| 16 سبتمبر 2019 م

علماء الأزهر: "الأخوة الإنسانية" دواء صراع الحضارات

  • | الأربعاء, 4 سبتمبر, 2019
علماء الأزهر: "الأخوة الإنسانية" دواء صراع الحضارات

تنوعت صراعات الإنسانية بين طائفية وعرقية ومذهبية وإرهاب واستعمار وتقع نتيجة التمايز والعداوة والاستعلاء من الإنسان لأخيه الإنسان وتلاشت معانى الاخوة الإنسانية نتيجة أفكار ونظريات صراع الحضارات وجاءت مبادئ الاخوة الإنسانية بالدواء الناجع لتعلى من قيمة الإنسان وتنقذه بمكارم الاخلاق التى دعت إليها كافة الرسالات السماوية وتعيده إلى التعارف والتعاون والحرية فى المعتقد والتعايش السلمى.

ويقول الدكتور عبدالعزيز المرشدى أستاذ العقيدة والفلسفة، ووكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بدمياط جامعة الأزهر، لايشك عاقل أن الأديان السماوية الصحيحة قد دعت إلى احترام الإنسان، كل الإنسان، لافرق بين غنى وفقير ولا بين أبيض وأسود لأن الذى أنزل هذه الأديان السماوية هو الذى قال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ)، ومن المحال أن يقوم بتكريمه، ثم يدعو لاحتقاره فى دين من الأديان والله تعالى خلق الناس للتعاون والتعايش قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) والتعارف هنا فى الآية الكريمة معناه التعاون بين الناس جميعاً دون نظر إلى دين أو جنس أو لون أو عرق.

وينبه المرشدى إلى أن المتأمل فى شريعة الإسلام خاصةً، يلاحظ أن الإسلام الحنيف وهو آخر إرسال الله لهداية أهل الأرض، قد ركز على معنى الأخوة الإنسانية، ودعا إلى احترام الإنسان دون النظر إلى لونه، أو جنسه، أو دينه، فالإنسان مكرم من الله تعالى، وأما الدين فالحكم فى هذا الأمر موكول إلى الله يحاسب عليه الخلق يوم القيامة، ولا يجوز لأحد أيا كان أن يتآلى على الله سبحانه قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، فالإنسانية كلها سواء كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم، (الناس سواسية كأسنان المشط) كلهم لآدم، وآدم من تراب.

ويوضح المرشدى أن الأخوة لها أربعة أوجه كما قال العلماء، الأولى أخوة نسب كما قال تعالى: ، (وَأَخِى هَارُونُ) والثانية أخوة فى الدين كما قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، والثالثة أخوة فى الوطن، كما قال تعالى (وَإِلَى عَادٍأَخَاهُ مْهُوداً) وقال تعالى (وَإِلَى مَدْيَن َأَخَاهُمْ شُعَيْباً) وقد كانوا متخالفين فى العقيدة والدين ولم يمنع أن يكونوا أخوة، والرابعة أخوة فى الإنسانية وهى أهم وأشمل ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناجاته لربه، (وأشهد أن الناس كلهم أخوة)، ومما يروى فى هذا الشأن أن أحدهم استأذن فى الدخول على الخليفة معاوية بن أبى سفيان، قائلاً لحاجبه قل لمعاوية أخوك بالباب، فلما دخل قال له معاوية: أى الأخوة انت؟ قال: أخوك فى آدم، فقال معاوية: رحم مقطوعة لأكونن أول من يصلها.

من جانبه، يؤكد الدكتور عبدالغنى زهرة رئيس قسم التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية بالزقازيق جامعة الأزهر، أن الرسالات السماوية كلها وفى مقدمتها الإسلام دعت إلى احترام الإنسانية، واعتبار البشر جميعاً أخوةٌ لافرق بينهم، وأن العصبية ليست إلا شذوذاً عن هذا الخط الإلهى، وان الحروب إنما نشأت نتيجة هذا الشذوذ، كما أن الحرب فى الإسلام لم تكن إلا رداً لعدوان الأخر، ولا علاقة لها بدين الأخر لأن الله سبحانه لايحب المعتدين.

ويكمل زهرة أن الحروب والاستعمار، ونهب مقدرات الأمم، واغتصاب أراضيها أمور منكرة ترفضها كافة الرسالات السماوية، وتدعوا إلى لفظها، والبعد عنها، وعلى مدار تاريخ الإنسانية لم تقع الحروب، والابادة، والتطهير العرقى، والصراع الطائفى، والاستعمار وما يتبعه من تبعات النهب، والسلب، والقتل والاستعباد إلا من متطرفى الأديان كلها، سواء اكانت سماوية أو حتى وضعية، وهذه الأمور بعيدة كل البعد عن مبدأ الاخوة الإنسانية، وهى نتيجة مباشرة لخصام أبناء الإنسانية مع بعضهم البعض، بدوافع هضم الاخر، والاجهاز عليه اما لاستعباده وسرقة حريته تارةً، أو سرقة ثرواته وارغامه على معتقد معين تارة أخرى، لذلك جاءت مبادئ هذه الوثيقة بيان قوى لما تدعوا إليه كافة الرسالات السماوية من مكارم الاخلاق، وحث اتباع تلك الرسالات على التآخى الإنسانى الذى يعد الدرب الاوحد، وخارطة الطريق المثلى لما تلاقيه الإنسانية من ويلات الصراعات والحروب، والإرهاب، وهدر لكرامة الإنسان.

ويقول الدكتور عبدالغنى الغريب أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالزقازيق السابق إن وثيقة الأخوة الإنسانية التى وقعها كل من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر والبابا فرنسيس بابا الفاتيكان، تشكل تلك الوثيقة رافداً من روافد الإيمان، ولما ينبغى أن تكون عليه العلاقة بين الإنسان واخيه الإنسان، فقد جاء الإسلام يقرر الوحدة الإنسانية، حيث اعتبر الإسلام الناس وحدة واحدةً لا تفريق بينهم من حيث جنس، أو لون، أو عرق، فالجميع سواء، ولذلك جاء الخطاب القرآنيفى البدء للناس كافة، فلم يفرق بين أحد، ولم يأت للعرب وحدهم أو لغيرهم من الأجناس وإنما كان الخطاب يتردد، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، ليشعر السامع أن الناس وحدة واحدة أمام الخالق سبحانه وتعالى، فلا يفرق بينهم إلا بمقدار استجابتهم لهذا النداء الإلهى، فمن استجاب وآمن به تميز عن الآخرين وارتفع قدره ومنزلته عند الله، وكان من الفائزين فى الدنيا والآخرة، ومن اختار غير ذلك فله حق احتفاظه فى الدنيا بإنسانيته التى منحها الله سبحانه وتعالى، ولا يحق لأحد من البشر أن يسلب هذا الحق حتى وإن لم يؤمن لأنه بذلك ينازع الحق الإلهى الذى جعل الثواب والعقاب بيد الله سبحانه وتعالى.

ونبه الغريب إلى أن التمسك بمبادئ الوثيقة يرسى ويرسخ مبدأ محاربة الإرهاب والتطرف، والحروب، والاستعمار، فالرسالات السماوية كلها ترفض التمييز، والتعالى من أى جنس، أو عرق، أو ملة لأى امة، أو شعب يأخذ من ذلك التمايز والتعالى طريقاً لهضم حقوق الأمم، ونهب مقدراتها، واستعباد اهلها، وسرقة تاريخها، ومحو هويتها، كما تدعو بعض النظريات الآن لبعض منظرى الاستعمار من حتمية نهاية التاريخ، وحكم العالم كله من حكومة عالمية واحدة، ويحد من نشاط مروجى الحروب، والفتن من صانعى وتجار الأسلحة، الذين لا يهمهم سوى مكاسبهم المادية فقط، حتى وان صارت الإنسانية كلها تسبح فى بحور من الدماء، كما أن مبادئ تلك الوثيقة تقف حائط صد أمام الصراعات الطائفية، والعرقية التى ينتج عنها مآسى الأقليات، وما يلاقونه من تطهير، وابادة عرقية، وترسخ للمواطنة، والتعايش بين جميع الناس،

ويؤكد الغريب أن مبادئ وثيقة الاخوة الإنسانية جاءت كى ترسى مبدأ مهما من مبادئ الإسلام ألا وهو العدل، فقد تكررت الآيات القرآنية التى تأمر بالعدل بحيث يصبح حالة دائمة فى المجتمع الإنسانى ويتضمن بالإضافة إلى الحكم ورد الأمانات العدل مع الأعداء، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)، وليس الأمر بالعدل والالتزام به فرض بين المسلمين فقط، بل أمرالله المسلمين بالالتزام بهذه الفريضة مع أعدائهم، ونهى أن تكون العداوة سببا لميل المسلمين عن الحق، أو لظلمهم لغيرهم، فالظلم محرم حتى مع الأعداء (وَلَايَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) كذلك أكدت الوثيقة على حق الحرية، إذ يعبر هذا الحق عن إنسانية الإنسان وكرامته ومكانته بين المخلوقات، إذ أن الإنسان يولد ويموت حراً لا يمكن لأى إنسان أن يتحكم فى حريته التى وهبها الله سبحانه وتعالى إياه، وقد كان هذا التصور واضحاً لدى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو يقول: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وأصبحت تلك الكلمات شعاراً إنسانياً على مر الزمن، ولذلك جاء الإسلام والناس على أديان متعددة، فلم يفرض على أهل تلك الديانات ترك ما كانوا عليه بالقوة، بل عرض عليهم الحجج والدلائل على صدق ما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم من التوحيد، ونبذ الشرك، وتركهم بعد ذلك البيان أحرارا فى اختيارهم وقبولهم أو رفضهم للإسلام، (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

طباعة
الأبواب: كلام يهمنا
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg