| 27 يونيو 2019 م

الأزهر.. وحرية الإبداع الفنى؟

  • | الثلاثاء, 28 مايو, 2019
الأزهر.. وحرية الإبداع الفنى؟

وثيقة الحريات الأساسية أكدت: الآداب والفنون تستهدف تنمية الوعى.. وتنشيط الخيال.. وترقية الإحساس الجمالى.. وتثقيف الحواس الإنسانية.. وتعميق خبرة الإنسان بالحياة والمجتمع

لم يكن الأزهر الشريف منذ نشأته معادياً للفنون الهادفة وجميع جوانب الإبداع؛ بل كان داعماً ومسانداً لها بقوةٍ، وكان من ضمن وثائقه التاريخية وثيقة منظومة الحريات الأساسية، التى رسخت لحريات العقيدة، والبحث العلمى، والرأى والتعبير، والإبداع الأدبى والفنى.

ويؤكد إصرار الأزهر الشريف على إصدار وثيقة تضمن الحريات الأساسية، ومن بينها حرية الإبداع الأدبى والفنى، فى وقتٍ كان الجميع يبحث فيه عن تحقيق مكاسب خاصة، إلا أن هذه المؤسسة العريقة كانت وما تزال - وستظل بإذن الله - منبع الوسطية، ومصدر الأمان للأمة، والمنارة التى يهتدى بأنوارها الحائرون، وملتقى العلماء والمفكرين والمثقفين والأدباء والمبدعين والفنانين، وأنها لم تحجر يوماً على فكرٍ، أو تصادر رأياً، أو تقف حجر عثرة أمام إبداع هادف يرنو القائمون عليه إلى نفع المجتمع وإبراز صور الجمال والخير فيه.

أصول مقبولة

وفيما يتعلق بالأسباب التى دعت الأزهر الشريف، إلى إصدار وثائقه التاريخية؛ فقد أعرض هذا المعهد العريق عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، عن الجدال الذى زخرت به الساحة، ومله المواطنون، ودعا كوكبة من المثقفين المصريين الذين يمثلون أطياف الجماعة الوطنية، من الناحية الفكرية، ليعكفوا مع مجموعة من علماء الأزهر البارزين على دراسة الموقف، ومتابعة تطورات الثورة واحتياجاتها، ويلتقوا على أصول مقبولة شرعاً، ومتفق عليها لدى هؤلاء المفكرين، وتتجاوب مع متطلبات الوضع المصرى، وربما تصلح نموذجاً تحتذيه بعض المجتمعات الإسلامية على حسب إرادتها وظروفها الموضوعية.

وكان من ثمرة هذه الجهود العلمية والفكرية المشتركة، والحوارات المتعمقة والمستمرة على مدى عدة أشهر صدور 5 وثائق، أولها: وثيقة النظام الأساسى للدولة أو «وثيقة مستقبل مصر»، وثانيها: وثيقة منظومة الحريات الأساسية، وثالثها: وثيقة دعم إرادة الشعوب العربية، ورابعها: وثيقة استكمال أهداف الثورة، وخامسها: وثيقة القدس الشريف».

وجاءت وثيقة النظام الأساسى للدولة؛ فى أربع بنود، أولها: حرية العقيدة، وثانيها: حرية البحث العلمى، وثالثها: حرية الرأى والتعبير، ورابعها: حرية الإبداع الأدبى والفنى، ويرجع السبب فى خروج هذه الوثيقة إلى حاجة الساحة المصرية - عقب ثورة يناير - فى أن يصدر الأزهر الشريف، نصاً مرجعياً يسهم فى حماية الحريات الأساسية التى تنتظم بها شئون المجتمع الحر الذى يرغب المصريون أن يعيشوا فى ظلاله، وما يترتب على هذه الحريات من واجبات، وما يحيطها من إطار شرعى ينبع من مقاصد الشريعة وغاياتها.

وقد تضمنت هذه الوثيقة التأصيل الشرعى والفلسفى والدستورى لحرية العقيدة، وحرية البحث العلمى، وحرية الإبداع والفنون، وكل ما يحمى ذلك من حرية الرأى والتعبير عنه، وهو جوهر تلك الحرية المسئولة بجوانبها المختلفة.

الحريات الأساسية

وجاء فى مقدمة الوثيقة: يتطلع المصريون، والأمة العربية والإسلامية، بعد ثورات التحرير التى رفعت سقف الحريات، وأذكت روح النهضة الشاملة لدَى مختلف الفئات، إلى علماء الأمة ومفكريها المثقفين، كى يحرروا العلاقة بين المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية السمحاء ومنظومة الحريات الأساسية التى أجمعت عليها المواثيق الدولية، وأسفرت عنها التجربة الحضارية للشعب المصري؛ تأصيلاً لأسسها، وتأكيداً لثوابتها، وتحديداً لشروطها التى تحمى حركة التطور وتفتح آفاق المستقبل. وهى حرية العقيدة، وحرية البحث العلمى، وحرية الرأى والتعبير، وحرية الإبداع الأدبى والفنى، على أساس متين من فهم مقاصد الشريعة النبيلة، وإدراك روح التشريع الدستورى الحديث، ومقتضيات التقدم المعرفى الإنسانى، بما يجعل من الطاقة الروحية للأمة وقوداً للنهضة، وحافزاً للتقدم، وسبيلاً للرقى المادى والمعنوى، فى جهد موصول يتضافر فيه الخطاب الدينى المستنير مع الخطاب الثقافى الرشيد، ليندرجا معا فى نُسق مستقبلى مثمر، يوحد بينهما فى الأهداف والغايات التى يتوافق عليها الجميع.

ومن هنا فإن مجموعة العلماء الأزهريين وعدداً من المثقفين المصريين أصدروا وثيقة الأزهر الأولى بقيادة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر، وأتبعوها ببيان دعم حراك الشعوب العربية الشقيقة نحو الحرية والديمقراطية، قد تدارسوا فيما بينهم القواسم المشتركة فى منظومة الحريات والحقوق الإنسانية، وانتهوا إلى إقرار جُملة من المبادئ والضوابط الحاكمة لها فى ضوء اللحظة التاريخية الراهنة، تحافظ على جوهر التوافق المجتمعى، وترعى الصالح العام فى مرحلة التحول الديمقراطى، حتى تنتقل الأمة إلى بناء مؤسساتها الدستورية بسلام واعتدال وتوفيق من الله تعالى.

الإبداع.. الأدبى والفنى

وفيما يتعلق بحرية الإبداع الأدبى والفنى، فقد نصت الوثيقة على: ينقسم الإبداع إلى إبداع علمى يقوم على البحث العلمى، وإبداع أدبى وفنى يتمثل فى أجناس الأدب المختلفة من شعر غنائى ودرامى، وسرد قصصى وروائى، ومسرح، وسير ذاتية، وفنون بصرية، تشكيلية من رسم ونحت وتصوير، وفنون سينمائية وتليفزيونية وموسيقية، وأشكال أخرى مستحدثة فى كل هذه الفروع.

والآداب والفنون فى جملتها تستهدف تنمية الوعى بالواقع، وتنشيط الخيال، وترقية الإحساس الجمالى، وتثقيف الحواس الإنسانية وتوسيع مداركها، وتعميق خبرة الإنسان بالحياة والمجتمع، كما تقوم بنقد هذا المجتمع أحياناً والحلم بما هو أرقى وأفضل منه، وكلها وظائف سامية تؤدى فى حقيقة الأمر إلى إثراء اللغة والثقافة وتنشيط الخيال وتنمية الفكر، وتلتقى فى جوهرها مع الأهداف العليا للأديان السماوية، وتُعد من أبرز مظاهر الحضارة الإنسانية وأشدها قابلية للتبادل والتأثير والخلود على مر الزمن.

ولقد تميزت اللغة العربية بثرائها الأدبى وبلاغتها المشهودة، حتى جاء القرآن الكريم فى الذروة من البلاغة والإعجاز، فزاد من جمالها وأبرز عبقريتها، وتغذت منه فنون الشعر والنثر والحكمة، وانطلقت مواهب الشعراء والكُتابِ من جميع الأجناس التى دانت للإسلام ونطقت بالعربية تُبدع فى جميع الفنون بحرية على مر العصور دون حرج، بل إن العلماء القائمين على الثقافة العربية والإسلامية من شيوخ وأئمة كانوا هم رواة الشعر والقص بجميع أشكاله، على أن القاعدة الأساسية التى تحكم حدود حرية الإبداع هى قابلية المجتمع من ناحية، وقدرته على استيعاب عناصر التراث والتجديد فى الإبداع الأدبى والفنى من ناحية أخرى، مع الاحتكام لرأى الخبراء والنقاد والعارفين بهذه الفنون، وعدم التعرض لها ما لم تمس المشاعر الدينية أو تؤذِ القيم المجتمعية، ويظل الإبداع الأدبى والفنى من أهم مظاهر ازدهار منظومة الحريات الأساسية وأشدها فعالية فى تحريك وعى المجتمع وإثراء وجدانه، وكلما ارتفع سقف الحرية فيه كان ذلك دليلاً على تحضره، فالآداب والفنون مرآة لضمائر المجتمعات وثقافة أهلها، وتعبير صادق عن ثوابتهم ومتغيراتهم، وصورة ناضرة لطموحاتهم فى مستقبل أفضل.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg