24 سبتمبر, 2023

الهجرة غير الشرعية.. قراءة في الأبعاد والرؤى

الهجرة غير الشرعية.. قراءة في الأبعاد والرؤى

    الهجرة قضية قديمة ومتجددة في الوقت نفسه، فقد عرفت البشرية الهجرة مبكرًا وتحديدًا مع بداية وجود الإنسان على الأرض؛ حيث انتقل الأفراد والجماعات من مكان إلى آخر بحثًا عن ظروف معيشيَّة أفضل، أو هربًا من مخاطر تهدد السلامة، أو كليهما معًا. ومع ازدياد أعداد السكان، وظهور الدولة الحديثة بمفهومها الحديث، اتخذت حركة التنقلات بين الدول شكلًا أكثر انضباطًا يراعي القوانين الوطنية، والدولية ذات الصلة.

وهي أيضًا قضية جديدة أو متجددة؛ لأنها تبقى بشكلها الشرعي، أو القانوني ضرورة عالمية، فالبلدان في حاجة إلى بعضها بعضًا، فليس هناك دولة مهما بلغت قوتها في معزل عن بقية دول العالم خاصة ونحن نشهد قفزات نوعية في مجال الاتصالات، والرقمنة. والمهتم بدراسة حركات الهجرة، ورصد أحوال المهاجرين، سوف يضع يدرك حقيقة أن الحكومات لا تواجه أزمة مع الهجرة القانونية أو الشرعية، وإنما الأزمة التي تؤرق العالم الحالي هي تداعيات ومشكلات الهجرات غير الشرعية.

مفهوم الهجرة غير الشرعية:

تتباين تعريفات الهجرة غير الشرعية وفقًا للمنظور، فهي من وجهة نظر دولة المنشأ تنطوي على مخالفة اللوائح، والقوانين، وذلك مثل قيام المهاجر بعبور الحدود دون جواز سفر، أو وثائق سفر صالحة، أو غير مستوفية للشروط القانونية، والإدارية ذات الصلة. أما من وجهة نظر الدولة المستقبلة، أو دولة المقصد، فهي تنطوي على الدخول، أو الإقامة، أو العمل بصورة غير قانونية في البلاد.

وطبقًا لتعريف منظمة العمل الدولية (ILO)، فالمقصود بها الهجرة التي تتم خارج القواعد والقوانين المنظمة لها، لذلك فإن المهاجرين غير الشرعيين، طبقًا لتعريف المنظمة، هم: "المخالفون للشروط التي تحددها الاتفاقيات والقوانين الوطنية المحلية، وهم أيضًا الأشخاص الذين رُخص لهم العمل بموجب عقد، ثم يخالفون هذا العقد، وهم أيضًا الأشخاص الذين يدخلون إقليم دولة ما بصفة قانونية، ثم يقيمون فيها تجاوزًا للقانون". ومن الناحية القانونية يُقصد بالهجرة غير الشرعية عملية الدخول، والخروج غير القانوني من، وإلى إقليم أي دولة من قبل أفراد، أو جماعات من غير الأماكن المحددة لذلك، أو من غير المنافذ الشرعية المخصصة لذلك، أو من منفذ شرعي لكن باستخدام وثائق مزورة. ([1])

لذلك يمكن القول: إن الهجرة غير الشرعية من أكثر الظواهر الإنسانية المعقدة! إذ إنها تشكل أعباء أمنية، واقتصادية على الدول المصدرة، والمستقبلة معًا، إضافة إلى الأعباء الاجتماعية، مما دعا الدول إلى تقنين الهجرة ضمن أطر قانونية، وشرعية. ولعل من أشهر موجات الهجرة هي الهجرة من دول شمال أفريقيا إلى أوروبا بحثًا عن مستويات معيشيَّة أفضل.

البعد التاريخي للظاهرة:

خرجت أوروبا من أنقاض الحرب العالمية الثانية تنفض غبار الدمار والخراب، وتتطلع إلى إعادة ترميم وتأهيل ما تبقى. من ثم برزت الحاجة لاستيراد الأيدي العاملة (طبقًا لمشروع مارشال الذي كان يهدُف إلى إعادة ما دمرته الحرب العالمية الثانية بتمويل أمريكي). ووجدت ما تبحث عنه في بلدان الشرق الأوسط، وفتحت أبواب الهجرة الشرعية لتلبية احتياجاتها من الأيدي العاملة وذلك حتى العام 1974م؛ حيث عانت أوروبا من أول أزماتها الاقتصادية، نتيجة انهيار سوق الأوراق المالية، وما تبعه من زيادة معدلات الركود، وانخفاض في الناتج المحلي لبريطانيا، والدول الصناعية الكبرى. الأمر الذي استدعى إجراء تعديلات جذرية على قوانين الهجرة، وهو ما كان سببًا في ظهور قضية الهجرات غير الشرعية، ومراحل تطورها المختلفة إلى أن أصبح يُطلق عليها مؤخرًا مشكلة القرن، بعد أن باتت تؤرق معظم الدول سواء كانت دول مصدرة، أو مستقبلة، أو دول عبور. ويمكن تقسيم مراحل تطور الهجرة إلى أوروبا تاريخيًّا إلى (٣) مراحل، وهي:

  1. المرحلة الأولى: وتمتد من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى العام 1974م. وتميزت هذه الفترة بحاجة أوروبا الملحة إلى الأيدي العاملة الأجنبية، وكانت دول غرب أوروبا أحد الأهداف المفضلة عند المهاجرين خاصة فرنسا التي استقدمت الأيدي العاملة من دول المغرب العربي، وألمانيا التي استقدمت المهاجرين إليها من تركيا. وجرت في تلك الفترة في هاتيْن الدولتيْن أعمال الترميم، ومن ثمَّ شجعت دول غرب أوروبا قدوم العمَّال الأجانب إليها.
  2. المرحلة الثانية: في الفترة بين (1975- 1995م). وقد غلب عليها تصاعد وتيرة الاحتكاكات بين المهاجرين، والسكان الأصليين، خصوصًا خلال، وفي أعقاب الأزمات الاقتصادية، مما كان سببًا في بداية ظهور عزلة المهاجرين الاجتماعية عن السكان الأصليين؛ لذلك فُرضت إجراءات احترازية ضد الهجرة إلى أوروبا من خارجها، خاصة مع دخول اتفاقية "شنجن" حيز التنفيذ بين دول فرنسا، وألمانيا، وهولندا، ولكسمبورج عام 1985م.
  3. المرحلة الثالثة: وتبدأ من العام 1995م وحتى الآن، بما تحتويه من أحداث هامة مثل أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م. وفيها تحولت الهجرة غير الشرعية نتيجة الأزمات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تمر بها منطقة الشرق المتوسط، وشمال أفريقيا إلى أزمة تؤرق العالم الأوربي. لذلك لم يكن من المستغرب أن تزداد القيود الأوروبية على الهجرات غير الشرعية، خاصة بعد تفجيرات باريس، ومدريد، ولندن، إضافة إلى الصعود السياسي لليمين المتطرف في أوروبا، وترويجه لشائعات حول الهجرة، من بينها "أن الهجرة غير الشرعية هي مصدر الهجمات الإرهابية في الداخل الأوروبي، كما أنها تلعب دورًا بارزًا في تعميق الأزمات الاقتصادية، والأمنية لأوروبا".

البعد الأمني:

يتداخل البعد الأمني لظاهرة الهجرة غير الشرعية مع الكثير من مناحي الحياة، للدول المصدرة والمستهدفة بالهجرة على السواء. على سبيل المثال مصر كدولة مصدرة تخشى من النمو المتزايد لأعداد المهاجرين غير الشرعيين، والذي يؤدي في النهاية إلى تكوين أقليات، وتكتلات يسهل توجيهها ضد الدولة، أو تشويه إنجازاتها في مجال معين، أو ترويج أكاذيب أو صور مغلوطة عنها في المجتمعات الهدف. كما تنظر السلطات المصرية بعين الاعتبار إلى أن أكثر من (٩٥٪) من المهاجرين غير الشرعيين هم من الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين (18- 35) عامًا، الأمر الذي يسهم في تنامي ظاهرة الزواج من الأجنبيات، وهذا بدوره يؤدي إلى ظهور مشكلات تتعلق بنسب الأطفال، وظهور أجيال من الشباب فاقدي الهوية، والانتماء الوطني ([2]).

وبشكل عام، تخشى الدولة المُصدرة للهجرة من تعرض المهاجرين لعمليات نصب، واحتيال من جانب المهربين، فغالبًا ما يقع المهاجرون فريسة سهلة في أيدي عصابات الاتجار بالبشر. وعلى الرغم من الاختلاف بين تهريب المهاجرين، والاتجار بالبشر، فإن قضية تهريب المهاجرين من الممكن أن تتحول إلى قضية اتجار بالبشر، وقد يصبح المهاجرون الذين تمَّ استغلالهم في أية مرحلة من مراحل عملية التهريب ضحايا للاتجار بالبشر، وهو ما يوجب على الدولة إعادة تأهيلهم من جديد. كذلك تخشى الدول المُصدرة للهجرة غير الشرعية بشكل عام من سوء استغلال هؤلاء المهاجرين الذين تدفعهم ظروف الإقامة غير الشرعية إلى التورط في أعمال إجرامية، يتم التخطيط لها من قبل شبكات الجريمة المنظمة (كالمافيا في إيطاليا)، أو التورط في أعمال عنف، وإرهاب من جانب التنظيمات الإرهابية (كداعش).

أيضًا تخشى الدولة المُصدرة للهجرة من تزايد عمليات تسهيل الهجرة غير الشرعية، مما يؤدي ذلك إلى حدوث ندرة في المهارات، والكفاءات المتميزة التي تحتاجها الدولة في مراحل البناء والتنمية، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأجور بشكل مبالغ فيه للعمال والحرفيين الموجودين، وارتفاع التكلفة الإجمالية للسلع، والمنتجات، الأمر الذي يؤثر في النهاية على حجم الإنتاج، والناتج الإجمالي ([3]).

أما فيما يتعلق بدولة المقصد، فإن الوجود غير الشرعي للأجانب في أوروبا أصبح مصدرًا للتهديدات الأمنية؛ وذلك لأن المهاجر غير الشرعي لا يحمل أوراقًا ثبوتية، مما يعني أنَّه في حالة ارتكابه لجريمة ما، فلن يتم التعرف عليه، وتوقيفه للمساءلة القانونية، ومن ثمَّ يساعد ذلك على تفشي المشكلات الأمنية في أوروبا. وفي أعقاب الهجمات الإرهابية التي شهدتها أوروبا نجد أنه غالبًا ما يتم الربط بين الهجمات والمهاجرين غير الشرعيين، والترويج بأنهم مرتكبو هذه الهجمات.

وإذا ما نظرنا إلى إيطاليا كأكبر دولة أوروبية واقعة على خط الهجرة عبر البحر المتوسط، نجد أنها كثيرًا ما تسلل إليها المتطرفون والإرهابيون من خلال موجات الهجرة غير الشرعية؛ إذ لم يكن بمقدور السلطات في هذه الحالة أن تفرق بين الإرهابي واللاجئ، وهو ما حذر منه (Giampiero Massolo) رئيس المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (IPSI) بتاريخ 4 مارس 2023م، حيث قال: "يُنظر إلى السواحل الجنوبية للمتوسط بشكلٍ متزايد على أنها نقطة ضعف، ومن ثمَّ، تأتي منها مشكلات الاتجار بالبشر، والظواهر المحتملة للإرهاب. وهذا غير مقبول بالنسبة لنا؛ لأنَّ له تأثيرًا مباشرًا على أمن بلدنا، والبلاد الأخرى" ([4]).

البعد الإنساني:

ليس هناك رحلة هجرة غير شرعية واحدة لم يتعرض أصحابها إلى مخاطر جمَّة، والتي كثيرًا ما تنتهي إما بالموت قتلًا أو جوعًا أو غرقًا لمعظم المهاجرين، إن لم يكن جميعهم. وإذا ما تتبعنا الطرق، أو المسارات التي يسلكها المهاجرون وصولًا إلى سواحل المتوسط، أو في أثناء عبور البحر نجد أن المهاجرين يشتركون جميعًا في المعاناة نفسها؛ إذ يتعرضون للاحتجاز أولًا من جانب عصابات التهريب لفترات طويلة في ظروف قاسية، منتظرين اللحظات التي يستقلون فيها قوارب مطاطية خفيفة، أو قوارب صيد صغيرة باتجاه السواحل الإيطالية، والتي كثيرًا ما يكون مصيرها الغرق نظرًا لتهالكها من جهة، ولحمولتها الزائدة من جهة أخرى، وهناك أيضًا طرق في غرب ليبيا يسلكها المهاجرون للوصول إلى صقلية، أو جزيرة "لامبيدوزا" بجنوب إيطاليا. وفي حال فشل هذه المحاولات للوصول إلى السواحل الأوروبية، فإن الأمر ينتهي بغرق هؤلاء المهاجرين، أو الاختفاء بين الجبال، إضافة إلى عدم إبلاغ أسر هؤلاء الضحايا السلطات الأمنية، خوفًا من المساءلة القانونية، أو اعتقادهم بأن أولادهم سيتعرضون للخطر إذا ما قاموا بالإبلاغ عن المهربين، وربما ينتهي الأمر بالمهاجرين إلى الاحتجاز من جانب سلطات هذه الدول، ومن ثمَّ يقومون بترحيلهم إلى بلادهم الأصلية في معاناة إنسانية، واقتصادية كبيرة ([5]).

إذًا فصعوبات الرحلة -التي تصل أحيانًا إلى حد الموت-تترك أثرًا نفسيًّا حادًّا، وقاسيًا على المهاجرين، وذلك إذا ما تمكنوا من اجتياز مراحل هذه الرحلة الطويلة والمرهقة من بلدان المنشأ، وصولًا إلى السواحل الأوروبية غالبًا ما تترك هذه الرحلات أثرًا نفسيًّا أكثر حدة على الأطفال، وخاصة الأطفال غير المصحوبين بذويهم، الذين يكونون عرضة للاستغلال بمجرد وصولهم، حيث لا يكونون في كثير من الأحيان على دراية بحقوقهم القانونية والدستورية التي تنص على حمايتهم، وغالبًا ما يضطرون لدفع مزيد من المال -بعد أن دفعوا تكاليف رحلة الهجرة-من أجل مرافقتهم إلى مراكز الخدمات العامة. كل ذلك يجعلهم عرضة للاستغلال في ظروف عمل سيئة، أو غير إنسانية لتسديد هذه الديون، كما يمكن أيضًا إجبارهم على أنشطة مشبوهة بما في ذلك الدعارة، والاتجار بالمخدرات، وربما تعرضوا أيضًا لنزع أعضائهم قسرًا ([6]).

أرقام وبيانات:

تشير الأرقام الصادرة عن الجهات الرسمية في إيطاليا إلى تزايد مستمر في أعداد المهاجرين غير الشرعيين. وقد أظهرت البيانات التي نشرتها وزارة الداخلية الإيطالية إلى ما يلي:

 

Image

 

يشير هذا الجدول إلى وصول حوالي (127,207) مهاجرًا منذ بداية العام الجاري 2023م، حتى 15 سبتمبر ٢٠٢٣م، مقارنة بـ (66,237) مهاجرًا في الفترة نفسها من عام 2022م، و(42,750) مهاجرًا عام 2021م ([7]).

أمّا على صعيد الدول المُصدرة للمهاجرين عن الفترة نفسها من العام الجاري، فقد أشارت بيانات وزارة الداخلية الإيطالية إلى ما يلي:

 

Image

 

 

يوضح الرسم البياني احتلال غينيا المركز الأول في قائمة الدول المُصدرة للهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا، وذلك في الفترة من أول يناير حتى ١٥ من سبتمبر 2023م؛ حيث بلغ عدد المهاجرين الذين يحملون جنسيتها (15088) مهاجرًا بنسبة (12%) من إجمالي عدد المهاجرين إلى إيطاليا، ثم تأتي كوت ديفوار في المرتبة الثانية، حيث بلغ عدد المهاجرين (14208) مهاجرين، بنسبة تُقدر بـ (11%)، في حين تحتل تونس المرتبة الثالثة بـ (6115) مهاجرًا بنسبة تصل إلى (9%)، في حين تحتل مصر المرتبة الرابعة بعدد مهاجرين يُقدر بـ (8420)، بنسبة (7%).

وفي ظل تزايد عمليات الهجرة غير الشرعية، وتزايد ضحاياها، وتأثيراتها، تعاني الدول الأوروبية من انقسام واضح، خاصة فيما يتعلق ببناء السياج الحدودي؛ حيث ترى كل من النمسا، والدنمارك، وإستونيا، واليونان، ولاتفيا، وليتوانيا، ومالطا، وسلوفاكيا، أن نظام اللجوء الحالي فاشل، وأن الوقت قد حان لتنفيذ حلول مبتكرة؛ حيث تدعو هذه الدول منذ أسابيع الاتحاد الأوروبي لدعم بناء سياج حدودي، في الوقت الذي ترفض فيه المفوضية الأوروبية الأمر، باعتبار أن بناء الجدران، والأسلاك الشائكة، ليس بالحل السليم.

 

 

الإجراءات الإيطالية:

أما إيطاليا، فمن جانبها تواصل التحرك في عدد من الاتجاهات، منها ما هو على الصعيد الأوروبي كتنفيذ الاتفاقيات المعقودة من أجل تحديد الحصص التي على أساسها سوف يتم توزيع المهاجرين غير الشرعيين على الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي، ومنها ما يخص مضاعفة الجهود من أجل تسهيل الهجرة الشرعية من الدول التي تكافح الاتجار بالمهاجرين، والتي تحذر مواطنيها من مخاطر، ومغبة التعاقد مع المنظمات الإجرامية للوصول إلى أوروبا.

أما داخليًّا، فتشهد إيطاليا مزيدًا من التحول نحو التشدد تجاه الهجرة، خاصةً بعد فوز حزب اليمين المتطرف في الانتخابات الأخيرة. ومنذ تشكيل الحكومة الجديدة، تعهدت السلطات الإيطالية باتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه المهاجرين غير الشرعيين، منها ترحيل أعداد كبيرة من المقيمين منهم.

وفي السياق ذاته، تتعهد دائمًا رئيسة وزراء إيطاليا (Giorgia Meloni- جورجيا ميلوني) برغبة حكومتها في وقف الهجرة غير الشرعية من إفريقيا، ووضع حد للاتجار بالبشر في البحر المتوسط، وشدَّدت على أن الوقت قد حان لمنع المهربين، ومتَّجِري البشر من أن يكونوا هم أصحاب القرار، كما تطالب إيطاليا الدول الأوروبية بتبني موقف أكثر تضامنًا في استقبال المهاجرين، وتعتبر أنَّ المهاجرين الذين يتم إنقاذهم في البحر يجب أن تتحمل مسؤوليتهم الدول التي تبحر السفن تحت علمها. علاوة على ذلك، فإن الحكومة الإيطالية تسعى لإعادة تعريف مفهومي اللجوء، والحدود الأوروبية، كما تهدف إلى إنشاء مراكز احتجاز في أفريقيا لاستيعاب المهاجرين الذين يريدون الهجرة إلى أوروبا.

قانون "كوترو"

أُطلق اسم "كوترو" على القانون نسبة إلى كوترو الواقعة في إقليم "كالابريا" بجنوب إيطاليا، وقد عُرفت هذه البلدة بعد غرق قارب مهاجرين قبالة سواحلها في 26 فبراير ٢٠٢٣م، وراح ضحيته قرابة (94) شخصًا من جنسيات متعددة معظمهم من الأفغان. وفي رد فعل من الحكومة الإيطالية على هذه الحادثة، صدر قانون "كوترو" ونُشر في الجريدة الرسمية في إيطاليا في ٥ مايو ٢٠٢٣م، ويهدف هذا القانون إلى تقويض حقوق المهاجرين، واللاجئين، كما أنه أدخل نوعًا جديدًا من الجرائم تتعلق بالتسبب في وقوع قتلى، وجرحى في أثناء تهريب المهاجرين، وتصل عقوبتها إلى السجن (30) عامًا في حالة وفاة أحد المهاجرين. كما يتضمن القانون أيضًا تشديد العقوبات على كل من يُحفز، ويوجه، وينظم، ويمول، ويقوم بنقل الأجانب إلى إيطاليا، وطبقًا لهذا القانون، فسيكون هناك عدد محدد للإقامات التي ستُمنح في السنوات الثلاث القادمة. يُذكر أن أكثر من (90) جمعية، ومنظمة، ونقابة، نظمت احتجاجات في "روما" للتنديد بهذا القانون مؤكدين أنه لا يعالج الأسباب الحقيقية التي قادت على مر السنين إلى وفاة آلاف الأشخاص في البحر، بل على النقيض يفاقم حالة الأجانب الواصلين إلى إيطاليا.

وعلى الصعيديْن الإقليمي، والدولي، تسعي الحكومة الإيطالية إلى مواجهة الهجرة غير الشرعية من دول المنبع، وبحث سبل، وآليات تنفيذ ذلك. وفي هذا الصدد قام وزير الداخلية الإيطالي (Matteo Piantedosi- ماتّيو بيانتيدوسي) بزيارة إلى دولة تونس، كما قام وزير الخارجية (Antonio Tajani- أنطونيو تاياني) بزيارة إلى جمهورية مصر العربية، مدفوعًا بالعلاقة التاريخية الوطيدة التي تربط بين البلديْن، معتبرًا أن مصر شريك مهمٌّ فيما يتعلق بوقف الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط. وخلال زيارته، صرَّح (تاياني) بأن بلاده مُستعدة لاستقبال المزيد من المهاجرين الشرعيين، بمن فيهم القادمون من مصر، وذلك في إطار الجهود المبذولة لمواجهة الهجرة غير الشرعية، مشيرًا إلى سعي إيطاليا إلى توفير عدد من المشروعات لاستقدام المهاجرين، وتوفير منح دراسية إلى إيطاليا ([8]).

 

 

Image

 

الرؤية المصرية:

أدركت مصر مبكرًا التداعيات، والتأثيرات السلبية للهجرة غير الشرعية؛ إذ بدأ التدوين الرسمي لها عام 2001م، وذلك عندما بدأت الجهات الأمنية المصرية في رصد الشباب المُرحَّل سواء من دول المقصد، أو من دول العبور، وتكرار حوادث غرق قوارب المهاجرين من عام 2011م. ومنذ عام 2007م ظلت إيطاليا، ومالطا، واليونان، وجهات مفضلة للهجرة غير الشرعية للمهاجرين من مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر.

وانطلاقًا من مكانة مصر، ودورها على المستوييْن الإقليمي، والدولي، فإن لها دورًا مهمًّا في الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية؛ لأنه لا يمكن القضاء عليها بالكلية، وإنما يمكن الحد منها بشكل كبير من خلال القدرة على أخذ خطوات استباقية، بعد أن انتشرت الظاهرة بين أوساط الشباب. وعلى مدار السنوات السبع الماضية، تنوعت جهود الدولة المصرية في مواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ووقف تدفقاتها، ومن بين تلك الجهود:

  1. شاركت مصر في إعلان روما بشأن مبادرة الاتحاد الأوروبي والقرن الأفريقي لمساعدة دول القرن في مكافحة أسباب الهجرة غير الشرعية، وذلك في نوفمبر 2014م، إلى جانب مشاركتها بفاعلية في عملية التحضير والصياغة في قمة "فاليتا" بمالطا حول الهجرة غير الشرعية في نوفمبر 2015م.
  2. وقَّعت كل من مصر، وإيطاليا، بروتوكول مكافحة الجريمة والهجرة غير الشرعية في عام 2018م، وتم تجديده عام 2020م، بما يعكس ثقة أجهزة الأمن الإيطالية، والأوروبية بخبرات الأجهزة المصرية، وإمكاناتها التدريبية، كما تتعاون مصر، وإيطاليا في مجالات التدريب، والتأهيل، وتصدير العمالة المصرية لسوق العمل الإيطالي بطريقة شرعية ولائقة، والتصدي لعمليات الهجرة غير الشرعية، كما يهدف هذا البروتوكول لجمع شمل العمال المصريين المقيمين إقامة شرعية في إيطاليا مع عائلاتهم الموجودة في مصر.
  3. تنظر الدولة المصرية للمهاجر غير الشرعي كونه مجني عليه، والجاني هم السماسرة، وتجار البشر، وقد غلَّظ القانون الصادر برقم (82) لسنة 2016م العقوبات على مرتكبي هذه الجرائم، وتغير مفهوم التعامل؛ حيث تمد الدولة يد العون للمهاجر غير الشرعي وتوعيته بمخاطر ما سيواجه خلال رحلة الهجرة، وتسليط الضوء على فرص العمل المتاحة بالمشروعات القومية المتعددة، فضلًا عن توفير برامج تدريب للشباب، حتى يصبحوا مؤهلين للهجرة بشكل شرعي.
  4. نصَّ قانون سنة 2016م الخاص بمكافحة الهجرة غير الشرعية في المادة (٦) على أن: "يُعاقب بالسجن، وبغرامة لا تقل عن (٥٠ ألف) جنيه، ولا تزيد على (٢٠٠ ألف) جنيه، أو بغرامة مساوية لقيمة ما عاد عليه من نفع أيهما أكبر، كل من ارتكب جريمة تهريب المهاجرين، أو الشروع فيها، أو توسط في ذلك".
  5. تأسست اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر رسميًّا في 23 يناير 2017م، بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 192 لسنة 2017م، وتتبع اللجنة رئيس مجلس الوزراء، ومقرها وزارة الخارجية، وتختص بالتنسيق على المستوييْن الوطني، والدولي بين السياسات، والخطط، والبرامج الموضوعة، لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، وتقديم أوجه الرعاية، والخدمات اللازمة للضحايا، وحماية الشهود في إطار الالتزامات الدولية ذات الصلة.
  6. أطلقت مصر إستراتيجيتها الوطنية لمكافحة ومنع الاتجار بالبشر، والتي تهدف الدولة من خلالها إلى رفع مستوى الوعي العام بمخاطر الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، وتعبئة الموارد اللازمة لدعم جهود مكافحة تلك القضايا، ودعم التنمية كأساس لمكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، وتوفير البدائل الايجابية لفرص العمل في مصر، ودعم مسارات الهجرة الشرعية ([9]).
  7. ضمن هذه الجهود تأتي مبادرة "حياة كريمة" لتطوير الريف المصري، والتي تسهم بشكل مباشر في رفع جودة الحياة لمواطنينا بالقرى المصدرة للهجرة غير الشرعية، بجانب العمل على تأهيل، وتدريب الشباب في هذه القرى وفق احتياجات سوق العمل، ويتم ذلك من خلال برامج تدريبية مكثفة بالتعاون مع عدد من الجهات المعنية.

كان من نتائج هذه الجهود الدؤوبة أن نجحت أجهزة الدولة في وقف تدفقات الهجرة غير الشرعية، وإحكام عمليات ضبط الحدود البرية، والبحرية، ووضع إطار تشريعي وطني لمكافحة تهريب المهاجرين، فضلًا عن استضافة ملايين اللاجئين، والمهاجرين من مختلف الجنسيات، والتعامل معهم دون تمييز، وإدماجهم في المجتمع المصري، مع استفادتهم من كل الخدمات الأساسية، والاجتماعية أسوة بالمواطنين المصريين، إضافة إلى ضمان حرية حركتهم، وعدم عزلهم في مخيمات، أو معسكرات إيواء ([10]).

من جانبه، يثمّن مرصد الازهر لمكافحة التطرف رؤية الدولة المصرية في مكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، مشيدًا في الوقت نفسه بتصريحات فضيلة الإمام الأكبر  شيخ الأزهر التي أكد فيها على أهمية توعية الشباب بمخاطر الهجرة غير الشرعية، والوقوف على الأسباب التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بأرواحهم من أجل مستقبل مجهول، وإيجاد الحلول البديلة لها. كما يثمن مرصد الأزهر المبادرات والقوانين الصادرة في هذا الشأن، والتي ترى في هؤلاء المهربين مسؤولين عن جرائم قتل الشباب الأبرياء، وينبغي أن تصل العقوبة في حقهم إلى حد الإعدام.

وإذ يؤكد مرصد الأزهر على أن الهجرة غير الشرعية هي أحد السبل التي تتخذها الجماعات الإرهابية المتطرفة؛ بهدف إدراج عناصرها الإرهابية داخل البلدان الأوروبية، فإنه يؤكد أن معاناة اللاجئين، والمهاجرين هي مأساة إنسانية، وأن استمرارها يعرض حياة الأبرياء للخطر، كما أن العمل على معالجة الدوافع المسببة لها أمر لا يختلف عليه أحد. وختامًا يطالب المرصد بتعزيز، وتفعيل المزيد من الممرات الإنسانية التي تضمن للمهاجرين الانتقال إلى بلد أوروبي بطريقة شرعية، تكفل له الحقوق، والأمان.

وحدة رصد اللغة الإيطالية

 

[1]- وحيد عبد المجيد وآخرون، الهجرة غير النظامية، دراسة الحالة المصرية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، القاهرة، 2018، صـ 23.

[2]- نسرين البغدادي وآخرون، بحث الهجرة غير الشرعية للشباب في المجتمع المصري، اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير المشروعة بالتعاون مع المجلس القومي لحقوق الإنسان والمركز القومي للبحوث الاجتماعية الجنائية، القاهرة، 2015م، صـ 8.

[3]- أحمد يوسف محمد عبد النبي، تأثير الهجرة غير المشروعة على الأمن القومي المصري، أكاديمية ناصر العسكرية للدراسات العليا، العدد الأول، السنة الأولى يناير 2023م، صـ 59.

[4]- للمزيد عن الصلات المحتملة بين الهجرة غير الشرعية والإرهاب كما يفترض Massolo، انظر:

https://www.sicurezzanazionale.gov.it/sisr.nsf/archivio-notizie/terrorismo-massolo-attenti-ma-non-allarmati.html

[5]- محمد محمود السرياني، هجرة قوارب الموت عبر البحر المتوسط بين الجنوب والشمال، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2010، صـ 180.

[9]- للمزيد عن الإستراتيجية الوطنية لمكافحة ومنع الاتجار بالبشر، راجع موقع اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر:

 https://www.nccpimandtip.gov.eg/ar/Home

[10]- للمزيد عن جهود مصر في مكافحة الهجرة غير الشرعية، انظر موقع الهيئة العامة للاستعلامات:

https://www.sis.gov.eg/

 

قراءة (926)/تعليقات (0)