| 14 نوفمبر 2019 م

سيناريوهات ما بعد البغدادى.. قتله لا يعنى نهاية التنظيم ولا الأفكار

  • | الجمعة, 1 نوفمبر, 2019
سيناريوهات ما بعد البغدادى.. قتله لا يعنى نهاية التنظيم ولا الأفكار

خبراء ومسئولون أمريكيون: يجب على (واشنطن) إنهاء وجودها العسكرى فى المنطقة.. وأن تصل حكومات قوية إلى السلطة تحارب الإرهاب وأيديولوجيته.. وتكافح الفقر والجهل وغياب العدالة الاجتماعية والفوضى

عواصم - وكالات

تأكد مقتل أبوبكر البغدادى، زعيم تنظيم «داعش» الإرهابى، بعد غارة أمريكية أنهت مسار زعيم دموى، وذلك بعد عملية استخباراتية يُفترض أن دولاً أخرى شاركت فيها.

الإنجاز الذى خصص الرئيس الأمريكى دونالد ترامب حيزاً كبيراً للتباهى به صفقت له دول كثيرة واعتبرته ضربة للتنظيم الإرهابى ونقطة تحول فى الحرب على الإرهاب، بينما شككت فيه روسيا وانتقصت إيران من حجمه، معتبرة أنه لا يعنى نهاية التنظيم ولا أفكاره «التى غذتها قوى إقليمية»، حسب وصف المتحدث باسم الحكومة الإيرانية على موقع تويتر.

فهل يعنى القضاء على زعيم «داعش» نهاية تنظيم بث الرعب والقتل والفوضى فى مناطق عراقية وسورية لسنوات ونشر خلاياه فى دول أخرى؟ أم أنها مجرد ضربة سيستوعبها التنظيم ويواصل نشاطه الإرهابى؟ وعلاوة على ذلك، كيف تؤثر السياسة التى ينتهجها الرئيس الأمريكى ترامب فى المنطقة على تنظيمات متطرفة كـ«داعش»؟.

مقتل زعيم إرهابى آخر.. هل ينهى الإرهاب فعلاً؟

مع نشر ترامب تغريدة غامضة على تويتر لا يقول فيها سوى إن «شيئاً كبيراً للغاية حدث للتو» خلق الجدل والترقب كالعادة، وإن ذهب متابعون إلى توقع أن خبر قتل زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» هو ما يقصده ترامب. إنجاز كان من المهم بالنسبة للرئيس الأمريكى أن يضاف لرصيده كرئيس بعدما نجح سلفه أوباما فى القضاء خلال ولايته الرئاسية على أسامة بن لادن، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة.

وبالفعل لم يُفوت ترامب، وهو يلقى كلمته بالمناسبة، فرصة التقليل من شأن قتل بن لادن مقابل التركيز على أهمية قتل البغدادى واعتبار ذلك «مفتاحاً لتحقيق السلام». إضافة إلى ذلك، تكتسى عملية قتل البغدادى فى هذا التوقيت أهمية بالنسبة لترامب المقبل على انتخابات فى ظل أزمة ما بات يعرف بـ«أوكرانيا غيت» التى قد تصل تداعياتها إلى حد العصف بمستقبله السياسى.

وإن جاء بـ«توابل ترامبية» إضافية، إلا أن مشهد إشادة ترامب بالمطلوب رقم واحد فى سوريا والعراق ذكَر بإشادة رئيس أمريكى سابق بمقتل مطلوب خطير آخر قبل أزيد من 13 سنة، عندما وصف الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش الابن مقتل زعيم تنظيم القاعدة فى العراق أبومصعب الزرقاوى بـ«الضربة القوية للتنظيم وبأنه انتصار مهم فى الحرب على الإرهاب».

غير أن ما حدث هو العكس: بعد سنوات من ذلك، وغير بعيد عن الرقعة التى كان ينشط فيها الزرقاوى، وُلد أكثر تنظيمات الشرق الأوسط دموية فى العصر الحديث. تنظيم «الدولة الإسلامية فى العراق والشام» الذى تزايد نفوذه بشكل سريع واستولى على أراض كثيرة ونشر فيها القتل والاغتصاب والتشريد ليتحول إلى تنظيم أكبر اختار له اسم «الدولة الإسلامية».

وهكذا بدا الإرهاب الذى يُعلن فى كل مرة عن إلحاق ضربة قوية به، أقوى من ذى قبل. انبثق من جماعة الزرقاوى نفسها وتجسد فى تنظيم منظم ومسلح جيدا، متمكن من أساليب التكنولوجيا والتواصل والحملات الدعائية لينجح فى بث الرعب كما لم تفعل جماعة أخرى قبله. فأى تأثير فعلى لمقتل البغدادى على تنظيم «الدولة الإسلامية» الإرهابى؟

وما مصير «داعش» بعد وفاة خليفته؟

يقول الدكتور عبدالعزيز أغنية، الخبير فى شئون الجماعات الإرهابية فى حوار مع dw عربية، إن التنظيمات المتطرفة خاصة الدينية منها «لا تتأثر كثيراً للأسف بفقدان زعمائها، هى تصاب بنوع من الخيبة لوقت معين لكن ما تلبث أن تعيد ترتيب أوراقها وتركيب نفسها من جديد وبشكل سريع جدا». ويعطى الخبير الليبى مثالا ملموسا عن ذلك بتنظيم القاعدة قائلا: «رأينا كيف أن تنظيم القاعدة لم ينته بوفاة أسامة بن لادن ومازالت خلاياه نشيطة فى أكثر من منطقة منها ليبيا واليمن ومصر وغيرها».

لكن المحلل السياسى الدكتور غيدو شتاينبيرج من المعهد الألمانى للشئون الدولية والأمنية، يرى تأثيرا لمقتل البغدادى على التنظيم «فقد كان شخصا مهما جدا لداعش. قاد التنظيم منذ 2010 وعندما كان على رأسه كان لديه أقل من ألف مقاتل. بعد أربع سنوات أسس ما يشبه دولة فى العراق وسوريا»، وبالتالى «سيكون من الصعب إيجاد بديل للبغدادى فى الشهور أو السنوات المقبلة، يكون بحجم تحمسه أيديولوجياً وتنظيمه وعنفه... التنظيم سيضعف لكنه مازال ليس فقط فى العراق وسوريا بل فى كل أنحاء العالم الإسلامى»، كما يقول شتاينبيرج فى مقابلة مع dw.

تأثير سياسة ترامب على مكافحة الإرهاب

المنطقة التى قُتل فيها البغدادى تشهد توترا متصاعدا واستعراض عضلات بين قوى إقليمية ودولية كتركيا وروسيا والولايات المتحدة نفسها فى مشهد يزيد من تعقيد الخريطة السورية. وغير بعيد عن المكان الذى قُتل فيه الزعيم المتطرف، يفترض أن المئات من مقاتليه الذين كانوا أسرى لدى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فروا عقب الهجوم الذى شنته تركيا على مناطق شمال شرق سوريا. وهو ما يعتبره البعض أول نتيجة ملموسة لقرار واشنطن الانسحاب من المشهد السورى، وإن كان ذلك على حساب «قسد» الحليف القوى الذى يحسب له حسر نفوذ التنظيم فى الشمال السورى وتُرك وحيدا فى مواجهة الهجوم التركى.

وبالعودة إلى الحماس والفخر الذى تحدث بهما ترامب عن عملية قتل البغدادى وإمعانه فى تفاصيلها، لا يعلم أحد كيف سيتم التعامل مع بقايا التنظيم فى سوريا مع قرار واشنطن سحب قواتها من المنطقة رغم كل المخاوف والانتقادات للقرار المنسجم مع الموقف المعروف لترامب برغبته الانسحاب «من الحروب السخيفة التى لا تنتهى»، حسب تعبيره. فكيف سيؤثر هذا على نشاط ونفوذ الجماعات المتطرفة فى المنطقة؟.

أبو بكر البغدادى.. قصة مطاردة طويلة!

يقول الخبير الليبى عبدالعزيز أغنية إن الوجود الأمريكى والأجنبى عموما فى دول الشرق الأوسط يعتبر سببا أو ذريعة بالنسبة للتنظيمات المتطرفة للقتال ولإضفاء شرعية عليها لدى أنصارها ونرى هذا فى أفغانستان. طالبان مثلا تستمد شعبيتها على مستوى الداخل من الوجود الأجنبى على الأراضى الأفغانية». ورغم ذلك لا يرى أغنية أن الحل يكمن فى الانسحاب. ويشرح ذلك بالقول: «ترامب أعلن منذ البداية صرامة إزاء التنظيمات المتطرفة، لكن الولايات المتحدة لم تبدأ مهمة وأنهتها بل تدخل وتترك كل شىء مفتوحاً».

ويتابع الخبير الليبى: «يجب عليها (واشنطن) إنهاء المهمة التى بدأتها سواء فى أفغانستان أو العراق والآن سوريا. أما الحل الشامل فسيكون حلا محليا. يجب أن تصل حكومات قوية إلى السلطة فى هذه المناطق تحارب الإرهاب عن طريق محاربة أيديولوجيته أولا، ومكافحة العوامل التى تشجع ظهور وتنامى نفوذ هذه التنظيمات كالفقر والجهل وغياب العدالة الاجتماعية والفوضى».

سيناريوهات أمريكية

من جانبه، يرى شتاينبيرج أن الإدارة الأمريكية الحالية ملتزمة بمحاربة الإرهاب، «لكنها ملتزمة أيضاً بالانسحاب ليس فقط من سوريا بل من المنطقة ككل من أجل إعادة توجيه نفوذها فى اتجاه آسيا. وهذا سيعنى طبعا إضعاف الحرب على الإرهاب». وفيما يتعلق بمستقبل تنظيم «الدولة الإسلامية» فى سوريا تحديدا على ضوء هذه السياسة يقول شتاينبيرج: «من الواضح أن الأسد كسب الحرب الأهلية فى سوريا، ولكنه يحتاج إلى مزيد من الوقت لبسط سيطرته فعليا على كل مناطق البلاد، لذا أعتقد أن الحرب ستمتد لسنوات إضافية أخرى وسيبقى تنظيم «الدولة الإسلامية» فاعلا فى هذه الحرب».

رغم تصريحات من كبار المسئولين الأمريكيين بأن قتل أبوبكر البغدادى، زعيم «داعش»، يعتبر خطوة مهمة فى نهاية التنظيم، قال خبراء أمريكيون إن خطر «داعش» يظل مستمراً.

وكان وزير الدفاع، مارك إسبر، من بين كبار المسئولين فى الإدارة الذين أشادوا بالعملية، وقال إنها «دليل على أن الولايات المتحدة تظل مصممة على القضاء على الجماعة المسلحة». وأضاف، فى مقابلة تليفزيونية: «الشىء المهم هو الاحتفال بحقيقة أن رئيس ومؤسس (داعش) قد مات. لقد حصلنا عليه. وهذا يدل على التزامنا بالهزيمة الدائمة لـ(داعش)».

لكن جاء قتل البغدادى وسط تصريحات خبراء أمريكيين عن قلق متزايد، من أن تقلص الوجود العسكرى للولايات المتحدة فى المنطقة، وتخفيضات فى ميزانية البنتاجون والهيئات المدنية فى بند إعادة الإعمار، يقوض هذا الالتزام فى هذا الجزء من العالم.

وقال سيث جونز، المستشار السابق لقيادة العمليات الخاصة، إن الولايات المتحدة: «عليها أن تختار بين دعم مباشر، أو غير مباشر، للحكومة السورية لاستعادة أراضيها فى مواجهة بقايا (داعش)، أو دعم التنظيمات المحلية (مثل الحلفاء الأكراد) لمواجهة هذه البقايا».

وأضاف جونز، وهو الآن خبير فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (سى إس آى إيه)، فى واشنطن: «المشكلة هى أن الولايات المتحدة قررت فى الوقت الراهن ألا تفعل شيئاً؛ لكن لن يحل هذا المشكلة».

وقال ويليام فيشلر، مساعد وزير الدفاع للعمليات الخاصة فى إدارة الرئيس باراك أوباما، والآن هو خبير فى مركز «أتلانتيك» فى واشنطن: «ترامب محق فى أنه يأمل فى وجود كيان آخر مستعد وقادر» على الاضطلاع بمهمة القضاء نهائياً على «داعش». وأضاف فيشلر: «لكن لا يوجد كيان آخر فى المنطقة يمكن أن يفعل ذلك. لو كان هناك مثل هذا الكيان، لما ظهر (داعش) فى المقام الأول».

وأشار فيشلر إلى أن غياب مثل هذا الكيان هو الذى فتح الباب أمام تدخل روسيا، وزيادة دورها فى المنطقة، على حساب الولايات المتحدة.

وقال روبرت أوبراين، مستشار الأمن فى البيت الأبيض، إن روسيا «ليست حليفة حقيقية لنا. والرئيس لا يعتقد ذلك. وأنا لا أعتقد ذلك»؛ لكنه أضاف: «عندما تتداخل مصالحنا مع روسيا، فلا يوجد سبب يمنعنا من العمل معها».

وقال مارك بوليميربولس، وهو خبير سابق فى وكالة الاستخبارات المركزية (سى آى إيه) فى قسم الحرب ضد الإرهاب: «نحتاج لشهور، إن ليس لسنوات، لنقدر على بسط نفوذنا فى المنطقة. وعلى معرفة خباياها وأسرارها (مثل مكان أبوبكر البغدادى). طبعاً نقدر على تجميع التقارير من حلفائنا، ومن مصادرنا البشرية، ومن المعدات والتكنولوجيا الاستخباراتية؛ لكن يستغرق ذلك وقتاً طويلاً، ويحتاج إلى صبر وتأنٍّ».

وقال بوليميربولس عن قتل البغدادى: «إنه يوم عظيم؛ لكنه أيضاً يوم تذكير واضح بأننا نحتاج فعلاً إلى البقاء فى سوريا، حتى بأعداد صغيرة، طالما ظل (داعش) يمثل تهديداً».

ووافق على ذلك دانييل هوفمان، وهو ضابط سابق فى قسم مكافحة الإرهاب فى «سى آى إيه»، وقال: «يجب أن تبحث عن شركاء، مثل الأكراد؛ لكن إذا لم يكن هناك أشخاص نتعاون معهم، فيصعب جمع المعلومات الاستخبارية. تظل الوسائل البشرية هى العمود الفقرى للقيام بهذا النوع من الهجمات».

واختلف الخبراء حول سرعة «داعش» فى تعيين قيادته بعد قتل البغدادى. وقال بعضهم إنه لن يختفى نهائياً أبداً. وقال نيك راسموسن، وهو رئيس سابق للمركز الوطنى لمكافحة الإرهاب: «هذه ليست بأى حال من الأحوال نهاية القصة».

طباعة
الأبواب: متابعات
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg