| 21 أغسطس 2019 م

العنف الأسرى.. أرض خصبة للتطرف الفكرى والسلوكى

  • | الأربعاء, 31 يوليه, 2019
العنف الأسرى.. أرض خصبة للتطرف الفكرى والسلوكى

الأسرة نواة المجتمع، والمكوِّن الرئيس له، ومع وجود حالة من السلامة والاستقرار بين أفراد الأسرة ينتج مجتمع أكثر سلامة وصحة نفسية وسلوكية، ولا شكَّ أن اضطراب الأسرة هو أحد أبرز أسباب وجود خلل فى نسيج المجتمع، وتواجه الأسرة العديد من التحديات التى تعوق مسارها السليم والسوى فكرياً وسلوكياً،

ومن أبرز تلك التحديات ظاهرة العنف الأسرى، التى تُعرّف بأنها استخدام أحد أفراد الأسرة العنف فى الاعتداء لفظياً أو جسدياً على فرد أو مجموعة بالأسرة، كالذى يحدث بين الأزواج، ومن الآباء والأمهات تجاه أطفالهم، أو حتى تجاه المسنين أو ذوى الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن العنف بين الأطفال أنفسهم، أو الزواج المبكر للفتيات باعتباره أحد أشكال العنف الأسرى ضد القُصَّر.

وتتعدد أسباب العنف الأُسرى بين أسباب اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، ونفسية، ومن المؤكد أن نشأة الأطفال فى جو من المشاحنات والعنف اللفظى والجسدى يجعل منهم أشخاصاً غير أسوياء، ويُشكّل منهم أرضاً خصبة قابلة للتطرف، بمعنى أن ظاهرة العنف الأسرى تمثل أحد أبرز أسباب التطرف الفكرى والاجتماعى بالغ الضرر. ومن خلال المتابعة المستمرة التى يقوم بها «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» لأسباب التطرف وتحليل الظواهر المجتمعية والنفسية التى تؤدى إلى انتشاره، تبيَّن أن ظاهرة العنف الأسرى لها ارتباط وثيق بالتطرف، سواءٌ أكان ذلك على المستوى الفكرى أم السلوكي؛ بل إنها فى كثير من الأحيان تمثل أبرز مكونات الشخصية المتطرفة وأحد الأسباب الرئيسة فى نهج السلوكيات العنيفة.

ومن بين الدلائل التى يمكن الاستشهاد بها فى هذا السياق تصريحات المحامى «كورينتينديلوبل» الذى دافع عن مُنفذ هجوم الدهس فى مدينة نيس الفرنسية «محمد سلمان الحويّج بوهلال»، وهو الهجوم الذى وقع فى عام 2016م، وأسفر عن مقتل أكثر من 80 قتيلاً و200 جريح؛ حيث أعرب المحامى عن ندمه لتولّى هذه القضية؛ إذ إن دفاعه منع «بوهلال» من قضاء وقت أطول فى السجن، وذكر المحامى أن «بوهلال» كان يُفرط فى تناول المشروبات الكحولية، وله سوابق فى العنف المنزلى ضد زوجته التى كان يعيش منفصلاً عنها، وطلبت الطلاق منه، وبالتالى كان العنف الأسرى أحد أسباب تكوين شخصيته المتطرفة.

ولا شكَّ أن زواج القاصرات، وضرب الزوجات أحد أبرز أشكال العنف الأسرى، وفى هذا الصدد أشارت إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن 39 ألف فتاة تحت سن الـ8 تتزوج يومياً حول العالم، أى ما يعادل زواج قاصرة كل ثانيتيْن. كما أن امرأة من بين 3 نساء حول العالم تتعرّض للعنف الجسدى أو الجنسى فى حياتها، وكل هذا يدفع عدداً من الزوجات والقاصرات إلى الهروب؛ بما يُسهّل من عمل الجماعات الإرهابية فى استقطابهن وتقديم الوعود الزائفة لهن.

وقد أكدت دراسة صدرت فى عام 2015، أجراها باحثون من جامعة نبراسكا الأمريكية أن هناك عوامل غير أيديولوجية تتراكم مع مرور الوقت، بدءاً من الطفولة، وتعمل على دفع الفرد تجاه عدد متنوع من السلوكيات العنيفة، بما فيها التطرف العنيف، وأحد هذه العوامل غير الأيديولوجية هو العنف الأسرى. وأوضحت الدراسة أن 45% من المتطرفين السابقين أكدوا بأنهم تعرضوا خلال طفولتهم لعنف جسدى، فيما صرّح 21% أنهم كانوا ضحية اعتداءاتٍ جنسية. وأكد 46% أنهم تعرضوا للإهمال خلال طفولتهم، كما أكدت الدراسات العلمية الميدانية أن 35% من حالات العنف الأسرى سببها ضعف الوازع الدينى.

ومن أعظم أنواع العنف الأسرى ما يكون ضد المرأة، وكذلك هروب الشباب وربما الفتيات من المنازل، بما يجعلهم عرضة للوقوع فى براثن الجماعات الداعية للأفكار الشاذة والمتطرفة، والتى تحث على حمل السلاح وتكفير المجتمعات، والغلو فى الدين، وتجاوز منهج الوسطية والاعتدال. كل هذه الأرقام والإحصائيات، إلى جانب الدراسات التحليلية تُبرهن بشكل قوى على مدى قوة العلاقة بين التوجُّه نحو دروب التطرف، والتعرض للعنف الأسرى أو ممارسته.

وقد عالج الإسلام هذه الظاهرة بكل دقةٍ ورحمة؛ حيث عزَّز من قيمة الرحمة، وأمَر بنشرها فى العالمين، وأرسلَ اللهُ رسولَه -صلى الله عليه وسلم- بالرحمة الشاملة التى تصل بالأمم والمجتمعات إلى بَرِّ الأمن والأمان؛ حيث قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» الأنبياء: 107.

وانطلاقاً من هذا المبدأ الإسلامى الأصيل، فإنَّ الإسلام لا يُقِرُّ التعاملَ باستخدام العُنفِ بينَ الناسِ عامَّةً، وبينَ أفراد الأسرةِ الواحدةِ خاصَّةً؛ مُؤَكِّداً على أن العنف لا يصلح أن يكون علاجاً لمشكلة، أو وسيلةً لإصلاح، بل إن وُجِد فى أسرة فهو خطرٌ يهدد تماسكها، وسلامة أطفالها، ويضرّ بصحة أفرادها البدنية والنفسية. يظهر هذا الأمر واضحاً فى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المـُطهرة، فقد رغّب رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الإنسانَ فى التحلى بالرفق فى جميع أحواله، فقال: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِى شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». «أخرجه مسلمٌ».

وتدرك التنظيمات المتطرفة -وعلى رأسها داعش- أهمية دور الأسرة فى التنشئة وتكوين الشخصية؛ لذا حرصت على أن يكون من ضمن المنضمين إليها آباء وأمهات، حتى يكونوا مصدر التلقين لأبنائهم، فضلاً عن الاهتمام بالعملية التعليمية لتنشئتهم وفق هذه المناهج المتطرفة. وبدوره يعمل مرصد الأزهر على بيان صحيح الدين الإسلامى وتعاليمه السمحة ومحاربة الفكر المتطرف باثنتى عشرة لغةً أجنبيةً على مِنَصّات التواصل الاجتماعى المختلفة، فضلاً عن عمله الميدانى، وبخاصة المتعلق بالشباب باعتبارهم الفئة الأكثر استهدافاً من قِبَل أصحاب الأفكار المنحرفة، وذلك للتأكيد على أن ظاهرة العنف بوجه عام، سواءٌ أكانت فكرية أم سلوكية، فإنها تُعدّ من أخطر ما يقابل المجتمعات كافة، وأنه لا بُد من تكاتف مختلف المؤسسات والمنظمات الرسمية وغير الرسمية لمجابهتها، والتأكيد على دور الأسرة والمدرسة الذى لا غنى عنه فى تربية الأطفال وتنشئتهم نشأة سوية سليمة.

وحدة رصد اللغة الإسبانية

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg