| 18 يونيو 2019 م


مقالات جريدة صوت الأزهر

هيثم أبوزيد.. يكتب: الرازى.. صاحب المفاتيح

  • 16 مايو 2019
هيثم أبوزيد.. يكتب: الرازى.. صاحب المفاتيح

انتصف القرن السادس الهجرى، لكن المعركة بين الأشعرية والمعتزلة مازالت تلقى بظلالها على الحياة الفكرية فى ربوع العالم الإسلامى، فكان لها الأثر الأكبر على تفسير «مفاتيح الغيب» لمحمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن على التيمى البكرى الرازى الطبرستانى.. و«الرازى» نسبة إلى مدينة الرى التى تقع قريبا من العاصمة الإيرانية طهران، وهى نسبة سماعية على غير قياس.

يكاد تفسير الرازى أن يكون كله مواجهة لأفكار المعتزلة وأصحاب الاتجاهات الفلسفية، ينتصر فيه صاحبه لموقف أبى حامد الغزالى، ومبادئ العقيدة الأشعرية، وفى سبيل هذه المواجهة حوى التفسير ألوانا من الردود لنصرة ما يعتبره المؤلف «طريقة القرآن» على الفلاسفة وأصحاب الرأى، موظفا درايته الكبيرة فى علم الكلام، وقوته فى علوم الحديث والعربية، فأكثر من الجدل والمناظرة إلى درجة دفعت بعض العلماء أن يقولوا إن كتاب مفاتيح الغيب ضم كل أصناف العلوم إلا التفسير، بينما قال عنه ابن خلكان «جمع فيه كل غريب وغريبة».

كان الرازى يرى أن أفكار المعتزلة ساهمت فى تعطيل إدراك الفهم الصحيح للقرآن، وأقامت حجبا كثيفة بين المسلمين ومعرفة مراد الله وحكمته المبثوثة فى الآيات والسور، وكان يرى أن انشغال أصحاب الاعتزال بتحقيق أعاريب القرآن، ونكته البلاغية، والإفراط فى التعامل النظرى مع النص القرآنى يقوم حائلا بينهم وبين الغوص العميق فى المعانى القرآنية، والنهل من معينها الفياض.

وعن منهج الرازى فى تفسيره، يقول مفتى تونس محمد الفاضل بن عاشور: «كانت الطريقة المثلى فى نظره لإدراك ما فى القرآن من أسرار حكيمة، وبث ما تضمنه من مطالب فلسفية وعلوم طبيعية إنما هى طريقته الكلامية المختارة، المتبعة لمنهج الغزالى، وإمام الحرمين، وأبى إسحاق الإسفرايينى، والإمام أبى الحسن الأشعرى..»..

وكان لكلام الرازى بشأن التفسير والمعتزلة دوى كبيرا، وانقسم الناس حول آرائه بين مؤيد ومعارض، فانبرى بنفسه يرد على المعترضين، ويبرهن على نظريته، ويقيم عليها الدلائل، ويضرب لها الأمثال، مؤكدا أن طريقة المعتزلة تحول بين الناس وبين فهم القرآن، وبالغ فى جداله كثيرا، حتى قال ذات يوم إن المسلمين يمكن أن يستخلصوا من سورة الفاتحة عشرة آلاف مسألة، فلما زاد تعجب الناس من كلامه، وزاد لجاجهم وجدلهم، قرر صاحب المفاتيح أن يبرهن عمليا على دعواه، فأقدم على وضع كتاب فى تفسير فاتحة الكتاب، وصدره بمقدمات تبين منهجه، وتؤكد أنه يمكن استخلاص المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة.

وللتمثيل على منهجه، نسوق ما قرره عند قوله تعالى فى سورة الفاتحة «رب العالمين»، حيث قال: «اعلم أن قوله: {رَبّ} مضاف وقوله: {العالمين} مضاف إليه، وإضافة الشىء إلى الشىء تمتنع معرفتها إلا بعد حصول العلم بالمتضايفين، فمن المحال حصول العلم بكونه تعالى ربا للعالمين إلا بعد معرفة رب والعالمين، ثم إن العالمين عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، وهى على ثلاثة أقسام: المتحيزات، والمفارقات، والصفات... ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له، وثبت بالدليل أنه تعالى قادر على جميع الممكنات، فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم، بحيث يكون كل واحد من تلك العوالم أعظم وأجسم من هذا العالم، ويحصل فى كل واحد منها مثل ما حصل فى هذا العالم من العرش والكرسى والسماوات والأرضين والشمس والقمر، ودلائل الفلاسفة فى إثبات أن العالم واحد دلائل ضعيفة ركيكة مبنية على مقدمات واهية..».

ويواصل الرازى: «معلوم أن البحث عن هذه الأقسام التى ذكرناها للمتحيزات مشتمل على ألوف ألوف من المسائل، بل الإنسان لو ترك الكل وأراد أن يحيط علمه بعجائب المعادن المتولدة فى أرحام الجبال من الفلزات والأحجار الصافية وأنواع الكباريت والزرانيخ والأملاح، وأن يعرف عجائب أحوال النبات مع ما فيها من الأزهار والأنوار والثمار، وعجائب أقسام الحيوانات من البهائم والوحوش والطيور والحشرات لنفد عمره فى أقل القليل من هذه المطالب، ولا ينتهى إلى غورها... وهى بأسرها وأجمعها داخلة تحت قوله: {رَبّ العالمين}».

ولا ريب أن طريقة الرازى تحمل كثيرا من التكلف، وفى المثال المذكور آنفا نرى أن اللفظ قد استغرقه تماما، فالصلة بين ما أورده وبين عبارة «رب العالمين» لا تعدوا أن تكون صلة لفظية، فهو يتحدث عن العوالم المختلفة، بمناسبة لفظة «العالمين»، فهو أشبه بمن يحدثك بكلام طويل عن أحكام الزكاة، وقوانين الضرائب، وسياسات النقد لأنك ذكرت أمامه فى حديثك لفظة «المال».

يلقى تفسير مفاتيح الغيب حفاوة كبيرة من العلماء، وخطباء المساجد، لما يحويه من مادة ثرية، وفى المقابل، تواجهه التيارات السلفية، ومشايخ الوهابية بالصد والإعراض، باعتبار أن الرازى أشعرى العقيدة، وأنه خالف أهل السنة فى مسائل اعتقادية متعددة، وكالعادة، يبنى الوهابيون موقفهم على ما قرره لهم ابن تيمية، الذى تصدى للرازى بالنقد والرد فى كتابه «بيان تلبيس الجهمية».

أما ابن حجر العسقلانى، فأخذ على الرازى توسعه فى إيراد شبهة الخصم، مع تقاصره فى الرد عليها، فقال فى «لسان الميزان»: وكان يعاب بإيراد الشبهة الشديدة، ويقصر فى حلها، حتى قال بعض المغاربة: يورد الشبهة نقدا ويحلها نسيئة.. وقال أيضاً: «يورد شبهات المخالفين فى المذهب والدين على غاية ما يكون من التحقيق، ثم يورد مذهب أهل السنة على غاية من الوهاء».

طباعة

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.







حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg