| 18 يونيو 2019 م


مقالات جريدة صوت الأزهر

محمد مصطفى أبوشامة.. يكتب: إفساد الذوق العام

  • 19 مايو 2019
محمد مصطفى أبوشامة.. يكتب: إفساد الذوق العام

 

يبدو أن صناع المحتوى فى مصر لا يدركون خصوصية شهر رمضان، ولا يعيشون معنا بركات وأجواء المشاعر الروحية الطاهرة التى تخيم على حياتنا خلال الشهر الفضيل، أو كأنهم يعيشون فى «كوكب تانى»، كما تقول الأغنية التى أشتهرت فى ثمانينات القرن الماضى للمغنى المعروف مدحت صالح، أقول ذلك وقلبى حزين على ما وصل إليه حال المحتوى الفنى والثقافى والإعلامى والإعلانى فى بلادى، والذى تجاوز مرحلة «الحضيض»، ووصل إلى «أسفل سافلين».

أتابع وكثيرون من المهتمين بالشأن العام، حالة استياء ونفور جماهيرى غير مسبوقة من معظم ما يذاع عبر شاشات الفضائيات المصرية «والعربية الموجهة إلى مصر» هذا العام، وخص الحجم الأكبر من الاستياء «دراما رمضان»، والتى كالعادة يتخللها حشو إعلانى مزعج تضخمت مساحاته هذا العام بصورة جعلت له الغلبة فى المشاهدة بفضل التكرار والالحاح، فكانت رسائله أكثر تأثيراً على الجمهور من الدراما التى أصبحت «ثوانى تائهة بين دقائق صاخبة».  

وللأسف حتى هذا القليل التائه من الدراما، فسدت طبخته هذا العام، بسبب التخبط الذى لازم كواليس هذه الصناعة المهمة والمؤثرة فى تشكيل الوعى والوجدان الجمعى للمجتمع، فظهرت معظم الأعمال تحمل قدراً من التفاهة والسذاجة والابتذال، خرجت غير مكتملة بسبب التعجل وضغط الميزانيات، وقائمة التوجيهات التى فُرضت على صناع هذه الأعمال.

وقد بلغ متوسط حجم الإنفاق على الدراما خاصة فى الأعوام الأخيرة إلى 2 مليار جنيه، ذلك وفق أرقام غير موثقة (لكنها متواترة على المواقع والألسنة)، وبلغ حجم ما تنفقه الشركات المعلنة، كان يقترب من هذا الرقم قبل أن يتقلص تدريجياً منذ عام 2016 بعد تعويم الجنيه والضغوط الاقتصادية التى تعانى منها معظم الشركات الاستثمارية فى مصر، وفى كل الأحوال فنحن أمام رقم كبير فى دولة تعانى فقراً واضحاً، فهل من المنطقى أن تصرف هذه الأموال بهذا السفه؟ وأن يكون المنتج النهائى بهذا السوء؟

إن عملية إفساد الذوق العام فى مصر تجرى بشكل منظم منذ سنوات، والأذرع كثيرة التى تدعم تنفيذ هذه العملية المدمرة للشخصية المصرية، وهى لا تكتفى بما نشاهده فى رمضان، بل الكارثة ممتدة طوال العام فى جميع مناحى الفنون والإعلام والثقافة، وإن كانت كثافتها تتزايد فى رمضان ببرامج ومسلسلات وإعلانات، تتضافر فيها الجهود لتحقيق الغرض الدنىء، وإلا ما معنى أن يتضمن تتر أشهر برنامج رمضانى، هو للأسف الأكثر مشاهدة، كلمات «يرددها أطفال مصر من الإسكندرية إلى أسوان» منها: «أهلا بيك.. جت رجليك.. مستنيك.. يغدر بيك.. ويعبيك فى شوال»، وتعكس أغنية التتر طبيعة المحتوى الفاسد الذى يقدمه ما يسمى ببرنامج «المقالب»، والذى تتخلله إعلانات على شاكلة «هالله هالله على الفانلة»، بما يحمله من إيحاءات متدنية، وغيره من إعلانات «الملابس الداخلية» التى احتار المحللون ليعرفوا سر زيادتها فى رمضان، تقدم هذه الجرعة أثناء تناول الصائمين وجبة إفطارهم، ويقبل الأطفال بحماس على مشاهدة هذا العبث، وإذا حاولت الهرب منه ستتلقفك مسلسلات أكثر بلاهة وأخطر على وعى الأطفال والكبار. المؤسف أن المجلس الأعلى للإعلام يقف مكتوف الأيدى أمام هذا الطوفان من المحتوى الردىء والذى تخطى كل الحدود والضوابط.

جعلنى هذا الحصار الفاسد، لا أندهش وأنا أقرأ على ظهر ميكروباص فى أحد الأحياء الراقية  العبارة التالية: «بكرة تيجى لى ملط.. وأقولك بطلت»، وتساءلت فى نفسى: لماذا لا يحاسب هذا السائق (وغيره) على عبارته الخادشة مثلما يحاسب رواد السوشيال ميديا حال تجاوزهم للمسموح به نشره عبر حساباتهم الشخصية؟ أليست المخالفة واحدة، أما أن سائقى الميكروباص فوق القانون؟

بالطبع أقف ضد أى كبت للحرية أو فرض مزيد من القيود على الإبداع، ولكن ما وصلنا إليه من فساد فى الذوق العام، يجعلنى أدق ناقوس الخطر أمام المجتمع «قادته وجماهيره» لنتحرك جميعاً ونحمى الوطن من هذا الفساد ونوقف فوراً عملية الإفساد المستمرة، من خلال وضع خطط وضوابط مجتمعية ترتقى بالذوق العام.

وكل عام وأنتم بخير، رمضان كريم.

طباعة
كلمات دالة:

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.







حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg