التراثُ ميراثُ الأمم؛ فإنَّ الأنبياءَ لم يُورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخَذَه أخذ بحظٍّ وافر، ولا يُبَدِّدُ ميراثَه إلا جاهلٌ أو مجنون، وهذا التراث نُعظِّمُه ونُقدِّرُه، ولا نُقدِّسُه، بل نُنزِّلُه منزلتَه اللائقةَ به من غير غُلُوٍّ ولا جَفاءٍ، ومن غيرِ إفراطٍ ولا تفريطٍ.
وعلى هذا سارت الأُمَّة قَوْلًا وعَمَلًا؛ فهناك نقولٌ كثيرةٌ تُؤكِّدُ عَدَمَ التقديسِ، وتدعو إلى ضَرُورةِ التجديدِ، ومن مأثورات أقوالِ العلماء:

      كلٌّ يُؤخَذ من قوله ويُترَك، إلا رسول الله.
      لم يجتمع الحقُّ في شخصٍ واحدٍ بعدَ رسولِ الله.
      الحقُّ لا يُعرَفُ بالرِّجَالِ.
      العلمُ بحرٌ لا ساحلَ له، وهو مُفرَّقٌ في الأُمَّةِ، موجودٌ لمن التَمَسَه.
      وغيرُ ذلك كثيرٌ.

وأمَّا عَمَليًّا فمن المتواترِ أنَّ أصحابَ الأئمَّةِ الفقهاءِ خالَفُوا شُيُوخَهم فيما ظَهَرَ لهم خطَؤُه، أو رُجحانُ غيرِه عليه، وما مخالفاتُ أبي يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني لأبي حنيفةَ منَّا ببعيدٍ.
والنماذجُ الدالَّةُ على هذا كثيرةٌ في تُراثنا التَّليدِ؛ فمنذ أن وُجِدَ الفقهُ كان الترجيحُ والاختيارُ، ومنذ أن وُجِدت المرويَّات كان نَقْدُها وتمحيصُها، فالتجديدُ كان ولا يَزالُ مُصاحِبًا للتراثِ؛ فالمشكلة بين التراثِ والحاضرِ مُفتَعَلةٌ، ولا مُستَنَدَ لها من عقلٍ أو نقلٍ.
والأزمةُ التي يعيشُها التجديدُ الآن: أنَّ بعضَ مَن يدعون إليه يُطلِقونه ويُريدون به التبديد، وكذا بعضُ مَن يُعارضونه هم في الواقع أصحابُ دعواتٍ تبديديَّة، وأعداءٌ للتجديد.

والتجديد الذي يُنادِي به الأزهر الشريف ويَتلمَّسُ سُبُلَ تحقيقِه، ينطلقُ من كتاب الله، وصحيحِ السنَّة، وصريح المعقول، ويُحافظ على الأصول، ويَبنِي عليها، ويَعرِفُ الثوابت، ويَستَمسِكُ بها، ويُدركُ المتغيِّرات، ويَلِين معها، وينفتحُ على الآخَرين؛ ليَفِيد ويَستَفِيد.

ومن أقبَحِ ما في التساهُل أنَّه يخلُق للتشدُّد، ومن أقبح ما في التشدُّد أنَّه يخلق تربةً خصبةً للتساهُل!
وعلاجُ هاتين الحالتين القبيحتين هو الوسطيَّةُ، والوسطيَّةُ وحدَها.
ورغم ما بذَلَه الأزهرُ على مدار تاريخِه الطويلِ من مُمارساتٍ وجهودٍ في التجديد مُتسلِّحًا بمنهجه الوسطي وتاريخه الطويل الذي يربو على ألف عام، وبكوكبةٍ من خِيرةِ الأئمَّةِ والعلماءِ، إلا أنَّ الأزهرَ رأى أهميَّةَ الدعوة لهذا المؤتمر الذي يَحضُرُه علماءُ الأمَّة وفقهاؤها ومُمثِّلو المدارس والمجامع الفقهية المُعتَبَرةِ من جميع أنحاء العالم؛ لإيمانِه الراسخ بضرورة وضعِ تعريفٍ دقيقٍ للتجديد، تنظيرًا وتطبيقًا، ولتيقُّنه أنَّه لا يمكن لشخصٍ أو هيئةٍ مُنفَرِدةٍ أن تَتَصدَّى لهذه المهمَّة الجليلة.

ومن هنا كانت ضرورةُ عقدِ هذا المؤتمر في هذا التوقيتِ؛ لإزالةِ الالتباسِ عن التجديدِ، يُجلِّي حقيقتَه، ويُوضِّحُ مُنطَلقاته، وليُعلن المؤتمرون فيه عن بدايةٍ جديدةٍ لإطلاقِ نَظَرِ المجتهدين في مختلف القضايا والمشكلات المعاصرة، والتي أحجَمَ كثيرون عن اقتحامها أو في أحسن الأحوال بالكاد لامَسُوا أطرافَها على خوفٍ واستحياء.

والله الهادي إلى سواء السبيل