| 20 سبتمبر 2019 م


مقالات جريدة صوت الأزهر

قمة تجنُّب الحرب

  • 23 مايو 2019
قمة تجنُّب الحرب


لا تحتاج الحرب مقدمات كثيرة لتدور ماكيناتها، وتبدأ فى حصد الأرواح، وتدمير الممتلكات، وإلحاق الخسائر، مادامت النوايا قائمة والتوتر قائداً.

الحرب العالمية الأولى أشعلتها رصاصة انطلقت من مسدس الصربى جافريلو برينسيب، أحد أعضاء جمعية سرية صربية قومية متعصِّبة، لتُرْدِى ولى عهد الإمبراطورية النمساوية فرانز فرديناند.

كان يمكن لتلك الرصاصة أن تكتفى بقتل المجنى عليه وعقاب الجانى ومن حرَّضوه وساعدوه، إذا ما تم النظر للأمر باعتباره جريمة محددة من جُناة محددين، لولا أن أجواء الحرب كانت قائمة: الانقسام والتربُّص والتوتر والنعرات القومية كانت على أشدِّها فى القارة العجوز التى احتاجت لملايين القتلى وملايين المآسى ليس داخل حدودها فحسب وإنما فى العالم كله، لتتعلم قيمة التعايش واحترام التنوع والتكامل فى تحقيق النماء والازدهار للشعوب، وكفِّ الأيدى عن التدخُّل فى شئون الغير لزعزعة استقرار، أو لتأليب طوائف أو جماعات، أو دعم توتر وانقسام.

فى منطقتنا الزاخرة بالتنوُّع والعاجزة عن إدارته، ظلت الشرارات حاضرة والحروب الصغيرة قبل الكبيرة تَكْوى جسد الأمة وتمزِّقه قطعة بعد قطعةً، بعضها كُتِبَ على تلك الأمة وهو كُرْه لها، وبعضها انطلق خلف رصاصة أو شرارة ليوسع الأثر، ويزيد مساحات الألم، ويفتح أمامه الخرائط والحدود، ليغزو وينتشر ويسود.

استوعبت القوى العربية الرئيسة الدرس، وامتصَّت الصدمات واحدة وراء أخرى، وحاصرت الشرارات قبل أن تصير حرائق حتى فى زمن الانكشاف العربى والحروب بالوكالة، وظلت طوال الوقت محتفظة بحدٍّ أدنى من مفهوم الأمن وبخطوط حمراء ليس من السهل تجاوزها.

.. لذلك فعندما تدعو المملكة العربية السعودية إلى قمة عربية طارئة فى مكة المكرمة، لا يمكن النظر إلى هذه الدعوة بوصفها «قمة حرب» كما توحى معالجات بعض المنصَّات، بقدر ما هى «قمة تجنُّب الحرب»، وهى سياسة ثابتة تبنتها كل التكوينات العربية سواء فى مجلس التعاون الخليجى أو الجامعة العربية، أو المجالس العربية المشتركة، وخصوصاً بين مصر والخليج طوال عقود فى مواجهة كثير من الحماقات، حيث ظل الُمحدِّد الرئيس فى السياسة الأمنية «تجنُّب الحرب» والتعامل مع أى استفزاز أياً كان حجمه فى إطار سياسى يضمن احتواء أثره وحرمانه من أهدافه.

على الرغم من الطبول التى تُدق للحرب من واشنطن حتى طهران، والتجهيزات والتحركات والأساطيل التى تعيد انتشارها، يبقى الهدف الرئيس من قمة مكة البحث عن منظومة أمن إقليمى جديدة تضمن على الأقل ألا تتكرر عمليات استهداف حقول النفط أو السفن فى الخليج العربى، وتعيد النظر فى التغلغل الأمنى فى المنطقة، وتضع حداً للحروب بالوكالة فى المنطقة، وتضمن علاقات طبيعية بين دول المنطقة، فيها حسن الجوار، والاحترام الكامل لسيادة الدول، والنأى عن التدخل فى شئون الغير، وتغليب الحلول السياسية ولغة الحوار لحسم أى خلافات.

تحتاج المنطقة إلى منظومة أمن إقليمية جديدة يضطلع فيها العرب بمهامهم، وتتحمل فيها الأطراف الأخرى مسئولياتها لضمان استقرار المنطقة، واحترام التنوع، ووقف اللعب بورقة الطائفية.

الحرب ليست حلاً.. فما خلَّفته الحروب فى المنطقة من مشكلات أصعب وأكثر وأعقد مما كان قبلها، الحل فى ترتيب البيت العربى، واستعادة حدود التضامن، ورأب الصُّدوع فى المجتمعات الممزَّقة، وإيجاد حلول سياسية للشعوب الواقعة فى دوامات الصراع الطائفى أو السياسى أو المذهبى، وإنهاء زمن الميليشيات، وقطع كل الشرايين التى تسمح لها بالحياة، ومواصلة الضغط السياسى والاقتصادى على الأطراف التى تعبث بالنار وتجتهد فى توسيع نطاقها وإضرامها فى كل ركن من البيت العربى، وتوسيع مساحة هذا الضغط بضم أطراف جديدة فاعلة، ومع ذلك وفى أثنائه الجاهزية لأى احتمالات أخرى.

أحمد الصاوي 
*رئيس تحرير جريدة صوت الأزهر

طباعة
كلمات دالة:

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.







حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg