31 ديسمبر, 2014

أسباب اختلاف الأئمة فى القرآن والسنة (4)

أسباب اختلاف الأئمة فى القرآن والسنة (4)

فى فقه الاختلاف
أسباب اختلاف الأئمة فى القرآن والسنة (4)
ثانيًا: أسباب الاختلاف التي تخص السنة وحدها:
وترجع هذه الأسباب إلى ثلاث جهات: جهة الرواية والنقل، وجهة فعل الرسول ودلالته بالنسبة إلى الأمة، وجهة تكييف التقرير الصادر منه ﷺ لفعل شيء رأي غيره يفعله.
الاختلاف الذي يخص السنة من جهة النقل والرواية:
5- والاختلاف الذي يرجع إلى هذه الجهة يمكن إجماله فيما يأتي:
أن يصل الحديث إلى أحد الأئمة بينما لا يصل إلى غيره، أو يصل إليهما، ولكن يصل إلى أحدهما عن طريق لا تقوم به الحجة، بينما يصل إلى الآخر عن طريق تقوم به الحجة، أو يصل إليهما من طريق واحد، ولكن يرى أحدهما أن في بعض رواته ضعفا لا يراه الآخر، أو يصل إليهما من طريق واحد متفق على أوصاف رجاله، غير أن أحدهما يشترط في العمل بمثله شروطا لا يشترطها الآخر، كعرضه على كتاب الله، أو فقه المحدث، أو اشتهار الحديث فيما تعم به البلوى، أو الاتصال وعدم الإرسال، وغير ذلك.
وقد نشأ من هذه الجهة اختلاف واسع النطاق بين أئمة الحديث، وتبعه اختلاف الفقهاء في العمل بالأحاديث المروية، وعدم العمل بها، ولعل ذلك أوسع أسباب الاختلاف بين الأئمة في الأحكام التي للسنة دخل فيها، إما على سبيل الاستقلال، أو على سبيل البيان للكتاب.
الاختلاف الذي يخص السنة من جهة الفعل:
6- فإنه بالنظر إلى فعل الرسول ودلالته بالنسبة إلى الأمة يتبين ما يأتي:
(1) فعل ثبت أنه من خواصه عليه السلام، وذلك كوجوب صلاة الضحى، والتهجد بالليل، والتزوج بما فوق الأربع، أو بغير مهر، وهذا القسم لا يدل الفعل فيه على مشاركة الأمة له.
ولكن قد يقع الخلاف بين العلماء في أن الفعل خاص به، أو عام يشمل أمته، وذلك كالتزوج بلفظ الهبة، فقد أجازه الحنفية، بدلالة قوله تعالى:
وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب : 50]
بناء على أن الأصل في أفعاله ﷺ أن تكون تشريعا عاما، ولم يثبت لديهم خصوصية ذلك به ﷺ، ومنعه غيره بناء على أنه خاص به ﷺ، كما ترشد إليه الآية في قولها: خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. ووجه الحنفية هذا الخلوص إلى سقوط المهر، لا إلى الصيغة.
وينبنى على هذا أنه يجوز لغيره من أمته أن يعقد النكاح بلفظ الهبة على مذهب الحنفية، ولا يجوز ذلك على مذهب الشافعية، مع اتفاقهم جميعا على عدم سقوط المهر، وإن لم يجر له ذكر في العقد ولا فيما بينهما.
(2) ثبت أنه بيان لنص من الكتاب، وهذا تشريع في حق الأمة باتفاق، وحكمه حكم النص الذي يعتبر أصلا له، فإن كان الوجوب فالوجوب، أو الندب فالندب، أو الإباحة فالإباحة.
ويعرف أن الفعل بيان للنص تارة، بصريح مقاله ﷺ، كقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقوله ﷺ: «خذوا عني مناسككم» فإنهما قد دلا على أن صلاته عليه الصلاة والسلام، بيان لقوله تعالى:
وأقيموا الصلاة         [البقرة : 43]
وأن حجته وعمرته، بيان لقوله تعالى:
وأتموا الحج والعمرة لله  [البقرة : 196]
ويعرف تارة أخرى بوقوعه عقب مجمل، أو عام، أو مطلق لم يسبق منه بيان له لعدم تطبيقه، وذلك كقطعه ﷺ يد السارق من الكوع، بيانا لقوله تعالى:
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما
[المائدة:38]
وكتيممه إلى المرفقين ومسحه كل الوجه، بيانا لقوله تعالي:
فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه [المائدة:6]
هذا وقد يقع الخلاف أيضا في أن الفعل الصادر منه بيان، أو ليس بيانا، فينشأ بذلك خلاف في الحكم الذي يدل عليه. وهذا مثل مداومته ﷺ، على المضمضة والاستنشاق في الوضوء، فإن الحنفية قالوا بعدم وجوبها مع مواظبته عليها بناء على أنها ليست بيانا للوضوء الواجب، ورأى غيرهم وجوبها في الوضوء، بناء على أن مواظبته عليها كانت بيانا للوضوء الواجب.
3- فعل لم تثبت خصوصيته به ﷺ، ولم يثبت أنه وقع بيانا لنص سابق عليه، ولكن قد عرفت له صيغة شرعية من قبل أن يفعله، وذلك مثل صلاة النوافل الراتبة مع الفرائض، قبلا أو بعدا، وحكم هذا القسم أن أمته مثله فيه.
4- فعل لم يثبت فيه شيء مما تقدم، لا الخصوصية، ولا البيان، ولا معلومية الصفة الشرعية.
وهذا القسم قد اختلف العلماء في صفته بالنسبة إلى الأمة – على أقوال: قيل يدل على الوجوب، وقيل يدل على الندب، وقيل يدل على الإباحة، والمختار أنه إن كان قربة، أي من جنس ما يتقرب به إلى الله، ولم يواظب عليه، دل على الندب في حق الأمة، وإن لم يكن من جنس القربات، دل على الإباحة بالنسبة لها، وإنما كان هذا هو المختار لأن المتيقن من صدور الفعل منه ﷺ إباحته، فلا يثبت ما زاد عليه إلا بدليل.
وبهذه القاعدة التي ذكرناها لأفعال الرسول ﷺ يعرف منشأ اختلاف الأئمة فيما ورد منها بالنسبة للأمة.
الاختلاف الذي يخص السنة من جهة التقرير:
7- أما التقرير، وهو سكوته ﷺ عن الإنكار عند رؤيته شخصا يفعل شيئا فقد اتفق العلماء على أنه يدل على إباحة ذلك الفعل، لأن النبي ﷺ، لا يقر أحدا على فعل منكر في الدين، وشرطوا لذلك أن يكون قادرا على الإنكار، وأنه لم يعلم تقدم إنكاره على ذلك الفعل، فإن لم يكن قادرا على الإنكار، أو كان قادرا ولكن علم تقدم إنكاره عليه فإنه لا يدل على إباحة الفعل.
وقالوا أيضا إن التقرير المذكور إذا اقترن بالاستبشار وإظهار الفرح بالفعل الذي رآه، كان ذلك أدل على الإباحة.
وقد يوجد التقرير، ويظهر الاستبشار، ولكن يختلف العلماء في مثار التقرير، ومنشأ الاستبشار، أهو مشروعية الفعل فيدل على الإباحة، أم شيء آخر وراء المشروعية، وأن المشروعية لم تكن ذات دخل في التقرير والاستبشار فلا يدل على الإباحة؟
وقد كان من أثر ذلك، اختلاف الفقهاء في اعتبار «القيافة» دليلا على ثبوت النسب، فذهب إليه مالك والشافعية، وخالفهم في ذلك الحنفية.
والقيافة مصدر قاف قيافة، والقائف هو الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف أصحابها، ويعرف شبه الرجل بأبيه وأخيه، والأصل في هذا الموضوع ما روي عن عائشة رضى الله عنها قالت: «دخل عليَّ ﷺ ذات يوم مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم ترى إلى مجزز المدلجي، نظر آنفا إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، فقال: «هذه الأقدام بعضها من بعض» وكان الكفار يقدحون في نسب أسامة من زيد، لأنه كان أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض شديد البياض، أقر الرسول ﷺ في هذه الحادثة مجزز المدلجي على القيافة، واستبشر بمقالته التى قالها في زيد وأسامة، والتقرير المقترن بالاستبشار، أقوى صور التقرير الذي يدل على إباحة الفعل.
ومن هنا قال مالك، والشافعي، وجماهير العلماء، باعتبار «القيافة» دليلا في ثبوت النسب، ولكن الحنفية قالوا إن سكوت النبي ﷺ على فعل مجزز وعدم الإنكار عليه، ليس تقريرا لفعله، حتى تتخذ القيافة دليلا على ثبوت النسب، لأن نسب أسامة كان معلوما من قبل وأنه لزيد، وإنما كان الكفار يقدحون في نسبه لما بينه وبين أبيه من تباين اللون، واستبشاره إنما كان لإلزام الكفار الطاعنين في نسب أسامة، بما يقررونه ويعتمدون عليه في عاداتهم وأعرافهم، وإذًا فليس السكوت في هذه الحادثة من باب التقرير الدال على مشروعية الفعل، حتى تكون القيافة دليلا على ثبوت النسب. فهذا نوع اختلافهم في دلالة التقرير المقترن بفعل خاص، على مشروعية ذلك الفعل أو عدم المشروعية.
أما ترجيح أحد الرأيين في المسألة، فسبيله استقصاء كل ما ورد فيها، ومرجعه كتب الفقه والحديث، وإن الناظر فيها يخرج بترجيح رأي الجمهور، واعتماد أن «القيافة» دليل يعتمد عليه شرعا في ثبوت النسب، وهو بعد هذا يلتقي مع ما تقرر في الشريعة على وجه عام من وجوب الرجوع في معرفة الوقائع على وجهها، إلى قول أهل البصر والمعرفة. وقد كان هذا أصلا عظيما في الأخذ برأي الطب الشرعي، في الحوادث التي يعتبر القانون نظرها، لتبين جهة الحق فيها، من اختصاصه. ويمكن أن نلج من هذا الباب إلى الاعتماد في القضاء والحكم على الوسائل الجديدة التي لم تعرفها الفقهاء من قبل، كتحليل الدم وكآثار الأيدي والأقدام، وغير ذلك، مما يعرفه علماء التحقيقات الجنائية وأهل الخبرة، ويشهدون بصحتها، أخذا من التطبيق المتكرر الذي يحدث علما أو غلبة ظن على الأقل، في حقيقة ما يدل عليه.
ولهذا الموضوع صلة وثيقة بموضوع الحكم بالقرآن في الشريعة، وما القيافة وتحليل الدم، وإظهار آثار البصمات ومضاهاتها إلا قرائن لها دلالات يفهمها العارفون لها.

قراءة (3462)/تعليقات (0)

كلمات دالة: