت المعهد الألماني لحقوق الإنسان يطلق مشروعًا لتعزيز مبدأ التسامح، وتسهيل ظروف عمل الأجانب ومحاربة التمييز ضدهم وذلك منذ عام 2012. وفي استبيان أجراه "معهد بحوث التوظيف"، ومركز أبحاث "المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين"، و"اللجنة الاجتماعية الاقتصادية"، كشف أنَّ اللاجئات والمهاجرات في ألمانيا يشاركن في سوق العمل بمعدلات أقل كثيرًا من أقرانهن الرجال. وحين أُجرِيَ الاستبيان في النصف الثاني من عام 2017، "كان 27% من اللاجئين الذكور و6% من اللاجئات الإناث قد حصلوا على وظيفة". في حين تتساوى مشاركة السيدات مع مشاركة الرجال من المواطنين الألمان في سوق العمل. وفي حين زعم التقرير أنَّ المهاجرات مُنعن بفعل الأعراف العائلية التي تتوقع منهن تربية عدد كبير من الأطفال. لكن المحجبات المعنيات أكدن أن المشكلة تكمن في ممارسة العنصرية والتمييز تجاههن. ولعل ما يساعد على ذلك التمييز ضد المحجبات العاملات -إلى جانب الصور النمطية السلبية- بعض القوانين والأحكام التي تبدو سلبية تجاه الحجاب، ففي عام 2015 ألغت المحكمة الدستورية الألمانية "حظر الحجاب" على المدرسات في ألمانيا وأصدرت حكمًا بعدم شرعية " المنع العام" لارتداء معلمات مسلمات الحجاب داخل المدارس، غير أنها وضعت شروطًا في حيثيات قرارها يسمح بمنع الحجاب في حالة خطورته على "التعايش السلمي" في المدرسة. وفي عام 2017 أصدرت محكمة العدل الأوروبية حكمًا بقانونية منع ارتداء الرموز والألبسة الدينية بما فيها الحجاب في أماكن العمل، وبذلك يسمح ذلك القرار لأصحاب العمل بمنع العاملات من ارتداء الحجاب أو فصلهن، وفي عام 2020 أيَّدت المحكمة الدستورية العليا الألمانية حظر الحجاب داخل أروقة المحاكم على المتدربات في مجال القضاء انطلاقًا من مبدأ حيادية الدولة، غير أن كثيرون يعتبرون مثل هذ الأحكام التي تقضي بحظر الحجاب تحتوي على نوع من أنواع التمييز والاقصاء للمحجبات على أساس الدين. 
وعلى صعيد المدرسة فقد ذكرت بعض التقارير العام الماضي أن هناك تفكيرًا ونقاشات جادة جرت لاستصدار قانون بمنع الحجاب في المدراس الابتدائية الألمانية وذلك على غرار القانون الذي صدر حينئذ في النمسا، والذي عادت المحكمة الدستورية في النمسا وقضت بعدم دستوريته. 
والأمثلة على التمييز والعنصرية التي تتعرض لها المرأة في مجالات العمل والدراسة والسكن والحياة بوجهٍ عام كثيرة، ويضيق المقال والمقام عن ذكرها. كل تلك الاعتداءات والمضايقات المرتبطة بالإسلاموفوبيا تُبين بما لا يدع مجالًا للشكِّ حجم المعاناة والتضييق التي تتعرض لها المرأة المسلمة في أوروبا، ومدى كفاحها وصبرها وحجم إنجازها، حيث حقَّقت بعض النساء المسلمات في ظل تلك الظروف نجاحات على مستوى التعليم والعمل.
ومن ناحية أخرى تُبرز تلك الاعتداءات أهمية مكافحة التمييز والعنصرية التي يتعرض لها المسلمون في أوروباـ وقد دعا فضيلة الإمام الأكبر في أكثر من مناسبة إلى مكافحة ظاهرة الإسلاموفوبيا بوصفها تعني تحريضًا على الإسلام والمسلمين في أوروبا، وأكَّد مرصد الأزهر في تقاريره ومقالاته ومتابعاته على وجوب مكافحة التمييز والإقصاء بحقِّ المسلمين في أوروبا، وعمل على إبراز الصورة الحقيقية للإسلام، وتصحيح الصور النمطية السلبية عن المسلمين، التي يتخذها البعض تكأةً لنشر الكراهية ضد الإسلام، وتخويف الناس منه.


وحدة الرصد باللغة الألمانية


.    

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
3.0