| 21 سبتمبر 2019 م

أراء و أفكار

د.عمار على حسن .. يكتب: الرواية والتصوف (1 -4)

  • | الإثنين, 3 يونيو, 2019
د.عمار على حسن .. يكتب: الرواية والتصوف (1 -4)
د. عمار علي حسن

 

عاد التصوف منهلا للأدب العربى المعاصر، بل صار الحل المطروح لإخراح الناس من الظمأ الروحى والتردى الأخلاقى، لاسيما بعد انكشاف ما يسمى تيار «الإسلام السياسى». فالتصوف يمتلك القدرة على الخروج من هذه الدائرة المفرغة، ودفع الأمور قدما، لأن جوهره وبنيته وأفكاره وتاريخه يحمل سمات تساعد على هذا، ومنها:

أ -يمتلك التصوف ميراثا لغويا عميقا وجزلا، ينبو غالبا عن التفاصيل، ويرتفع فوق السياق الاجتماعى الذى أُنتج فيه، متجاوزا الزمان والمكان، بما يجعله قابلا للقراءة والتذوق والتفاعل معه من المختلفين فى الثقافات والأديان، وقد استفاد العبودى فى روايته من القاموس الصوفى، سواء بشكل مباشر، أو حين تأثر به وصنع لغته الخاصة.

كما يبدو التصوف أكثر رحابة أمام الدراسات الحديثة فى فروع مختلفة من الإنسانيات، سواء بالنسبة للجوانب المجردة والنظرية، أو من خلال الممارسات والتطبيقات. فثراء التصوف على مستوى الشكل والمضمون، والمحسوس والحدسى، أو البرهان والعرفان، يفتح الباب على مصراعيه أمام الدارسين، فى اللغة والأدب والفتون والفلسفة والاجتماع والأنثربولوجى وعلم النفس والسياسة والتاريخ وغيرها. وهذه مسألة ماثلة للأذهان وواضحة للعيان نضع أيدينا عليها إن طالعنا «ببلوجرافيا» التصوف والصوفية والمتصوفة، فى لغات عدة.

ب - يقوم التصوف على تجربة روحية خالصة، لا تقف عند الاختلافات التى تفرضها شرائع الأديان، بل تتجاوزها إلى البحث عن الحقيقة، دون أن يعنى ذلك التنصل من فروض وأحكام تلك الشرائع، لكنها لا تنظر إليها بوصفها نهاية المطاف من الدين والتدين بل هى مجرد وسائل لاستلهام الينابيع البعيدة للإيمان.

ج - ينطلق التصوف من الإلهى إلى الإنسانى، ولا يلزم نفسه بالإغراق فى التفاصيل والإجراءات التى يحفل بها الفقه واللاهوت والتقاليد والتدوينات الظاهرية لسير الأنبياء والصحابة والتابعين فى الإسلام، والحواريين والقديسين فى المسيحية، والأحبار والكهنة فى اليهودية. فمثل هذا هو ما فرق بين أتباع الأديان رغم وحدة أصلها ومنبعها، وفتح بابا وسيعا لطغيان البشرى على الإلهى، والتقول على الوحى، ونسب إليه ما ليس منه ولا فيه ولا عنه. ومن ثم لا يملك غير التصوف قدرة على تقريب المختلفين فى العقائد والمذاهب.

د - ينطوى التصوف على العديد من القيم العليا النبيلة التى يحتاج إليها الناس فى كل زمان ومكان، مثل المحبة والتسامح والرضاء، وهى تصلح أن تكون أحجارا قوية لبناء جسر متين بين أتباع الديانات والثقافات والحضارات، وهى قيم كان نص أدهم العبودى يأت على استعراض مظاهرها ولو بطريقة غير مباشرة، وهو ما يفرضه الفن.

ويمكننى فى هذا المضمار أن أقدم ثلاثة نماذج لتأثير التصوف والصوفية فى الأدب، من خلال ثلاث روايات، الأولى هى رواية «حكاية فخرانى» لمحمد موافى، والتى حضر فيها التصوف جنبا إلى جنب مع التاريخ واللغة أو البيان البازخ. ورواية «»حارس العشق الإلهى» لأدهم العبودى، التى تحتفى أيضاً باللغة وتصنع تاريخا موازيا إلى جانب بعدها الصوفى الظاهر. ورواية «كيميا» لوليد علاء الدين وهى عن المنسى والمأخوذ على جلال الدين الرومى.

(ونكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى)

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg