| 25 أبريل 2019 م


فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر يكتب: الإسلام .. وقيمة العلم

  • | الخميس, 13 يوليه, 2017
فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر يكتب: الإسلام .. وقيمة العلم
فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب

من نعمةِ الله على المؤمنين بهذا الكتاب أن الباحث فيه عن شأن العلم وعلو رتبته لا يحتاج إلى أكثر من تدبُّر أولِ ما نزل من القُرآن، وهو قوله تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» )العلق: 1-5(، خمس آياتٍ قصيراتٍ فيها أمرٌ بالقراءةِ مَرَّتين، وفيها تنويه بشأنِ العِلْمِ والتعلُّم ثلاثَ مَرَّات، ثم فيها ذِكْرُ القَلَم الذى هو أداة العلم ووسيلته.. وفى هذا الاستهلال ما فيه من احتفاء الإسلام بقيمة العلم، والتنويه بمنزلته، والتذكير بخطرِه الشديد فى التمييز بين الحق والباطل والصواب والخطأ.

■ ■ ■

ومِمَّا يَعْجَبُ له المُتفطِّنُ لأمرِ العِلم فى القُرآنِ، أن يُبعث نبيٌّ أُميٌّ لا يَقرأ ولا يكتب، ولم يُمسك بالقلمِ طوال حياته لا تعلُّماً ولا تعليماً، وفى مجتمعٍ جاهليٍّ لا عهدَ له بالقراءةِ ولا الكتابة، ولا بالعلمِ ولا التعلُّم لا من قريبٍ أو بعيد-وتكون كلمة «اقرأ» هى الكلمةَ الإلهيَّة الأولى التى تطرُق سمعه الشَّريف، وتغمر أقطار عقله وقلبه، ثُمَّ يكون حديث العِلْم والتعلُّم هو الرسالةَ الأولى التى يقرعُ بها آذاناً صُماً وقلوباً عُمياً لا تدرى ما العلم ولا التعليم..

وإن تَعْجَبْ فَعجَبٌ أمرُ هذا الأُميِّ الذى يُؤمر بالقراءة وما هو منها بسبيل، فقد كان لا يقرأ خطاً ولا يكتبه بيده، كما يُقرِّر القُرآن الكريم فى قوله تعالى: «وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ» )العنكبوت: 48(، ووَجهُ الإعجاز فى هذه الآية هو إثبات عِلْمِه - صلى الله عليه وسلم - مع ثبوتِ أُميَّته، لأن العلمَ والأمية أشبه بنقيضين لا يجتمعان فى الواقع، إذ أحدهما ينفى الآخرَ لا محالة، بحكمِ الضَّرورة ومنطق العادة والمألوفِ المُشاهَدِ.

وقد ذكر الإمام البوصيرى السكندرى هذه المعجزة فى قصيدته البُردة، فقال مخاطباً رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:

كَفَاكَ بِالْعِلْمِ فى الأُمِّيِّ مُعْجِزَة فى الْجَاهِلِيَّةِ وَالتَّأْدِيبِ فى الْيُتُمِ

والمقصود بالعلم هو ما تضمنه القرآن من الحث على طلب الحكمة والمعرفة وما يحقِّق سعادة الدنيا والآخرة، ومن الإخبار بالأمور الغائبة، وبما فى الكتب المنزَّلة قبل القرآن، ومن أخبار الأنبياء السابقين وقصص القرون الغابرة، ثم الإخبار بالأمور المستقبلية والتى وقعت فى حياته صلى الله عليه وسلم، كما قال وعلى الوجه الذى أخبر به.

وقد حارت عقول قريش فى أمر هذا الأميِّ الَّذى عاشَ بين أظهرهم أربعين عاماً، لا يعرفون له رحلة واحدة فى طلب العلم عند الفُرس أو الرُّوم أو اليَهُود فى يَثْرِب، وفجأةً يطالعهم بكلامٍ منضبطٍ بالعلم، ومحكوم بالعقل، ولا يجدون من تعليلٍ لهذا العلم الذى يتدفق من فَمِ أميٍّ، غير مفتريات وأكاذيب يرمونه بها، فقالوا: إنه يتعلَّم من بعض نصارى الرُّوم الموجودين فى مكَّة، وكان حدَّاداً يعمل فى صناعة السيوف، وكان يقرأ من التوراة والإنجيل بلسانٍ غير اللِّسَان العربيِّ، وقد سخر القرآن من هذه الفرية، وتولى تفنيدها بصورةِ معجزةٍ فى قوله تعالى فى سورة النحل: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ» )النحل: 103(، ومعنى الآية باختصار: كيف يقولون ذلك، واللُّغة التى يقرأ بها هذا الحدَّاد لُغة أعجميَّة، بينما لسان محمد صلى الله عليه وسلم لسانٌ عربيٌّ مبينٌ؟!

وَنُلاحِظ أنَّ تفنيدَ القُرآن لهذا الاتِّهام لا يَتَّسِق ولا يتمُّ إلَّا إذا أقررنا بمُسَلَّمة تاريخية هى أنَّ التوراةَ والإنجيل لم يُترجَم أيٌّ منهما إلى اللُّغةِ العربيَّة فى ذلكم الوقت، وهذه المُسَلَّمة تُشَكِّل حَجَر الزَّاوية فى استدلالِ القرآن على بطلان هذا الافتراء.. لأنه، لو افترضنا وجود ترجمة عربيَّة لهذين الكتابين الإلهيين فى شبه جزيرة العرب فى عصر محمد صلى الله عليه وسلم. فسوف ينهار الاستدلال من الأساس، ويتمكَّن المشركون من قلب حُجَّة النبى صلى الله عليه وسلم رأساً على عقب، ولكان لهم أن يقولوا له إنك تنقل عن رومى يقرأ هذه الكتب فى ترجمةٍ عربيَّةٍ وليس من نصٍّ أعجميٍّ، فلا حُجَّة لك فيما تقول..

ولكم أن تتأمَّلُوا الثِّقة المُطلَقَة التى كانت تملأ جوانحه صلى الله عليه وسلم وهو يواجه القوم ويتحداهم بأن تكون اللُّغة العربية قد عرفت ترجمة عربيَّة لهذين الكتابين فى ذلكم الوقت.

ولم يكد ينتصف القرن العشرون بأبحاثه العربيَّة المتعمقة فى تاريخ الأديان، حتى قرر العلماء الغربيون المختصَّون أنَّ أوَّلَ ترجمة عربية للتوراة والإنجيل ظهرت بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم بمائتى عام على أقل تقدير، فكيف علم هذا النبى الأمى علم اليقين هذه المُسَلَّمة التى أثبتتها أبحاث فى القرن العشرين؟! بل كيف واجههم بأمرٍ كهذا يتطلب إثباته مسحاً شاملاً لكل ما هو مكتوب باللغة العربية فى جزيرة العرب، وبخاصةٍ ما هو موجود منها فى الأديرة والمعابد فى بلاد الشام لو لم يكن هذا الذى يقوله هذا النبى وحياً من الله الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء!.

لقد كان من المتوقَّع أنْ تجىء الآيات الأولى من القُرآنِ الكَريم مُوقِظَةً لفطرةِ الإيمان باللهِ تعالى إذ هو أصل الأصول فى الأديان، بل الأصل الذى لا يثبت فى غيابه أصل آخر، لكن وجدنا القرآن يبدأ رسالته للناس بقرع أجراس العلم والمعرفة فى آذانهم وعقولهم أوَّلاً، ليتنبَّهوا - بعد ذلك-إلى أنَّ أمرَ العقيدة فى الإسلام إنَّما يتأسَّس فى المقام الأوَّل على «العِلْمِ» والنظر العقلى، وليس على «التسليم القلبى» الخالى من حُجَجِ العقل واستدلالاته.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
5.0

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.







حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg