| 19 أغسطس 2019 م

أحمد الصاوي.. يكتب:  الأزهر والأقباط.. والمدلسون

  • | السبت, 5 يناير, 2019
أحمد الصاوي.. يكتب:  الأزهر والأقباط.. والمدلسون
أحمد الصاوي .. رئيس تحرير جريدة صوت الأزهر

لا أعرف إن كان الدكتور جابر عصفور يقرأ هذه الجريدة أم لا.. ربما تعتقد أنه من المفترض على المثقف الكبير الذى يبدو فى حواراته وأحاديثه التى يتناول فيها الأزهر بالنقد، كالعالم بكل بواطن الأمور أن يقرأ كل ما يصدر عن هذه المؤسسة، على الأقل حتى يدعم انتقاداته, ويجدد معلوماته ولو من باب الاجتهاد مع قارئه.

لكن للأسف الشديد الدكتور جابر عصفور لا يقرأ وربما لا يتابع الأخبار الرائجة أيضاً، لأنه لو كان يفعل ما كان قد نسب للأزهر الشريف فى حواراته الأخيرة أنه يُعلِّم طلابه أن «المسلم لا يؤاخذ بدم غير المسلم».

يمكنه فقط أن ينفذ بـ «ضغطة زر» على بوابة الأزهر أو موقع هذه الجريدة ليقرأ فتوى واضحة فى هذا الصدد تحسم أى جدل، ولو طالع التراث القانونى المصرى لوجد أن مصر لم تعان طوال 500 عام على الأقل من التمييز بين المسلم والقبطى فى جرائم القتل.

وعلى سبيل المثال.. ما الذى فعلته المحكمة مع قاتل القمص سمعان؟

الإجابة أن المحكمة نظرت أوراق القضية وأصدرت حكماً بالإعدام أيده فضيلة المفتى، وينتظر التنفيذ، وحسب إحصاء للزميل الصحفى نادر شكرى، فإن 9 أحكام بالإعدام صدرت فى عامى 2017 و2018 ضد مدانين بقتل أقباط، تم تنفيذ 3 منها، والباقى ينتظر إجراءات النقض والتأييد.

قانون العقوبات إذن هو الذى يتم تطبيقه، لا أقوال الفقهاء السابقين ولا اجتهادات المجتهدين، وقانون العقوبات ينظر للجريمة ولا ينظر لديانة الجانى ولا المجنى عليه.

هل معنى ذلك أن القانون، أحكامه غير مستمدة من الشريعة الإسلامية؟

على العكس من ذلك تماماً، كل أحكام الشريعة الإسلامية - الثابتة والمستقرة والمتوافقة - مع النصوص الكريمة فى القرآن الكريم تحمى النفس البشرية، ولا تسمح بإزهاق أرواح الناس بغير نفس وفى غير موضع حرب أو قصاص يتولاه القضاة والقانون، ولا تفرق فى ذلك بين مسلم وغير مسلم، وتُوجب القصاص من أى قاتل متعمد لأى مجنى عليه غير محارب مهما كانت ديانته.

هذا ما أفهمه، وما استقر عليه الأمر فى مصر طوال قرون طويلة، من حسم واضح ومباشر لجدل فقهى دار فى زمان مضى، ليس على جُرم القتل وإنما على عقوبته، فذهب البعض لوجوب القصاص، والبعض الآخر لتغليظ الدية، وفهم منه البعض أنه لا يجوز القصاص من مسلم قَتَل «غير مسلم»، فيما استقر الفهم لقرون طويله أن الأصل القصاص، وأن النص الواضح «من قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً»، تحدث عن الناس، كل الناس، ولم يميز بين الناس حسب اعتقادهم أو دياناتهم.

وأياً كان هذا الجدل الفقهى أو الخلاف فى التقدير الذى كان قائماً، فإنه من غير المفهوم إثارة قضية كتلك فى وضع مستقر لنحو 500 عام، تبنت فيه مصر وأزهرها ومشايخها المعتبرون المعتمدون مبدأ عدم التمييز، وتساوى المواطنون أمام القانون بغض النظر عن دياناتهم.

إذا كان الدكتور جابر والذين معه يريدون التجديد وتنقية التراث وما إلى ذلك من عناوين؟ أليس ما فعله الأزهر واستقر تجديداً وتنقية؟ وما الداعى لطرح قضية «محسومة» إلا البحث عن عناوين مرتبطة بالأقباط تعطى الطرح سخونة وتثير فتنة يتغذى عليها كل مرتزق؟!.

ووسط مناخ الاصطياد يذهب البعض للإشارة إلى قضية مقتل رئيس الوزراء المصرى الأسبق بطرس باشا غالى فى العام 1910، والتى نال فيها المتهم إبراهيم الوردانى حكم الإعدام، وقيل إن مفتى الديار المصرية وقتها الشيخ بكرى الصدفى رفض إعدامه لأسباب شرعية تستند إلى عدم جواز القصاص من مسلم فى غير مسلم.

لكن طرح هذا الأمر بهذا الاقتطاع من سياق أوسع وأعم يمثل تدليساً مقصوداً وفاضحاً، لأن قضية مقتل «بطرس غالى» كانت قضية وطنية وليست طائفية، فلم يقدم الوردانى على قتله لأنه رئيس وزراء مسيحى، وإنما لأنه الرجل الذى ارتبط اسمه بمذبحة دنشواى وموالاة الإنجليز ومعاهدة السودان وتمديد امتياز قناة السويس وغيرها من المواقف التى جعلته وقتها وفى أذهان طلاب الحركة الوطنية «خائن».

وبالتالى كان قتله - رغم عدم إقرارى به، وبمعايير هذه الفترة - «فعلاً وطنياً»، وكانت محاولة المفتى لإنقاذه من الإعدام يحركها شعور وطنى وليس دينى، تشارك فيها المسلمون والأقباط، ومع ذلك جرى تطبيق القانون على الوردانى وتم إعدامه، وتحول لأيقونة وطنية تجلت فى غناء المصريين له يوم أن حُدد إعدامه: «قولوا لعين الشمس ما تحماشى.. لأحسن غزال البر صابح ماشى»، وقبل ذلك التنفيذ بقرون وبعده يُطبق القانون فى مصر على كل قاتل أياً كان دينه وأياً كان دين القتيل، ويؤيد الأزهر ومؤسساته وهيئاته ودار الإفتاء المصرية هذا النهج تأييداً لا لبس فيه.

فإذا افترضنا أن كل منتفضٍ أو منتقدٍ غير متربص يسعى لتغيير أمر يراه «معوجاً» فما الذى يسعى إليه من يفتحون ملفاً محسوماً تماماً بكل وسائل الحسم القانونية والشرعية والإنسانية؟

هذه الجريدة تحديداً - على الأقل - خلال 18 شهراً قضيتها فيها شاهدة على ما قدمه الأزهر وإمامه الأكبر من تجديد فى ملف الأقباط تحديداً فى مناهجه ومواقفه بما يضمن ترسيخ التعايش والمواطنة الكاملة والمحبة الصافية المرتكزة على الفعل لا القول.

وبمناسبة احتفالنا جميعاً - مسلمين ومسيحيين - بميلاد السيد المسيح، نضع أمام كل من يريد أن يقرأ بعضاً من كشف حساب هذا التجديد وهذا الفهم لعله يحسم شيئاً فى عقول تسعى للحقيقة ولم تشقها أمراض التربص والتدليس على الرأى العام واحتراف ذلك إلى درجة أن من حاولوا إقناع الناس بالأمس أن القذافى مفكر وحاكم رشيد، يريدون إيهامهم اليوم بأن «الإمام الطيب» متشدد ومتحجر..!

 

رئيس التحرير

أحمد الصاوى

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg