التطهير العرقي في فلسطين يطال الموروث الثقافي والتاريخي

  • | الجمعة, 9 فبراير, 2024
التطهير العرقي في فلسطين يطال الموروث الثقافي والتاريخي

لم يعتمد الكيان الغاصب في حروبه المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني على الوسائل العسكرية، والآليات السياسية، والتهجير القسري، والأسْر، والإبادة الجماعية فقط، بل حاول التركيز كذلك على الجوانب الثقافية، والقومية، وكل ما من شأنه أن يكون دليلًا على اغتصاب الأرض والتاريخ؛ في محاولة فاشلة، تستهدف مقومات الشخصية الفلسطينية، والتأثير في الذاكرة الجماعية للأجيال اللاحقة. حيث سعى الكيان الصهيوني الغاصب حتى قبل الاستيلاء على فلسطين، إلى محاولة طمس وتزييف هويتها التاريخية والدينية بأساليب متنوعة، منها: التهويد عبر نزع الطابع العربي (الإسلامي والمسيحي) عن المقدسات الدينية والمواقع التاريخية، واستبدالها بصبغة يهودية مصطنعة.
فالهوية هي "الرمز، أو العامل المشترك الذي يجمع عليه كل أفراد الأمة؛ من حيث الانتساب والتعلق والولاء والاعتزاز، وهذا الانتساب والتعلق والولاء والاعتزاز له قداسته؛ لأنه ليس موضع شك من طرف أي فرد، وهي كذلك هوية القاسم المشترك بين الجميع، استنادًا إلى الخلفية الثقافية والتاريخية الواحدة، والمساس بها يمس كيان الأمة كلها، ويمس في الوقت نفسه كل فرد منها على السواء، لأنه شكٌ في الماضي، وطعن في الحاضر، ويأس من المستقبل". (أحمد بعلبكي وآخرون: الهوية وقضاياها في الوعي العربي المعاصر، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2013م، ص25)
وقد اتخذت محاولات تهويد فلسطين أشكالًا عدة حيث تحتاج إلى مؤلفات لإحصائها وتسجيلها حفاظًا على التاريخ والهوية الفلسطينية، أبرزها إطلاق مصطلح "جبل الهيكل" على المسجد الأقصى، وكذلك نسبة "مسجد بلال" بين القدس والخليل إلى السيدة "راحيل زوجة النبي يعقوب ووالدة النبي يوسف" بدلًا من الصحابي "بلال بن رباح" وعزله عن محيطه الفلسطيني، وإحاطته بالأسوار والأبراج العسكرية.
ومن هذه الأشكال أيضًا، سرقة الآثار التاريخية وعرضها في متاحف صهيونية بأسماء وتواريخ مزيفة، وكذلك عدم السماح بترميم الأماكن التاريخية والآثرية التي تداعت بفعل الزمن، وعمليات التدمير الصهيونية، واعتقال كل من يحاول ترميم تلك المعالم. وقد كثف الاحتلال من وتيرة طمس الهوية الفلسطينية التاريخية، في أتون الحرب الحالية على قطاع غزة، عبر استهداف وتدمير المواقع الأثرية والتاريخية الفلسطينية، ومنها:
تدمير المساجد:
دمر الاحتلال الصهيوني معظم مساجد قطاع غزة. ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد دمر العدوان الإسرائيلي على القطاع منذ 8 أكتوبر 2023م وحتى الآن (140) مسجدًا بشكل كامل، وألحق أضرارًا متفاوتة بعدد (240) مسجدًا. وقد سجلت العديد من الفيديوهات المتداولة في وسائل الإعلام نشوة جنود الاحتلال بقصف المساجد وتدنيسها ، مثل رفع العلم الصهيوني فوق مسجد "معاذ بن جبل" خلال اقتحام مخيم "الفوار" جنوب الخليل، وتدمير مساجد "بلال بن رباح" في "دير البلح"، و"العودة" في "جباليا"، و"العمري" الذي يعود تاريخه إلى ما قبل (1400) عام؛ حيث لم يتبق من المسجد سوى مئذنته، وتحول مسجد «عثمان بن قشقار» والذي كان يقع في البلدة القديمة في حي "الزيتون" شرق مدينة غزة، ويرجع تاريخه إلى ما قبل (800) عام، إلى كومة من الأنقاض.
تدمير الكنائس:
لا يستهدف الاحتلال الأماكن الدينية والتاريخية الخاصة بالمسلمين فقط، لأن هدفه ليس فقط القضاء على التاريخ والهوية الإسلامية، بل القضاء على الهوية التاريخية والدينية للفلسطينين على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم، وهذا ما أشار إليه القس الفلسطيني الدكتور "مترى الراهب"، حيث صرح أن انتهاكات الكيان الصهيوني لا تطول المساجد فقط، بل الكنائس أيضًا، وأضاف أن كنيسة القيامة في "عيد القيامة" تصبح مليئة بجنود الاحتلال وبالشرطة حتى داخل الكنيسة. (الشروق 22نوفمبر2023م )، وقد استهدف الكيان الغاصب منذ بداية حرب الثامن من أكتوبر حتى اليوم ثلاث كنائس تاريخية، منها "دير القديس هلاريون" في "النصيرات"، و"كنيسة جباليا البيزنطية" التي يزيد عمرها عن 1600 عام، و"كنيسة القديس برفيريوس" وهي كنيسة للروم الأرثذوكس كانت تشكل مركزًا للإيواء وتقديم الدعم للأشخاص المحتاجين لا سيما في فترات الصراع، وقد صرح مسؤولوا الكنيسة بأن استهداف الكنائس والمؤسسات التابعة لها، إضافة إلى الملاجئ التي توفرها لحماية المواطنين الأبرياء، خاصة الأطفال والنساء الذين فقدوا منازلهم جراء القصف الإسرائيلي للمناطق السَكَنية.. يشكل جريمة حرب لا يمكن تجاهلها". وفقا لشبكة (CNN الإخبارية بتاريخ 20 من أكتوبر 2023م).
تدمير المراكز والمؤسسات الثقافية:
وفقًا لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" بتاريخ 6/12/2023م، فقد دمر الإحتلال الصهيوني خلال الحرب الحالية على قطاع غزة عدد (21) مركزًا ثقافيًّا، إضافة إلى ٨ متاحف، منها متحف رفح، ومتحف القرارة، ومتحف خان يونس.. وغيرها، هذا إضافة إلى إصابة أكثر من (70) بيتًا أثريًّا بأضرار جزئية، وفقًا لمنظمة "تراث من أجل السلام". جدير بالذكر أن تلك المتاحف تحوي مئات الأدوات المتعلقة بالتراث الفلسطيني القديم من أزياء وأدوات قديمة تعكس ثقافة البدو والفلاحين وسكان المدينة، كما قصف الاحتلال الصهيوني المركز الثقافي الأرثوذكسي في غزة وهو أحد المؤسسات الثقافية والرياضية التابعة للكنيسة الأرثوذكسية (RT Arabic بتاريخ 31 أكتوبر 2023م). كما صرح رئيس بلدية غزة أن الكيان الغاصب دمر مبنى الأرشيف المركزي الذي يحتوي على الآلاف من الوثائق التاريخية التي تعود إلى أكثر من (150) عامًا، وفقا لما نشره موقع (خبرگزاری مهر بتاریخ ۲۹ نوفمبر۲۰۲۳م)، ودمر كذلك مركز «رشاد الشوا الثقافي» في مدينة غزة، والذي يعتبر أشهر المراكز الثقافية هناك، حيث تم إنشاؤه عام 1985م، واكتمل عام 1988م في حي الرمال، وكذلك دمر الاحتلال الصهيوني موقع البلاخية الأثري، وميناء غزة القديم (ميناء الأنثيدون الأثري) في شمال غرب مدينة غزة، والذي يعود بناؤه إلى (800) عام، والمدرج على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي ولائحة التراث الإسلامي. (صفحة وزارة الثقافة الفلسطينية على الفيس بوك بتاريخ 6/12/2023م) إلى جانب ذلك دمرت طائرات الكيان الصهيوني الحربية "بيت السقا" الأثري في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، والذي يعود تاريخ بنائه إلى (400) عام على مساحة كانت تبلغ (700) متر.
هذه الجرائم في حق الموروث الثقافي والتاريخي للفلسطينيين والذي يحمل قيمًا ومعالم أساسية للحفاظ على الهوية، لا تقل خطورة عن جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والتهجير القسري التي يقوم بها الصهاينة في الأراضي الفلسطينية المحتلة كافة، وتصب نتائجها في أهداف الاحتلال البغيض، ومحاولاته طمس الهوية الفلسطينية، وفرض واقع مزيف مليء بالأكاذيب والخرافات، ظنًّا منهم أن الأجيال اللاحقة ستنسى مع الوقت تاريخها وتؤمن بالواقع المزيف، ولكن هيهات لما يوعدون، فالأجيال اليوم في فلسطين والدول العربية والإسلامية، بل وحتى الغربية بعد حرب الثامن من أكتوبر، تدرك أكثر من أي وقت مضى، تاريخ القضية الفلسطينية.

وحدة رصد اللغة الفارسية

طباعة