| 17 يوليو 2019 م

المسلمون فى بيرو.. أقلية ذات تأثير سياسى واقتصادى

  • | الأحد, 7 يوليه, 2019
المسلمون فى بيرو.. أقلية ذات تأثير سياسى واقتصادى

 

انطلاقاً من حرص مرصد الأزهر لمكافحة التطرف على متابعة أحوال الإسلام والمسلمين فى شتى بقاع الأرض، وذلك للوقوف على أهم المشكلات والمصاعب التى تواجه المسلمين، تقوم وحدة الرصد باللغة الإسبانية بمرصد الأزهر بإعداد مجموعة من التقارير المُفصلة عن أحوال الإسلام والمسلمين فى إسبانيا، وفى دول أمريكا اللاتينية.

وفى هذا التقرير نستعرض أحوال الإسلام والمسلمين فى جمهورية «بيرو» باعتبارها إحدى دول أمريكا اللاتينية المتحدثة بالإسبانية.

بداية تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن تعداد السكان فى جمهورية بيرو وصل إلى ما يقرب من 32٫17 مليون نسمة لعام 2018، وتبلغ مساحتها220.285.1 كم2.

وتقع جمهورية بيرو فى غرب أمريكا اللاتينية، وتحدها الإكوادور وكولومبيا من الشمال، وبوليفيا والجمهورية البرازيلية من الشرق، وتشيلى من الجنوب، والمحيط الهادى من الغرب، وكانت بيرو من قبل إمبراطورية كُبرى حيث كانت تضم الإكوادور وتشيلى وبيرو والأرجنتين، وقد غزتها إسبانيا إثر توسعها فى العالم الجديد عام 1532.

 واستمر الاحتلال الإسبانى حتى أعلنت استقلالها فى عام 1820 إثر ثورة عارمة قام بها الشعب البيروانى، ويعتنق 93.8% من سكانها الديانة المسيحية، بينما هناك نسبة قليلة من المسلمين واليهود والبوذيين وبعض أتباع الديانات الأخرى.

ورغم أن الدستور البيروانى ينص على الحرية الدينية وتعليم الدين فى المدارس، فإن المسيحية هى الديانة الوحيدة التى تُدرس فى المدارس، وتتمركز الجالية المسلمة فى مدينتى «تاكنا» و«ليما»، وتتكون من الفلسطينيين والأتراك والسوريين والأردنيين واللبنانيين والمصريين والمغاربة والباكستانيين والعراقيين والإيرانيين.

وهناك العديد من المصادر التى تؤكد أن الإسلام وصل إلى دولة البيرو فى 18 يناير 1535،  وذلك عندما رافقت زوجة مسلمة مغربية أحد المستعمرين المرافقين للقائد «فرانثيسكو بيثارّو جونثالِث»الذى فتح إمبراطورية «الإنكا» وأسس مدينة ليما عاصمة البلاد. وفى السنوات الأولى للغزو وصل إلى بيرو نحو 400 امرأة مسلمة، الغالبية العظمى منهن كُن زوجات للمستعمرين وبعضهن كُن من الإماء.

ومع قدوم النساء انتشرت بعض العادات مثل: الجلباب العربى الذى أصبح أحد الأزياء الرئيسية التى فضلها السكان الأصليون على النموذج الأوروبى، كذلك كانت الكثير من النساء يرتدين الحجاب.

وفى النصف الثانى من القرن السادس عشر أمر الأسقف الثانى فى «ليما» توريبيو ألفونصو دى موجريبيخو النساء بخلع الحجاب وإلا فسيطردن من الكنيسة؛ إلا أنهن تمردن وأصررن على ارتدائه منذ منتصف القرن السادس عشر تقريبا حتى نحو عام 1860.

ومن أبرز شواهد الوجود الإسلامى العربى فى دولة البيرو وجود الطابع المعمارى الأندلسى، الذى يميّز مساكن العاصمة ليما، حتى يُخيّل إلى من يجول فى شوارعها أنه فى قرطبة أو إشبيلية، حيث تتميز العاصمة بأنها المدينة الوحيدة فى أمريكا اللاتينية التى بها هذا النوع من الشُرفات والمآذن المُصممة على الطراز العربى.

ولقد ظهر تأثير المسلمين بجلاء فى أساليب البناء وفنون العمارة، والدليل على ذلك هو بناء قصر «برج تاجلى»  عام 1735 على الطراز الإسلامى.

ورغم أن المسلمين وصلوا بيرو منذ عدة قرون، فإن الهجرة الإسلامية الأكثر وضوحاً هى تلك التى حدثت خلال أواخر القرن التاسع عشر وأثناء القرن العشرين.

وفى هذا السياق يقول الرئيس السابق للجمعية الإسلامية بدولة البيرو السيد ضمين حسين عوض: «إن الوصول الفعلى للإسلام نشأ عن هجرة المسلمين إلى بيرو بين عامى 1930م و1935 عندما هاجر إليها أعداد كبيرة من سوريا ولبنان وفلسطين وغيرها من البلدان».

وبالنسبة لعدد المسلمين فى بيرو، فقد أفادت السيدة «زولما بينيا»، المسلمة البيروانية أن العدد وصل إلى ما يقرب من 2000 مسلم، نصفهم تقريباً من البيروانيين، الغالبية العظمى منهم يتبعون المذهب السنى، بينما هناك قلة قليلة تتبع المذهب الشيعى، وتجدر الإشارة إلى أن خطبة الجمعة فى المساجد تكون باللغتين الإسبانية والعربية.

وكان المسلمون الأوائل فى «بيرو» من المهاجرين العرب كما هو الحال فى باقى دول أمريكا اللاتينية، واستمر الحال هكذا حتى العقد الأخير، حيث ازدادت عملية انتشار الإسلام تدريجياً، ولا سيَّما فى مدينتى «ليما» و«تاكنا» إلا أنه لا توجد أعداد رسمية صادرة من الدولة حتى الآن.

ويمكننا القول إن المرحلة الجديدة من الإسلام فى بيرو، قد بدأت بالعمل المشترك بين المسلمين من أصول مختلفة، فى محاولة منهم لتقديم الإسلام إلى سكان «بيرو» وساكنى دول أمريكا اللاتينية بشكل عام. وحالياً يوجد داعية مصرى فى الجمعية الإسلامية وهو الشيخ أحمد عثمان قاسم، خريج جامعة الأزهر، وكذلك فى مصلى «سان بورخا» يوجد داعية مغربى وهو الشيخ محمد قبى، وكلاهما يشارك فى المؤتمرات والندوات واللقاءات المختلفة مع جميع طوائف المجتمع.

وعلى المستوى السياسى، تقلَّد المسلمون فى بيرو العديد من المناصب السياسية مثل: السيد عمر كريم شحادة مويا الذى تقلد سابقاً منصب النائب الثانى لرئيس الجمهورية، إضافة إلى الأعضاء الذين تقلدوا بعض المناصب فى المجالس النيابية.

ويعيش أغلب المسلمين فى بيرو، بمنطقة «سانتا ماريا ديل مار» التى تقع على مسافة 50 كيلومترا من العاصمة، حيث يعيش بها مجموعة كبيرة من العرب المسلمين وغير المسلمين.

وفى بلدية تاكنا يعيش الكثير من المسلمين الباكستانيين، وأغلبهم يعمل بالتجارة فى المنطقة الحرة على الحدود مع تشيلى، ويوجد مسجد فى هذه المنطقة، وقد اعتنق الكثير من النساء البروانيات الإسلام بعد زواجهن.

ورغم قلة عدد المسلمين فى بيرو، حيث يشكلون أقل نسبة لمجتمع إسلامى فى الدول اللاتينية، فإنهم يمتلكون تأثيراً كبيراً على الصعيدين الاقتصادى والسياسى، لكن فى الوقت نفسه يواجهون العديد من المشكلات، مثل أى مجتمع مسلم فى البلدان الغربية، وذلك وفقاً لما ذكره الرئيس السابق للجمعية الإسلامية فى «ليما» الأستاذ ضمين عوض، معرباً عن أسفه لأن المسلمين فى البيرو يدفنون موتاهم فى مقابر النصارى «لعدم وجود مقابر إسلامية يُدفن فيها موتى المسلمين وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية».

المساجد فى بيرو

تُعد العاصمة «ليما» من أكثر الأماكن التى ينتشر فيها الإسلام فى بيرو، تليها مدينة تاكنا، التى وصل إليها المسلمون عبر الحدود مع تشيلى، ثم كوسكو وبيورا. وأُنشئت الجمعية الإسلامية فى ليما عام 1988، وتقوم بدور دعوى كبير هناك، حيث تتولى مسئولية حماية المسلمين، والدعوة إلى الإسلام، ومحاولة اجتذاب مسلمين جُدد من مواطنى بيرو.. أما عن أهم المساجد الموجودة فى بيرو، فنذكر منها: الجمعية الإسلامية فى البيرو التى تعتبر من الأماكن التى جذبت الكثيرين للإسلام، تقع فى شارع تاكنا 556، بحى مجدالينا، فى العاصمة ليما، وهى عبارة عن مسجد يقوم بالإشراف عليه شيخ مصرى تلقى دراساته الدينية فى جامعة الأزهر. وتقوم الجمعية بجانب العمل الدعوى وإقامة الشعائر ببعض الأنشطة مثل تعليم اللغة العربية للمسلمين وغير المسلمين، وعقد محاضرات وندوات تعريفية بالإسلام، إلى جانب استقبال الطلبة من المدارس والجامعات وتعريفهم بالإسلام، إضافة إلى دورات شرعية لأبناء الجالية الإسلامى. وحالياً تم إنشاء مصليين فى العاصمة «ليما» بجانب المركز الرئيسى، وهما مصلى «سان بورخا» ويترأسه الشيخ المغربى محمد قبى ومصلى «إسلام بيرو»،

ويوجد أيضاً مسجد باب الإسلام الذى يقع فى مدينة «تاكنا» وهو أكبر بناء إسلامى فى بيرو، ويقع عند المدخل الجنوبى للمدينة، على مسافة قريبة من وسط المدينة، وقد شيّده مواطنون مسلمون فى عام 2000، معظمهم من باكستان، ويعتبر أحد المبانى القليلة التى تعكس فن العمارة الإسلامية، وملحق بالمسجد مصلى للسيدات فى الطابق الثانى، ومدرسة لتعليم الإسلام واللغات، معتمدة من جامعة كامبريدج.وهى مدرسة متعددة الثقافات ويدرس بها 340 طالباً من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، وعند الانتهاء من المدرسة الثانوية يحصل الطلاب على شهادات معتمدة من جامعة كامبريدج، إضافة إلى دراسة ثلاث أو أربع لغات، ولهذا يأتى الطلاب من مدارس أخرى من «تاكنا» للدراسة فى هذه المدرسة، حسبما ذكر «حسام إقبال» مدير المدرسة.

ودائما تؤكد الجالية المسلمة فى بيرو -وعلى رأسها رئيس الجمعية الإسلامية- أن المجتمع الإسلامى ينكر وبشدة الأعمال الإجرامية التى يرتكبها المتطرفون باسم الإسلام وهم أعداء للدين، ويؤكدون أن الإسلام دين تسامح وسلام وتراحم حتى فى أوقات الحروب، والدليل على ذلك قوله تعالى «مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً» (المائدة‏: 32‏).

وتجدر الإشارة إلى أن المجتمعات الإسلامية الكبرى فى أمريكا اللاتينية تتركز فى الأرجنتين والبرازيل، مما يسمح للمسلمين فيها بالتكامل والتعايش بشكل جيد داخل هذه المجتمعات، مثل بناء المدارس والمساجد، بينما فى بيرو يمثل المسلمون نسبة قليلة، حيث يصل عددهم إلى ما يقرب من ألفى مسلم، وهو ما يحول دون تنمية المنظمات الإسلامية داخل المجتمع البيروانى.

ووضعت منظمة الوحدة الإسلامية لأمريكا اللاتينية (Lamu)، ومقرها فى فريسنو بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، اقتراحا لأول دار للأيتام المسلمين فى بيرو، لكن هذا الاقتراح لم يتحقق بعد.

المرأة المسلمة فى بيرو

 تعانى المرأة المسلمة فى بيرو من بعض الصعوبات والمشاكل مثل: صعوبة الحصول على فرصة عمل ومشكلة ارتداء الحجاب خلال أوقات العمل والسماح للأطفال بارتداء الحجاب فى المدارس، وهى مشكلات تواجه المسلمين فى أمريكا اللاتينية بصورة عامة.

والغالبية العظمى من النساء اعتنقن الإسلام بعد بحثهن عن طريق الإنترنت أو قراءة بعض الكتب الإسلامية أو عن طريق سؤال أحد أئمة المساجد.

وبصفة عامة، فإن الكثير من البروانيين يجهلون تماما ما هو الإسلام؛ فــهم يحكمون ويتكلمون دون أن يعرفوا ماهية الإسلام، ويجعلون من لباس المرأة المسلمة أحياناً مدعاة للسخرية. وتروى بعض من النساء قصة إسلامهن:

فتقول «عائشة فرح» إن أول معرفة لها بالإسلام كانت عن طريق أبيها عندما كانت فى سن صغيرة - وهو لا يعرف الكثير عن هذا الدين- والذى أخبرها أن القرآن الكريم هو كلام الله الحق وآخر كُتبه، وهو ما لفت انتباهها، لكنها لم تستطع التحقق من ذلك- على حد قولها- ومر الوقت وعاشت حياتها الطبيعية.

 وكانت عائشة تتعلم الصلاة المسيحية، لكنها عندما تصبح وحيدة تفكر أنها فقط بحاجة إلى الله، وأضافت أنها اعتنقت الإسلام بسبب التعاليم الإسلامية السمحة التى أمر بها النبى محمد (عليه الصلاة والسلام)، إضافة إلى وجود تفسير وفهم لكل شىء.

ومع البحث توصلت إلى معلومات حول الإسلام ومن بعدها قررت الذهاب فقط للبحث عن هذا الدين، ومع استمرار قراءتها شعرت بالسعادة والارتياح خاصة بعد سماعها للقرآن الكريم، ومن ثم قررت اعتناق الإسلام وبدأت فى البحث عن أقرانها من المسلمين فى بيرو، وأضافت أنه منذ اعتناقها الإسلام تغيرت الكثير من أحوالها فتعلمت الصبر، وطاعة واحترام الوالدين.

وتقول «سوسى هاك» إن أول معرفتها بالإسلام كان فى عام 1977 عندما نشرت جريدة «الكوميرسيو» البروانية على صفحتها الأولى صورة لمسلمين يصلون، ومن بعدها قررت البحث عن الإسلام حتى اعتنقته وحينها تعرضت للعديد من الانتقادات، إلا إنها أكدت أن الإسلام أعطى الحقوق الكاملة للنساء عكس ما يُثار فى العديد من وسائل الإعلام.

وتقول «هانيا هيلالى» أنها عرفت الإسلام من خلال أحد المواقع على الإنترنت،  ودائما كانت تعتقد أن الله واحد، وكان هذا كافياً بالنسبة لها لقبول الإسلام واعتناقه، مضيفة أنها تعلمت من الإسلام عدم التدخل فى شئون الغير، والصبر وعدم الغضب.

ويرى المرصد أنه حرصاً على صورة الإسلام فى القارة اللاتينية، فإنه ينبغى على المسلمين هناك توحيد صوتهم وجمع كلمتهم إلى جانب ضرورة إنشاء مركز إسلامى كبير لنشر الفكر المعتدل فى بيرو، التى تعد أرضاً خصبة لنشر التعاليم الإسلامية السمحة، ومحاربة الفكر المتطرف الذى بدأ يتغلغل شيئا فشيئا فى القارة اللاتينية وفقاً لبعض التقارير السابقة التى أصدرتها وحدة الرصد باللغة الإسبانية، بعد ملاحظة أن الغالبية يستمدون معلوماتهم الدينية عن طريق الإنترنت فى المقام الأول.

 ويوصى المرصد بضرورة التواصل مع الجمعيات الإسلامية هناك، وترجمة المزيد من الكتب الإسلامية الصحيحة إلى الإسبانية، فضلاً عن إرسال قوافل السلام التى يكون لها دور فاعل فى التعريف بالإسلام فى إطار خطة قصيرة المدى، إضافة إلى إرسال المزيد من البعثات من الأزهريين المعتدلين، باعتبارها خطة موازية على المدى الطويل.

وحدة الرصد باللغة الإسبانية

طباعة
الأبواب: متابعات
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg