| 25 أغسطس 2019 م

أراء و أفكار

د.عمار على حسن.. يكتب: التسامح فى التاريخ العربى الإسلامى

  • | الأحد, 26 مايو, 2019
د.عمار على حسن.. يكتب: التسامح فى التاريخ العربى الإسلامى
د. عمار علي حسن

ارتبط التسامح فى النص الإسلامى المؤسس (القرآن الكريم) بقيم مثل الرفق الذى هو ضد الحمق والخرق والعنف، وكذلك الحلم، الذى يعنى الوعى بحالات الضغف التى تنتاب الإنسان والصبر عليها، وأيضاً العفو وهو الاستعداد للتنازل عن الحق الشخصى، وقبل كل هذا بالرحمة، التى هى القيمة المركزية للإٍسلام، ما يدل عليه مخاطبة الله - سبحانه وتعالى - للرسول الكريم قائلا له: «وإنك لعلى خلق عظيم».

وتجلت هذه المعانى فى الكثير من التصرفات التى أتى المؤرخون على ذكرها مثل «وثيقة المدينة»، التى أبرمها الرسول مع أهل يثرب بمن فيهم اليهود، وتعامله مع نصارى نجران، وتصرفات الخليفة الثانى عمر بن الخطاب المتمثلة فى «العهدة العمرية»، والتى كانت ثورة بمقاييس زمنها، وعقابه لابن والى مصر عمرو بن العاص حين ضرب صبياً قبطياً. وقد احتشدت عبقريات العقاد - على سبيل المثال - بكثير من هذه المعانى، وكذلك كتابات خالد محمد خالد عن الصحابة، وكتابات عبدالحليم محمود عن المتصوفة.

لكن قضية التسامح الدينى لم تتبلور نظرياً بشكل محدد المعالم إلا مع كتابات «إخوان الصفا»، حسبما يرى على خليل حمد فى كتابه «التسامح فى الفكر العربى»، حيث لم تشتمل رسائلهم على عبارة صريحة أو ضمنية تنطوى على تعصب لشعب على آخر، أو لأمة على أخرى. وينهض التسامح لديهم على مبدأين هما:

1- الأديان متماثلة فى حقائقها الإلهية، وإنما يقع الاختلاف فى الشرائع أو مناهج العمل والأوامر والنواهى، وهو اختلاف ينسجم مع اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال.

2- اكتساب الفرد لدين ما لم يقع باختياره، بل تم فى صغره وترسخ فى نفسه، بحيث عاد لا يستطيع الخروج عليه، ما يجعله غير مسئول عما لا يرضى الآخر عنه منه.

وتحدث «إخوان الصفا» عن التسامح المذهبى والقائم على عدة نقاط اختلاف، مثل اختلاف فى ألفاظ القرآن كالذى بين القراء، واختلاف فى المعانى مثل ما هو بين المفسرين، واختلاف فى أسرار الدين وحقائق معانيه الخفية كالذى بين المقلدين والمستبصرين، واختلاف فى الأئمة كالذى بين الشيعة، واختلاف فى أحكام الشريعة، وسنن الدين، كالذى بين الفقهاء.

لكن الفكر والفقه الإسلامى فيما بعد اعتبر أن المشكلة الأساسية لا تحل بـ«التسامح» إنما بـ«فتح باب الاجتهاد» فانشغلت العقول بهذا، ولم يخل انشغالها من معنى وسبب مقنع، نظراً لأن توقف الاجتهاد ساعد على بقاء كثير من الآراء التى تكرس التعصب، وتقلل من قيمة التحاور والتعارف، لاسيما فى ظل دخول العالم الإسلامى فى صراعات متواصلة بدءا بالصليبيين والمغول وانتهاء بالحركة الاستعمارية فى العصر الحديث.

وعاد العرب يطرحون القضية مع نهضتهم الحديثة فى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، فاشتبك المسيحيون العرب فى جدل حول نظرية داروين، ثم تدخل بعض المسلمين للدفاع عن الإسلام فى مواجهة مستشرقين وسياسيين تحدثوا عن حرية الضمير، وحرية تغيير الدين، وأخذوا على المسلمين مسألة حد الردة والجهاد وتهميش النساء - حسبما يرى رضوان السيد - ثم تحدث أمين الريحانى عن التساهل الدينى، ورأى أنه أساس التمدن، لأنه أطلق طاقة الفكر الجرىء فى كل مجال، وعزز سلطة الضمير، وقيد السلطة السياسية المتألهة، ومنح الحريات الفردية والعامة، وكتب أديب اسحق عن التعصب والتساهل، وكتب جمال الدين الأفغانى عن سالب التعصب، وقدم سليم البستانى وشبلى شميل العديد من الآراء التى التقطوها من الفكر الغربى فى هذا الصدد. وقد التف الأفغانى ومحمد عبده وخير الدين التونسى على المسألة على نحو اعتذارى قبل أن يميزوا مع الكواكبى بين تسامح سياسى يقبلونه، وبين تساهل دينى غير مقبول. وقد استفاض فرح أنطون فى تناول قضية فصل الدين عن السياسة.

وفى الوقت المعاصر أخذت قضية التسامح دفعة قوية بعد ترسيخ الدساتير والقوانين للمساواة، على المستوى النظرى، بين المواطنين فى الحقوق والواجبات، وتعزز قدرة المجتمع المدنى فى التأثير، وتبنيه لقضية «المواطنة»، والالتفات إلى ضرورة الحوار، على المستوى الداخلى بين الفئات والشرائح التى تشكل الدولة، وعلى المستوى الأكبر حيث حوار الحضارات.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg