| 14 ديسمبر 2018 م

يوم الدين.. حين يتساوى الخلق في يوم العرض

  • | الأربعاء, 26 سبتمبر, 2018
يوم الدين.. حين يتساوى الخلق في يوم العرض

«يوم الدين كلنا هنبقى متساويين، ومحدش هيبص لشكلنا».. ربما كانت تلك الجملة هى أصل رسالة فيلم يوم الدين وسبب تسميته بهذا الاسم، وتأتى منسجمة تماماً مع إحساس بطله مريض الجزام بأنه منبوذ بسبب شكله ومرضه.

قالها راضى جمال بطل الفيلم وأحد قاطنى «مستعمرة مرضى الجذام»: «حياتى اتغيرت بعد الفيلم، شفت حاجات كتير ماكنتش أعرفها، وناس وأماكن جديدة على، بعد كده هارجع لحياتى البسيطة مرة تانى فى حجرتى بمستعمرة الجذام بالقاهرة أبيع شاى وقهوة وساقع، ولو جاءت لى عروض تمثيل سأمثل، وأريد التأكيد على أن الجذام ليس معديا».

وأضاف المخرج سألنى إذا كان الأمر سيكون محرجاً بالنسبة لى أو سيضايقنى، فقلت له «لأ، أزعل ليه حاجة فيها فلوس ومفيهاش حاجة وحشة»، ووافقت حتى يتعرف الناس على حقيقة المرض، ويتأكدون أن من الممكن الشفاء منه، ولكنه قد يترك بعض الأثر على جسد المتعافى، وهذا لا يعنى أن وقتها سيكون الأمر «معدى»، هناك أشخاص تزوجوا وأنجبوا أطفالاً غير مصابين بالمرض، ويحيون حياة طبيعية تماماً، أصبحوا أطباء ومهندسين.

الفيلم اختارته اللجنة المكلفة باختيار الفيلم المصرى المنافس على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية، وجاء اختيار الفيلم الذى شارك بالمسابقة الرسمية لمهرجان «كان» الفرنسى فى دورته الأخيرة، وحصل على جائزة «فرانسوا شاليه» لعام 2018، كما حصد عنه جائزة «أفضل موهبة عربية» فى الشرق الأوسط من مهرجان الجونة السينمائى، قدمتها مجلة «فارايتى»، خلال فعاليات الدورة الثانية للمهرجان.

لم تكن رغبة المخرج أبوبكر شوقى استدرار تعاطف المشاهدين مع شخصيات فيلمه فلم يظهرهم على أنهم شخصيات سلبية أو ضعيفة تتعرض للظلم على مدار رحلتها وتبقى دائماً فى موقع رد الفعل دون فعل، فنلاحظ على سبيل المثال أن بشاى بعد لحظة معينة فى حياته يقرر أن يغير مسارها، ويخرج من المستعمرة التى لا يعرف غيرها منذ أن كان طفلاً صغيراً وينطلق عبر طرق لا يعرفها ليقابل أناساً لأول مرة لكى يصل إلى أهله ويعرف أصله حتى يضمن أنه عند موته سيجد من يحزن لفراقه ويقف على قبره مثلما حدث لإرينى زوجته عندما أتت والدتها بعد موتها ودفنها نادمة على أنها لم تزرها فى حياتها ليتذكر موقف والده معه ووعده له بأن يعود إليه مرة أخرى. ذلك الوعد الذى لم يف به، بل ويتحمل بشاى مصاعب الرحلة البدنية والنفسية والمادية على أمل الوصول.

رفض بشاى أن يظل وحيداً معزولاً ينتظر الموت فقرر المخاطرة، حتى تراجعه عن قراره وإعلانه لأوباما عن رغبته فى العودة إلى المستعمرة ما هو إلا لحظة من لحظات الضعف الإنسانى التى يمر بها البشر جميعاً، فكلنا تأتى علينا لحظات نشك فى قراراتنا واختياراتنا وربما نتراجع ولكن ما يُعيدنا إلى المسار مرة أخرى هو مدى رغبتنا وتمسكنا بالهدف الذى نسعى إليه.

أما الطفل «محمد أوباما» فقد نجح شوقى فى رسم شخصيته بقدر كبير من الاختلاف عن طبيعة شخصية الطفل اليتيم النمطية، فهو لا يثير الشفقة على الإطلاق بل على العكس تماماً، فكان مصدر السعادة والبهجة والأمل على مدار أحداث الفيلم، يستمد من ملامح مرحلة الطفولة المغامرة وحب الاستكشاف والتعَرف ويستمد من ملامح مرحلة الرجولة التى جبرته ظروفه على أن يعيشها مُبكراً الجرأة فى اتخاذ القرارات والإقدام وتحمل المسئولية، فهو من ذهب ليبحث عن منزل عائلة بشاى وهو من قابل شقيقه ببساطة، هو من دعمه بل وساعده فى العثور على عائلته.

لم تقتصر رحلة شوقى الإنسانية على الفيلم وأحداثه ولكن يُحسب له استعانته براضى جمال مريض الجذام المتعافى لأداء دور البطولة فى الفيلم، فبعد تعَرف المخرج على مستعمرة الجذام وتقديمه لفيلم تخرجه فى المعهد العالى للسينما بمصر عنهم وعن المستعمرة فى فيلم قصير يحمل نفس الاسم «المستعمرة» عام 2009، قرر شوقى أن يكون مشروعه الطويل عن هؤلاء الناس، عن حيواتهم ومعاناتهم من عدم تقبل المجتمع لهم ولكنه قرر أيضاً أن يكون الفيلم بهم وليس فقط عنهم، فاستعان بجمال كبطل للفيلم وكأنه يبعث برسالة مفادها ضرورة النظر إلى هؤلاء المرضى وضرورة تفهمهم وتفهم طبيعة مرضهم، ضرورة دمج المتعافين منهم فى المجتمع ومعاملتهم معاملة آدمية، فهم فى النهاية لهم قلوب تنبض مثل باقى البشر، لا ينتقص مرضهم منهم شيئا ولا يعيبهم، كما يُحسب للفيلم أيضاً بعده عن الحكايات والأفكار التقليدية المستهلكة التى بتنا نراها وتقريباً لا نرى سواها على شاشة السينما سواء تلك التى تدور فى قالب رومانسى أو كوميدى أو الاثنين معاً فى إطار الأكشن والمغامرات.

وليد عبد الفتاح

طباعة
الأبواب: كلام يهمنا
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.

x







حقوق الملكية 2018 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg