| 23 سبتمبر 2019 م

المساجد فى إسبانيا.. ملتقى الثقافات وأيقونة التعايش

  • | الأربعاء, 31 يوليه, 2019
المساجد فى إسبانيا.. ملتقى الثقافات وأيقونة التعايش

يؤدى المسجد دوراً روحياً وعلمياً بارزاً فى الإسلام، فهو بيتُ الله تعالى، وأشرف البقاع، وخير الأماكن لتربية المسلمين، فالمسجد هيئة إسلامية عظيمة تفُوق جميع الهيئات؛ إذ يلعب دوراً كبيراً فى إصلاح المجتمعات، فلا يمكن إصلاح المجتمع إلا بتفعيل دور أكبر مؤسسة وأعظمها على وجه الأرض، وهو المسجد؛ لأنه يُربّى المجتمع تربيةً إيمانيةً متكاملةً.

ولا تخفى أهمية قيام المساجد بدورها الحيوى فى محاربة خطاب التطرف والكراهية، خصوصاً عند فئة الشباب؛ لحمايتهم من براثن الجريمة والتطرف والانحراف عن الجادة، وذلك بما تقدّمه من خدمات للمسلمين فى المجتمعات الغربية؛ من دروس تعليم اللغة العربية، ومبادئ الإسلام الوسطى.

وفى ظل متابعة وحدة الرصد باللغة الإسبانية بمرصد الأزهر للأنشطة التى يقوم بها المسلمون فى إسبانيا فى سبيل التعريف بالإسلام، ونشر قيمه السمحة، وتفعيل دور المسجد فى مواجهة التطرف، ونشر ثقافة الوسطية والاعتدال، والعمل على ترسيخها فى أذهان المسلمين هناك، وتوضيحها لغير المسلمين، تابعت الوحدة خلال النصف الأول من عام 2019 المستجِدَّات بالنسبة للمساجد فى أنحاء إسبانيا، نوجز أهمَّها من خلال هذا التقرير، وذلك على النحو التالى:

مساجد جديدة

وفقاً لآخر الإحصائيات بلغ عدد المساجد فى إسبانيا 1569 مسجداً رسمياً، وذلك بعد زيادة كبيرة خلال أربع سنوات فقط، وهو ما يؤكد أمريْن؛ أولهما: تزايد نشاط الجمعيّات الإسلاميّة المرتبط بتزايد أعداد المسلمين، وتدفقهم إلى مدن وبلديات جديدة بشكل غير مسبوق، والثانى: مساحة الحرية الدينية التى يكفلها القانون، وذلك بالرغم من تعرُّض المسلمين لبعض المضايقات التى يمارسها بعض المتعصبين، أو أنصار الأحزاب اليمينية الرافضة للوجود الإسلامى، ومن ثَمَّ افتتاح المساجد. وقد افتتحت خلال النصف الأول من عام 2019 عدَّةُ مساجد فى إسبانيا، وبالنسبة للتوزيع الجغرافى لهذه المساجد فإنها لا تتمركز بمقاطعة أو إقليم واحد، وكان أبرزها أربعة مساجد بأربعة أقاليم مختلفة: «قطلونية»، و«الباسك»، و«بلنسية» و«كاستيّا لا مانتشا».

وقد شهد شهر أبريل 2019 افتتاح أوّل مسجد فى إسبانيا هذا العام فى بلدية «سانت بيرى دى ريباس» بإقليم «قطلونية»، وشارك مئات الأشخاص فى الاحتفال بافتتاح المسجد الجديد بحضور عمدة المدينة «أبيجيلجاريدو» فضلاً عن ممثلين عن الجمعيات الإسلامية. 

وفى مايو 2019 افتُتح مسجد ببلدية «البسيط» بإقليم «كاستيّا لا مانتشا» الإسبانى، تبلغ مساحته 200 متر مربع، ويحمل اسم «مسجد بيت السلام»؛ ليكون ملتقى للتواصل بين الثقافات والديانات المختلفة، وقد لوحظ حضور غير المسلمين حفل الافتتاح؛ حيث كانت الدعوة موجهة للجميع، ويمكننا أن نلاحظ هنا أن افتتاح المساجد فى إسبانيا لا يمثل حدثاً دينياً فحسب، بل يُعدُّ حدثاً ثقافياً واجتماعياً، باعتبار ما سيقام فيها من فعّاليات وأنشطة ثقافية وتعليمية واجتماعية، يضم حوار المتدينين، ولقاءات ثقافية مفتوحة، واحتفالات بمناسبات اجتماعية أو وطنية بارزة.  

وفى الشهر ذاته احتفل مسلمو بلديّة «ديفا» فى إقليم «الباسك» بافتتاح المسجد الجديد، الذى استمر العمل فى بنائه عاماً كاملاً، وفى تأكيدٍ على وظيفة المسجد الاجتماعية والثقافية أكَّد القائمون على المسجد أن أبوابه ستكون دائماً مفتوحة للجميع، لا سيّما خلال احتفالات شهر رمضان المبارك وفعّالياته.

كما شهد شهر يونيو من العام الحالى افتتاح مسجد بمدينة «أُورِيُولَة» الإسبانية الواقعة بإقليم بلنسية شرقى إسبانيا، وهو المسجد الذى انتظرته الجالية المسلمة فى هذه المدينة بتفاؤل كبير، ويتسع المسجد لعدد كبير من المصلين، كما أنه مجهز لعقد الأنشطة الثقافية والاجتماعية، وخلال الفعّاليات تم التأكيد على أن «المسجد مفتوح أمام الجميع من المسلمين وغيرهم، ولكل من يريد التعرف على الثقافة الإسلامية وطبيعة العمل داخل المسجد وأنشطته».

المساجد.. مزارات تاريخية وتعليمية

من أبرز الأنشطة التى تابعها مرصد الأزهر خلال النصف المنصرم من هذا العام، استقبال المساجد لزيارات غير المسلمين - وبشكلٍ خاص طلّاب المدارس - لتعريفهم بالإسلام، والأنشطة المختلفة التى تتم بالمساجد.

وقد كان لمسجد مدريد المركزى النصيب الأكبر من هذه الزيارات الطلابية؛ ففى شهر مارس 2019، استقبل المسجد مجموعة من طلاب المدارس الحكومية، تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عاماً، وذلك ضمن البرنامج التثقيفى التوعوى الذى أطلقته إدارة المسجد، وخلال اللقاء قُدّمت للطلاب بعض المواد التعليمية، والكتب الإرشادية عن الإسلام، وقاموا بجولة داخل المبنى؛ للوقوف على الأنشطة المختلفة التى تُعقد هناك، حيث تعرّفوا على أهم العناصر المعمارية التى تُشكّل التراث الثقافى الإسباني-الإسلامى.

وفى شهر أبريل استقبل المسجد وفداً من طلاب معهد «خايمى بيرا» الثانوى فى «مدريد»، وذلك فى إطار فعّاليات برنامج «الجسر» الذى أطلقه المسجد، بالتعاون مع عدد من المؤسسات التعليمية؛ للتعريف بالمبادئ العامة للإسلام كدينٍ وثقافةٍ.

وكان آخر هذه الزيارات الطلابية التى شهدها المسجد فى شهر يونيو زيارة وفدٍ من طلاب مدرسة «بلانكا ‏دى كاستيا»؛ والتى تُعدُّ أول احتكاك مباشر لطلاب المدرسة مع الثقافة الإسلامية، ‏وقد اصطحبهم أثناء الزيارة السيد «رافائيل مارتينيث» الخبير فى الآثار الإسلامية بمدريد.

كما استقبل المسجد الكبير فى بلدية «مانريسا» ببرشلونة 60 طالباً فى السنة الأولى من المدارس الثانوية بالبلدية، وتركزت أسئلة الطلاب على موضوعات مهمة للغاية؛ كالعلاقة بين الإسلام والديانات الأخرى، ونقاط الالتقاء بين الديانات، وعن القرآن الكريم، ومكانة المرأة فى الإسلام، والصيام خلال شهر رمضان، وكيفية إقامة الصلاة، وغيرها من الأسئلة، وفى نهاية الزيارة أهدى القائمون على المسجد نسخةً من القرآن الكريم لأعضاء هيئة التدريس بالمعهد.

وفى هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى «مبادرة الأبواب المفتوحة» التى أطلقها مسجد «الهداية» فى «إشبيلية»؛ رداً على «تغريدة» زعيم حزب فوكس «سانتياجو أباسكال»، التى شكَّك من خلالها فى الأعمال التى تمارسها المؤسسات الدينية فى إسبانيا، وقد شاهد الحاضرون فى هذه الفعالية بثاً حياً لصلاة المغرب، إضافة إلى أنهم تفقدوا عن قُربٍ بعضَ المرافق التى لم يروها من قبل.

رمز للتعايش

إضافة إلى الأنشطة السابقة، تابعت الوحدة عدداً من الفعّاليات التى أطلقتها المساجد؛ لتعزيز رُوح التآخى والاندماج فى المجتمعات الغربية، أبرزها استضافة مسجد «بطليوس» فى شهر فبراير، لفعّاليات عن التعايش السلمى، للتأكيد على أهمية نشر مفهوم التعايش كعاملٍ أساسٍ لا غنى عنه فى تعزيز الحوار والتواصل بين أتباع الثقافات والأديان، وقد شارك فى الفعّاليات عدد من الإسبان من المسلمين وغير المسلمين، من بينهم مستشار مدينة بطليوس «أنطونيو أبيلا»، ومدير المُتحَفِ الأثرى فى بطليوس «جييرموكورتث»، وممثل مفوضية الأديان لمطرانية بطليوس «خوسيه أورتيث».

جدير بالذكر أن إمام المسجد «عادل النجار» قد حصل على الميدالية الذهبية خلال الاحتفال بالمنتدى الثقافى العربى الإسبانى، لدوره النشط والداعم للثقافة والتفاعل ما بين الثقافتيْنِ العربية والإسبانية، إلى جانب عمله الدءوب فى نشر مفهوم التعايش بين أفراد المجتمع.

كما تجدر الإشارة إلى المساعدات التى قدّمها مسجد «لا بورديتا» فى مدينة برشلونة الإسبانية لما يقرب من 70 شخصاً، بعدما اندلع حريق فى أحد المبانى بشارع «صوريا» بمدينة برشلونة الإسبانية، ونشر الحرس المدنى على حسابه الخاص على «تويتر»: «نودُّ أن نشكر من تعاون معنا على إخماد الحريق؛ ونخص بالذكر إدارة المسجد على استقبالها لسكان الحى، الذين تم إجلاؤهم خلال الحادث».

وهنا تظهر وظيفة أخرى جليلة للمساجد فى أوقات الشدة والأزمات؛ وهى استقبال المنكوبين وإيواؤهم، ولا شك أنه عمل إنسانى بامتياز، يُظهر إنسانية الإسلام ورحمته بالخلق وسماحته، وهى مبادئ إنسانية سامية، جاء الإسلام ليرسّخها ويحث عليها.

إن الهدف مما عرضناه فى هذا التقرير ليس سرد أحداث أو فعّاليات؛ بقدر ما يؤكده مرصد الأزهر من خلاله على دور المساجد على المستوى الدينى والثقافى والاجتماعى والإنسانى. إن محاربة موجة التطرف العاتية فى الوقت الراهن هى مسئولية جسيمة، تحملها المؤسسات المعنية، وعلى رأسها المساجد التى لها من الدور التوعوى ما يُمكن أن تَحُدَّ به من مخاطر الإرهاب، وهى من أخطر المسئوليات الدينية، فضلاً عن إقامة الصلوات والدروس الدينية والندوات والخطب وإقامة الشعائر، خاصة فى شهر رمضان المعظّم.

أما التقاء الثقافات والأديان وتفعيل الحوار بين الديانات فهى مسئولية كبيرة، لا بد أن تسعى المساجد لتفعيلها، والاستفادة منها فى نقل صورة واضحة صحيحة عن الإسلام، بعيداً عن المغالطات التى لا أصل لها، ولا يمكن إغفال الدور الإنسانى والاجتماعى، لما ينتج عن ذلك من تأليف للقلوب، وإظهار الجانب الإنسانى والاجتماعى لدِيننا الحنيف، وهو كذلك مظهر مهم من مظاهر التعايش والاندماج المجتمعى والوطنى.

وحدة رصد اللغة الإسبانية

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg