التطرف في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.. التداعيات وسُبُل المواجهة

  • | الخميس, 22 أبريل, 2021
التطرف في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.. التداعيات وسُبُل المواجهة

     شهد العالم على مدار العقد الأخير تسارعًا ملحوظًا في استخدام أدوات الاتصال الرقمي، التي حافظت على مظاهر الحياة الطبيعية إلى حدٍّ ما، خاصَّة بعد تفشِّي جائحة كوفيد-19، وأصبحت وسائل الإعلام، لا سيما مواقع التواصل الاجتماعي، حاليًا أحد الأدوات الأساسية في حياة الفرد؛ نظرًا لسهولة استخدامها، وسرعة انتشارها، وقدرتها على سدِّ الفجوة التي تعيق التواصل من أجل نقل الأفكار، ووجهات النظر بين المستخدمين، وقدرتها الفعَّالة على ترويج هذه الأفكار بتكلفة منخفضة. 
كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي إسهامًا ملحوظًا في تشكيل رأيٍ عامٍّ حول بعض القضايا الاجتماعية والسياسية التي تشغل الفرد، ولكن ما هي تداعيات الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي على حياة الفرد؟ وهل أدَّت وسائل التواصل دورًا في ارتفاع معدلات خطاب الكراهية وأعمال العنف؟ ولماذا لجأت الجماعات المتطرفة إلى استخدام هذه الوسائل الحديثة؟ أسئلة كثيرة تدور في أذهان الكثيرين حول وسائل التواصل الاجتماعي، نحاول استعراضها في الأسطر القادمة. 
في الوقع، تمثل وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدَّين، إذ يمكن استخدامها في نشر القيم والأفكار الإيجابية والتعاليم الدينية الصحيحة، التي تفيد المجتمعات والأفراد على حدٍّ سواء، ولعل أبرز مثال على ذلك انتشار القنوات والصفحات والمجموعات التي يتشارك أعضاؤها منشوراتٍ ومقاطع فيديو، وأخرى صوتية، وغيرها من المواد الرقمية التي تروِّج للمحتوى السليم، ويلقى قبولًا بين الناس، ويساهم في تعزيز أمن المجتمعات واستقرارها، في حين يتمثَّل الوجه القبيح لهذه الوسائل في الاستخدام السيء لها من جانب المتطرفين وأصحاب الأيديولوجيات المنحرفة، الذين يستخدمون تطبيقات مشفَّرة لتسهيل عملية التواصل والتفاعل بين أعضاء الشبكات المتطرفة؛ بهدف نشر محتويات تحضُّ على العنف وتثير الكراهية، ما يجعل الشباب فريسة سهلة أمامها، فضلًا عن استغلال المتطرفين منصات التواصل الاجتماعي في الحصول على تمويل وتجنيد أعضاء جُدُد، ومشاركة المعلومات المتعلقة بتنفيذ أعمال عنف. 
وفي هذا الصدد، كشفت دراسة نشرها موقع "ResearchGate" في أبريل 2017 لـ عمران أوان، أستاذ علم الجريمة في جامعة برمنجهام سيتي، بعنوان "التطرف الإلكتروني: داعش وقوة وسائل التواصل الاجتماعي " أن الجماعات المتطرفة تستخدم الإرهاب الإلكتروني، والإنترنت، ووسائل التواصل في صناعة الكراهية. وبعد تحليل بعض الحالات، خلُصت الدراسة إلى أن الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، يعدان بمثابة قاعدة بيانات معرفية وأن الآراء الشاذة لبعض المستخدمين تُمثِّل خطرًا محدقًا، ما فسَّره نُقَّاد على أن الإنترنت ومواقع التواصل أصبحت ملاذًا آمنًا للمتطرفين المحتملين الساعين إلى استهداف الفئات المستضعفة، من خلال تسويغ وتنفيذ أعمال عنف ضد المدنيين الأبرياء.
وكان مرصد الأزهر لمكافحة التطرف قد أعدَّ كثيرًا من التقارير والمقالات، وأجرى بعض الدراسات التي أثبتت استخدام التنظيمات المتطرفة بشتى أيديولوجياتها المختلفة لمواقع التواصل، على غرار تويتر وتليجرام، في عمليات التجنيد والاستقطاب، وتنسيق شنِّ الهجمات في جميع أنحاء العالم، وفي إفريقيا على وجه الخصوص. ولعلَّ موجة المقاتلين الأجانب العائدين إلى بلدانهم الأصلية بعد هزيمة تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا، أوضحُ مثالٍ على استخدام الجماعة الإرهابية لمواقع التواصل؛ إذ استطاعت البيانات التي تم تجميعها بعد سقوط الجماعة الإرهابية في أماكن تمركزه التعرُّف على هوية "19 ألفًا من أصل 40 ألف مقاتل أجنبي، يُقدَّر أنهم سافروا إلى العراق وسوريا للانضمام إلى داعش، وفقًا لتحليل هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي في 24 أكتوبر 2017 لتقرير جاء تحت عنوان "المقاتلون الأجانب في سوريا" من إعداد "مركز صوفان" المعني بإجراء أبحاث وتحليلات سياسية . وفي سياق حديثنا عن إفريقيا، تجدر الإشارة أيضًا إلى أن نشاط جماعتي "بوكو حرام" في نيجيريا، و"الشباب" في الصومال وكينيا، دفعهما إلى التركيز على استغلال منصات التواصل الاجتماعي في عملياتهما الإرهابية، والتواصل فيما بين عناصرهما، وساعدها في ذلك ارتفاع وتيرة استخدام هذه المواقع من جانب مواطني هذه البلدان.
على صعيد آخر، لجأت الحركات المتطرفة في الغرب، لا سيما جماعات اليمين المتطرف، إلى مواقع التواصل من أجل نشر أفكارها الرئيسة، التي تمحورت حول كراهية الأجانب، والإسلاموفوبيا، والتعصب لسيادة العِرْق الأبيض، والتمييز القائم على الدِّين والنوع، وادَّعت هذه الجماعات أن الحفاظ على الهُويَّة الثقافية والدينية لبلادها، هو ما دفعها إلى تبني هذه الأيديولوجيات. وكانت الجماعات اليمينية في الولايات المتحدة قد استخدمت مواقع التواصل مؤخرًا، خاصة فيسبوك وتويتر وتليجرام، في تنفيذ أعمال شغب على مبنى الكابيتول الأمريكي، ما دفع هذه المنصات إلى شنِّ حملة على المتطرفين اليمينيين، وحظر حساباتهم من هذه المواقع، ولعل أبرز الهجمات التي نفذها اليمين المتطرف خلال الآونة الأخيرة، تتمثَّل في الهجوم الذي استهدف مسجدين في مدينة كرايستشرش في نيوزلاندا، ما أسفر عن مقتل 51 شخصًا من روّاد المسجدين، وإصابة آخرين، وقد أسهمت وسائل التواصل إسهامًا ملحوظًا في نجاح هذا الهجوم، ذلك أن منفِّذه أعلنه على موقع "8chan" ثم بثَّه مباشرة على فيسبوك، وتناقلته مواقع التواصل والقنوات الإعلامية الأخرى بعد ذلك على منصاتها. 
ولكن هل ينجح حظر اليمينيين المتطرفين من مواقع التواصل في إنهاء نشاطهم؟ يحذِّر كثير من الخبراء المعنيين بمكافحة التطرف، من أن حظر هؤلاء المتطرفين من هذه المنصات لن يمنعهم من البحث عن تطبيقات أخرى مثل تطبيق “Gab” الذي يتبنى القائمون عليه توجُّهات يمينية، حيث شهد التطبيق تدفقًا للمتطرفين اليمينيين، والمتعصبين للعرق الأبيض الباحثين عن ملاذ يمكِّنهم من ترتيب أوراقهم، والعودة من جديد إلى نشاطاتهم المنحرفة. 
لا ريب أن العامل الرئيس في انتشار الفكر المتطرف عبر الفضاء الإلكتروني، على وسائل التواصل الاجتماعي، يكمن في خطاب الكراهية الذي تروِّج له الحركات المتطرفة باختلاف منهجياتها وأيديولوجياتها، ما يضع أعباء مضاعفة على عاتق السلطات الأمنية في تحديد الفرق بين ما يعتقده رواد مواقع التواصل بأنه حرية تعبير يكفلها القانون، وما يشكل خطرًا محدقًا على أمن البلدان واستقرارها. 
لذلك، ثمَّة حاجة ضرورية إلى التحرك الفوري من أجل الحفاظ على الشباب، الذين يمثلون مستقبل الأمم، للحيلولة دون وقوعهم في براثن التطرف، وربما تبدأ هذه التحركات بإعداد برامج تثقيفية دورية تعمل على تفنيد الأفكار التي ربما يستغلها المتطرفون في التأثير على النشء، كما يجب أن يواكب قادة الأديان التطور الشديد للأدوات الرقمية، ووسائل الاتصال الحديثة التي يستخدمها الشباب؛ حتى لا يقعوا فريسةً لأفكار لا تمت للأديان بصلة، فضلًا عن التحركات الاستباقية التي تهدف إلى التصدي لأشكال التمييز المختلفة.

وحدة الرصد باللغة الإنجليزية
 

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
.3