مقبرة الأرقام.. جريمة صهيونية مستمرة

  • | الإثنين, 27 سبتمبر, 2021
مقبرة الأرقام.. جريمة صهيونية مستمرة

"مقابر  الأرقام"؛ هي الصندوق الأسود لجرائم الكيان الصهيوني  ضد الفلسطينيين، مئات الجثامين المحتجزة من فلسطينيين وعرب في مقابر، أقامها الاحتلال بين شمال فلسطين والأغوار، بل ويمعن في عنصريته القبيحة بكتابته على مدخلها "مقبرة ضحايا العدو"... خلال السطور القليلة القادمة سنحاول إلقاء الضوء على قضية إنسانية من الدرجة الأولى، نسعى لأن نخرجها من عالم الإهمال والنسيان الذي أحاطها على مدار عقود؛ لإيقاظ الضمير الإنساني العالمي من غفوته للوقوف إلى جوار أهالي الشهداء، الذين كُتب لهم أن يكونوا رقمًا مغروسًا في أرضٍ مسلوبة محتلة، في حفر فردية وجماعية، تفترسها الطيور الجارحة والحيوانات المتوحشة. إذًا ما هو مفهوم مقابر الأرقام، ومتى بدأت تلك الظاهرة، وما هي الدوافع الحقيقية الكامنة وراء إقدام الكيان الصهيوني على ارتكاب هذه الجريمة؟ وغيرها من الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها....

 

مفهوم مقابر الأرقام

"مقابر الأرقام"؛ لا تتعجب فهذا الاسم لن يصل إلى مسامعك إلا من خلال الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين الأبية؛ هذا الكيان الظالم المستبد الوحيد الذي يعاقب الموتى، حيث أقام مقابر يحتجز فيها جثامين الشهداء الذين سقطوا في فترة الصراع.

وهي عبارة عن مدافن بسيطة مُحاطة بالحجارة بدون شواهد. ومثبت فوق القبر لوحة معدنية تحمل رقمًا معينًا؛ وقد سميت بمقابر الأرقام، لأنها تتخذ الأرقام بديلًا عن أسماء الشهداء، ولكل رقمٍ ملف خاص تحتفظ به الجهات الأمنية الصهيونية المسؤولة، ويتضمن المعلومات والبيانات الخاصة بكل شهيد.

ويحتجز الكيان الصهيوني رفاتًا لجثامين الفلسطينيين والعرب، مع حظر الدخول إليها؛ سواء من قبل ذويهم أو من مؤسسات حقوق الإنسان. وتبقى تلك المقابر طي الكتمان والنسيان، ولا تنشر أية معلومات شخصية تتعلق بهذا الشهيد أو ذاك.

 

والمقابر الجماعية والفردية هي أكثر مما كشف عنه، لكنها اندثرت أو أُخفيت، وضاعت الجثامين كما ضاعت الأسماء في غمرة الصراع وفرض الأمر الواقع بالقوة المُفرطة.

ففي كل سنة، يكتشف قبر جماعي يطفح بالجماجم والعظام، يدل على مذبحة وإبادة ارتكبها الكيان الصهيوني، وكان آخرها قبر جماعي اكتُشف في إيلات للجنود المصريين الذين قُتلوا بعد وقوعهم في الأسر خلال حرب 1956م.

بداية ظاهرة مقابر الأرقام

لا يوجد تاريخ محدد يوضح متى تم إنشاء أول مقبرة للأرقام، إلا أن أول عملية دفن جماعي للشهداء  العرب وقعت في حرب 1948م، بشكل عشوائي؛ ثم أصبحت رسمية وأكثر تنظيمًا، وتخضع لإشراف وزارة الحرب الصهيونية بعد حرب 1967م.

 

 

المقابر التي تم اكتشافها

على الرغم من إنكار الاحتلال وجود مثل هذه المقابر، إلا أنه اضطر إلى الاعتراف بها إثر صفقات تبادل الأسرى أو رفات جنوده، فبدأ الأمر ينجلي. وبحسب المصادر العبرية؛ فإن "مقابر الأرقام" عددها غير معروف، وهويات الشهداء فيها مجهولة. وقد اكتشفت أربع مقابر على النحو التالي:

  • أقيمت أول "مقبرة أرقام" عام 1969م بين نابلس وأريحا، قرب جسر دامية في غور الأردن، وهي مغلقة الآن.
  • أما المقبرة الثانية؛ فقد أقيمت بجانب جسر "بنات يعقوب" بالجليل الأعلى، ونقلت إلى الموقع العسكري "عميعاد"، وهي المقبرة الوحيدة النشطة والمعروفة إعلاميًّا.
  • مقبرة "خان أرنبة " دُفِن فيها نحو ألف شهيد سوري ارتقوا خلال حرب أكتوبر 1973، وتم التعرف على هوية ما يقارب 400 منهم، وتحررت عقب الحرب.
  • مقبرة "شحيطة" في وادي الحمام شمال طبريا، أغلب الشهداء بها من شهداء معارك الأغوار بين عامي ١٩65م و1975م، وبها ما يقارب 50 ضريحًا.
  • مقبرة "ريفيديم" بغور الأردن.

إذا؛ فالسؤال الطبيعي الذي يتبادر إلى الأذهان، ما هي الدوافع الحقيقية الكامنة وراء إقدام الكيان الصهيوني على ارتكاب هذه الجريمة؟؟

على الرغم من أنه عمل غير إنساني ومخالف لكل الأعراف الدولية، فإن الكيان الصهيوني يختلق الدوافع لتبرير جرائمه العنصرية المختلفة، ومن بينها احتجاز جثامين الشهداء، باختلاق ذرائع وهمية؛ حيث يدعي احتجاز الجثامين إلى حين الانتهاء من تشخيصها وفحصها. وهذا الادعاء باطل جملة وتفصيلًا؛ لأن التشخيص والفحص، وفق العقل والضمير الإنساني ومبادئ القانون الدولي لا يستدعي احتجاز الجثامين لسنوات عدة؛ فاحتجازها يكون لأيام معدودة.

والدوافع الحقيقية الصهيونية وراء احتجاز الجثامين لسنوات عدة تتلخص في الضغط الصهيوني والابتزاز السياسي الرخيص مقابل تلبية شروط معينة، مثلما احتجز الكيان الصهيوني جثماني الشهيدين " محمد فروانة" و"حامد الرنتيسي" من أجل الإفراج عن الجندي الصهيوني المختطف وقتئذٍ "جلعاد شاليط". كما يهدف الاحتلال إلى عقاب عائلات الشهداء وذويهم بهدف ردعهم ومضاعفة أحزانهم وردع من بقي منهم حيًّا حتى لا يفكر في الدفاع عن أرضه، وحرمانهم من كرامة الدفن وفق الشرائع السماوية والمبادئ الإنسانية. وربما يستغل الكيان الصهيوني جثامين الشهداء لسرقة الأعضاء، وهذا أمر غير مستبعد على الإطلاق.

 

وهنا نتساءل هل يسرق الكيان الصهيوني أعضاء الشهداء؟!

بتاريخ 17 أغسطس 2009م، شنَّ الكيان الصهيوني هجومًا قويًّا على الإعلام السويدي ،حيث قام الصحفي "دونالد بوتسروم" بكتابة مقالة يؤكد فيها على أن دولة الاحتلال وعصاباتها تقوم بعمليات الإتجار بأعضاء الشهداء، ويزيد من تأكيد هذا الأمر الصور التي نُشرت خلال السنوات الماضية لشهداء تم الاحتفاظ بجثامينهم في ثلاجات، وبعد تسليم تلك الجثامين ظهر واضحًا أنها تفتقد لبعض الأعضاء، كما تكون مخيطة بشكل يوحي أنه جرى شقها من أجل إخراج بعض الأعضاء، وروى أهالي بعض الشهداء أنهم دفنوا أبناءهم دون أعين أو أعضاء أخرى.

ويمتنع الأهالي عن توثيق ذلك لاعتبارات عديدة أهمها اعتبارات دينية؛ إذ يرفض الفلسطينيون تشريح جثامين شهدائهم، خاصة بعد غياب دام لأشهر أو سنوات في ثلاجات أو مقابر الأرقام.

الموقف الدولي

في الواقع، سياسة احتجاز جثامين الشهداء واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية والدينية والقانونية والأخلاقية، ومنافية لكافة الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية، التي تنص على حق الموتى في التكريم. وتلزم الكيان الصهيوني بتسليم الجثامين إلى ذويها، ومراعاة الطقوس الدينية اللازمة خلال عمليات الدفن، بل وحماية مدافن الموتى وتسهيل وصول ذويهم إلى قبورهم، واتخاذ الترتيبات اللازمة لتنفيذ ذلك.

وختامًا؛ إن "مقابر الأرقام" إهانة لإنسانية البشر في حياتهم وبعد موتهم تستصرخ الضمير الإنساني والمجتمع الدولي بكافة مؤسساته للإفراج عن جثامين الشهداء، فمن العار أن يصمت المجتمع الدولي على تلك الإهانة والجريمة النكراء في ظل انعدام إنسانية هذا الكيان الصهيوني المستبد، وحرصه على معاقبة الفلسطيني والعربي حيًّا أو ميتًا بشكل يعبر عن حقده وإجرامه وعنصريته.

وحدة الرصد باللغة العبرية

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
5.0