30 مايو, 2016

بعد إقامتها في ألمانيا .. باحثة أزهرية: "الحكمة والموعظة الحسنة".. سلاحنا فى مواجهة "الإسلاموفوبيا"

بعد إقامتها في ألمانيا .. باحثة أزهرية: "الحكمة والموعظة الحسنة".. سلاحنا فى مواجهة "الإسلاموفوبيا"

-الحوار الجاد.. الدواء الناجع للعداء والكراهية بين الشعوب

-أسكن بالمقاطعة التى قتلت بها مروة الشربينى.. وتعرضت لمضايقات بسبب الحجاب

-محاضرات متواصلة للتعريف بالإسلام.. وترحيب ألمانى بالحوار

لا يتوقف دور خريجى الأزهر فى نشر رسالة الأزهر وتعاليمه بمجرد انتهائهم من المرحلة الجامعية بل يسهمون بحب وتفانٍ فى نشر وسطية الأزهر واعتداله ونبذ الغلو والتطرف والرد على تساؤلات المتشككين فى الإسلام لتوضيح الرؤية الإسلامية الصحيحة ونشرها فى جميع أنحاء العالم.. ومن هنا كان لنا هذا الحوار مع الشيماء شبايك باحثة الماجستير فى علم اللغة بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر قسم اللغة الألمانية، التى التحقت بعدد من الهيئات بألمانيا لتحسين الصورة السلبية عن الإسلام التى تسببت فيها الجماعات المتطرفة وسلوكيات بعض المسلمين التى لا تعبر عن الإسلام وتعاليمه السمحة.. من ذلك عملها التطوعى بمركز "التواصل بين الثقافة الأوروبية والشرقية" بهدف توعية تلاميذ المدارس حول الإسلام والمسلمين فى شرق ألمانيا، وإزالة الأحكام المسبقة لدى الطلاب والمدرسين الألمان تجاه المسلمين..

 

أجرت الحوار: هدير عبده

أنت خريجة جامعة الأزهر، وتتواجدين منذ فترة فى ألمانيا..  ما المراحل التى مررت بها حتى وصلت إلى ألمانيا؟

تخرجت فى كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، قسم اللغة الألمانية وآدابها.. وفى 2015م سجلت رسالة الماجستير بكلية اللغات والترجمة بعنوان "الاستخدام اللغوى الدينى لعرض الإسلام فى الكتب المدرسية بألمانيا. دراسة لغوية براجماتية من خلال نماذج مختارة". وبطبيعة الحال فإن كل إنسان يدرس لغة بلد ما، يرغب فى زيارة هذا البلد، وشاء الله أن أسافر لألمانيا بعد الانتهاء من مرحلة الدراسات العليا بالأزهر مع زوجي، الذى يعمل مدرسا مساعدا بقسم الدراسات الإسلامية بكلية اللغات والترجمة، ويكتب حاليا رسالة الدكتوراه بألمانيا.

كيف كانت الفترة الأولى لك فى ألمانيا؟ وما الصعوبات التى واجهتك؟

المدينة التى نسكن بها تقع فى شرق ألمانيا بمقاطعة ساكسونيا، واشتهرت للأسف بالعداء للأجانب، لاسيما المسلمين منهم، وتقع فى هذه المقاطعة مدينة درسدن، التى قتلت فيها الصيدلانية المصرية مروة الشربينى عام 2009م على يد أحد المتطرفين الألمان، ونشأت كذلك فى هذه المقاطعة منذ ما يقرب من عامين حركات مثل بيجيدا، وهى كلمة مختصرة تعنى "أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب".. وبحكم أننى محجبة، وبالتالى مسلمة، فكنت أجد أحيانا مضايقات من قبل البعض فى الشارع، وبعض النظرات الحادة فى المواصلات العامة، وفى كل الأحوال كان رد فعلى على هذه الأمور يتغير على حسب الموقف، أذكر مثلا أن سيدة ألمانية قالت لى ذات يوم ونحن فى انتظار إشارة المرور "نحن لا نريدكم فى وطننا، ولا نود رؤيتكم فى شوارعنا"، ثم شتمتنى وانصرفت، لم يكن يسعفنى الوقت للحديث معها، ومحاورتها بالحسنى، لسببين، الأول هو أنها تخطت حدود اللياقة، والثانى لأنها لم تكن على استعداد للوقوف لتسمع منى، لذا قلت لها أثناء انصرافها "يجدر بك ألا تخرجي من بيتك بعد اليوم حتى لا تشاهدى أمثالى فى الشارع". ومقابل هذه الأمثلة السيئة، هناك أمثلة كثيرة جيدة ومنفتحة على الآخر ومتسامحة معه، لكنها مع ذلك تحتاج للتحاور ومعرفة الآخر ودينه وثقافته.

نعود لموضوع الماجستير.. هل يمكن شرح مضمون الرسالة بشكل مختصر؟

فى الفترة من 2012م الى 2014م، وبحكم تحدثى بالألمانية، عملت فى روضة بالجامعة الألمانية بالقاهرة، اكتسبت من خلال عملى الطرق التربوية للتعامل مع الأطفال، مما ساعدنى فى التعامل مع عالم الأطفال والنشء المسلم؛ لذا حين قدمت لألمانيا نهاية 2014م بحثت عن أقرب مركز إسلامى عربي، وتم اختيارى كمعلمة للأطفال والشباب، فبدأت أعلمهم اللغة العربية وبعض أمور الدين، ومن خلال احتكاكى معهم وجدت عقليتهم تختلف بعض الشيء عما نعايشه فى مصر مع الأطفال، هنا يفكر الأطفال بشكل أكثر نقدية، وتقريبا ينقدون كل شيء، حتى أمور الدين لا تسلم من التفكير فيها ونقدها، فمثلا وجدت طفلا فى العاشرة يسألنى ذات يوم: لماذا نقتل "الفأرة"، والآخر يسأل "لماذا حرم الله علينا أكل لحم الخنزير، مع أن زملاءنا فى المدارس يأكلونه؟"، وفتاة تعترض على كثرة الأوامر والقوانين والتضييقات- على حسب وصفها- التى وضعها الدين الإسلامي، هذه الأمثلة وغيرها، جعلتنى أفكر فى المصادر التى يستقى منها الأطفال والشباب معلوماتهم عن الإسلام، وهى بطبيعة الحال المسجد، والبيت، والمدرسة، أو دائرة الأصدقاء، ومن هنا جاءتنى فكرة موضوع الماجستير الذى أكتبه اليوم من ألمانيا لمصر، والتى تطرح السؤال البحثى: ما الدور الذى تلعبه اللغة فى نقل المضامين الدينية عبر الكتاب المدرسي؟ حيث يتمحور موضوع الدراسة حول بحث اللغة الدينية المستخدمة فى الكتاب المدرسى لعرض مضمون الدين الإسلامي، وعليه سيتم اختيار نماذج من كتب التربية الدينية الإسلامية بألمانيا وتحليلها لغويا، ثم مقارنتها بنماذج مشابهة من فصل الإسلام فى كتاب التاريخ وكتاب الأخلاق لنفس المرحلة العمرية.

هل نفهم من هذا أن مادة التربية الدينية الإسلامية تدرس فى المدارس الحكومية بألمانيا؟

الإسلام كدين، والمسلمون كجماعة دينية، يعيشون فى ألمانيا، وفقا للمادة 4 من القانون الأساسى للبلاد، التى تتيح للجميع ممارسة شعائر الدين، وكذلك الفقرة رقم 3 من المادة السابعة بالدستور، والتى تنص على أن دروس التربية الدينية مادة تعليمية أساسية فى المدارس الحكومية، وبما أن الجالية المسلمة لم تستطع بعد تكوين هيئة واحدة تمثلهم أمام السلطات والقانون، لم تنجح الجالية المسلمة بألمانيا فى الحصول على الاعترف الذى تتمتع به الجماعة المسيحية واليهودية مثلا، وهو الاعتراف بالإسلام كدين على مستوى الدولة، وبالمسلمين كجماعة دينية تتمتع بالحق العام، الذى يتيح لهم مثلا إنشاء دار مسنين أو روضة أو مدرسة دينية على غرار المدارس التى ترعاها الكنيسة، أو تدريس مادة التربية الدينية بالمدارس الحكومية مثل تدريس مادة الدين المسيحي، فى الوقت الحالى يحصل الطلاب المسلمون على مادة التربية الدينية فى معظم مدارس ألمانيا من خلال حصة مدرسية مشتركة لكل الأديان، تسمى أحيانا مادة الأخلاق والقيم، أو مادة التربية الدينية، حيث يتم تدريس الأديان الكبرى مثل اليهودية والمسيحية والإسلام، ولكن هناك تطور حدث فى السنوات الأخيرة، وهو أن مادة التربية الدينية الإسلامية بدأ تدريسها كمادة مستقلة يحضرها التلاميذ المسلمون، وتعين الدولة لهم مدرسا مسلما، حتى الكتاب المدرسى الخاص بمادة التربية الدينية وضعه المسلمون بأنفسهم فى هذه المقاطعات مثل مقاطعة شمال الراين ونيدر زاكسن.

وماذا عن حال المسلمين فى مقاطعة زاكسن التى تعيشين بها؟

يتميز شرق ألمانيا بكثرة الوجود الإسلامى، فلدينا اليوم أكثر من مسجد فى كل مدينة كبيرة، كما زاد عدد المسلمين بشكل ملحوظ فى السنوات الثلاث الماضية بسبب لجوء بعض الناس من سوريا والعراق إلى ألمانيا، وقد زاد كذلك عدد المناسبات والمنابر التى يستطيع المسلمون من خلالها التعبير عن دينهم وثقافتهم، وبفضل وجود جامعة لايبتزج العريقة بهذه المقاطعة، استطاع البعض تكوين بعض الجمعيات الأهلية، ومدارس تعليم اللغة العربية، ومنتديات للحوار بين المسلمين وغيرهم، وحوارنا كمسلمين فى الشرق لابد أن يمر من وجهة نظرى بمرحلتين: الأولى هى تحييد الطرف الآخر تجاه المسلمين، بمعنى نقله من مستوى العداء والكراهية والمناهضة لمستوى الحياد، المستوى الثانى هو مستوى التعريف بديننا وثقافتنا، التى تحترم أيضا دينه وثقافته، وأعتقد أن هذا المستوى حاضر بقوة هذه الفترة، فهناك كثير من الشرقيين يرغبون فى معرفة المزيد عن الإسلام والثقافة العربية، ليس فقط من باب المعلومة، لكن أيضا من باب حسن فهم العرب والمسلمين الذين يسكنون بجوارهم، كنت على سبيل المثال الأسبوع قبل الماضى فى لقاء بالمحكمة الإدارية الاتحادية بمدينة لايبتزج، تلبية لدعوة من الدكتورة القاضية فراو فون هايمبورج، وذلك للحديث والتعرف عن بعض الأمور الخاصة بحياة العرب والمسلمين فى أوطانهم، وللإجابة عن بعض الأسئلة التى تقابلها فى عملها التطوعى الذى تؤديه فى توعية اللاجئين بالجانب القانوني، ورغم المكانة المرموقة والمنصب الذى تشغله هذه القاضية وجدت أنها ينقصها معلومات أولية عن الإسلام كدين، ربما لأنها لم تكن بحاجة لمعرفة ذلك من قبل، وربما لأن مصادر المعرفة عن الإسلام والمسلمين قليلة أو مشوهة.

وما الأمور الأخرى التى تقومين بها بجوار التعريف بالثقافة العربية والإسلامية؟

أستغل منذ فترة تطبيق الجزء العملى من رسالة الماجستير من خلال عملى التطوعى بمركز "التواصل بين الثقافة الأوروبية والشرقية"، وذلك ضمن فريق ألمانى مكون من باحثين من مجال الدراسات الدينية واللغوية والحضارية، وذلك فى مشروع يهدف إلى توعية تلاميذ المدارس بموضوع الإسلام والمسلمين فى شرق ألمانيا، ومن أهدافه كذلك إزالة الأحكام المسبقة لدى الطلاب والمدرسين الألمان تجاه المسلمين، وكذلك نشر ثقافة الاختلاف والتسامح والانفتاح بين كل الطلاب داخل المدارس، هذا المشروع تشرف عليه الوزارة الاتحادية للأسرة والمسنين والنساء والشباب، وتوصياته سترفع للوزارة ليتم مراعاتها بعد ذلك فى المادة التعليمية، بالإضافة إلى الجزء البحثى يقوم فريقنا بعمل مرافقة لطلاب المدارس لزيارة بعض المساجد بالمدينة، والتعرف على فكرة ما يسمى بالأكل الحلال للمسلمين، وذلك من خلال زيارة بعض المحلات العربية، كما أننا نقوم بعمل معرض بمختلف مدارس المدينة، نعرض فيه بعض المعلومات والصور عن حياة المسلمين الذين يقطنون شرق البلاد، وفى نهاية العام يخرج كتاب فيه خلاصة ما قمنا به طوال العام.

ما خطتك المستقبلية فى مجال التعريف بالثقافة العربية والإسلامية؟

- من خلال الفترة الماضية توصلت إلى أن كل عداء وكراهية وسوء فهم بين الشعوب يزول بسرعة حين يبدأ الحوار الجاد، وقد تعلمنا من إسلامنا طرق الحوار "الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هى أحسن"، وهذا ما يجب أن نستخدمه فى مواجهة ظاهرة الاسلاموفوبيا.. والجميل هنا فى ألمانيا أن الناس يسمعون من بعضهم البعض، والحوار قائم فى كل وقت؛ لذلك سأكثف جهدى فى المرحلة القادمة على مواصلة المحاضرات التعريفية بالثقافة العربية والإسلامية؛ فهناك شركاء كثر يرحبون بالحوار هنا، وهناك حلقات نقاشية كثيرة يشارك فيها الجميع من الحضارات والأديان المختلفة، وكذلك إقامة ورش عمل بالمدارس للتعريف بالثقافة العربية والإسلامية، وهذا له إيجابيات كثيرة، منها الحديث المباشر مع طلاب المدارس باعتبارهم جيلا هاما فى البلاد، وإزالة المخاوف والأحكام المسبقة التى تكونت لديهم من الإعلام أو من محيط الأسرة، وهذا الحوار مع جيل الطلاب يجعلنا نتفادى الاحتكاك الذى يتم أحيانا بين الطلاب على أساس الاختلاف العرقى أو الديني، كما أفكر فى تنظيم ملتقى ثقافى عربى إسلامى للجاليات المسلمة، يجتمع فيه الجميع لمناقشة الموضوعات الهامة التى تقابل المسلمين فى الغرب.

 

 

 

 

 

قراءة (4911)/تعليقات (0)

كلمات دالة: