31 ديسمبر, 2014

حث الإسلام على الإخاء

حث الإسلام على الإخاء

حث الإسلام
على الإخاء

يحتفل المسلمون فى جميع أنحاء العالم فى هذا الشهر الكريم بمولد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وسيد الخلق أجمعين.
سيدى يارسول الله، إن الحديث عن سيرتك العطرة، وتاريخك الوضاء، ومنهج حياتك فى معاملاتك مع أصحابك ومع أعدائك، وعن مواقفك الحكيمة، وإرشاداتك السديدة، وتوجيهاتك الرشيدة فى جميع مجالات الحياة حديث يطول ويطول ويطول.. لا تكفيه مقالات، ولا توفيه صحائف كتب ومجلدات..
غير أننا ونحن نستقبل هذه الذكرى العطرة لمولدك الشريف هذا العام، وحالة المسلمين قد صارت إلى ما هى عليه من الضعف والهوان، والذلة والانكسار، والخضوع والخنوع، والفرقة والانقسام.. وأنهم صاروا كالأيتام على مائدة اللئام، لا وزن لهم ولا قيمة، ولا شخصية لهم ولا اعتبار، مسلوبو الإرادة، مشلولو الحركة، تُحدد أوضاعهم وساحة تحركاتهم وحجم قدرتهم القوى العظمى فى العالم فى غيبة عن حضورهم بعد أن فقدوا إرادتهم وصاروا أمواتا فى صورة أحياء، نتيجة ما أصاب جمعهم من فرقة وتمزيق، وما أصاب أخلاقهم من عقد وعلل .. وما أصاب سلوكهم من انحراف وبعد عن أحكام دينهم، وما أصاب بعض حكامهم من سفه وفقدان رشد .. لايقيمون للدين وزنا، ولا للوطن قيمة، ولا للدماء والأعراض والأموال حرمة .. وصاروا ينفقون أموال المسلمين على إثارة الفتن والمؤامرات، وغرس بذور الإرهاب والدمار، وقتل المواطنين الأبرياء، وشراء ذمم بعض ضعاف النفوس وتكوين خلايا إرهابية منهم ... وللأسف إطلاق أسماء إسلامية على جماعاتهم .. والإسلام منهم برىء...
سيدى يارسول الله، ونحن نستقبل هذه الذكرى العطرة - فى ظل هذه الأوضاع السيئة - علينا أن نعيد قراءة ودراسة سيرتك وتاريخك، وأن نصحح أوضاعنا ونعدل سلوكنا بما يتفق وتعاليم ديننا وشريعة قرآننا، ويتمشى مع أحكام وهدى سُنتّك...
إن المؤاخاة التى أقامها رسول الله ﷺ بين الأنصار والمهاجرين فى المدينة عند الهجرة إليها أبرز علامة على دعوة الإسلام إلى الإخاء بين المسلمين .. فكانت تقيم العلاقات بين القاطنين «الأنصار» وبين الوافدين «المهاجرين» على العطاء والبذل فى سبيل الله، وعلى الإيثار عن سماحة وطيب نفس، وعلى المساواة بين الأنساب والأجناس وعلى تبادل الاحترام والحب، وعلى إسداء المعروف وتقديم العون عن رغبة صادقة فيه لا عن تكليف به، يقول الله تعالى:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ مع كل هذا كان من صفات الأنصار أيضًا أنهم لا تتطلع نفوسهم إلى شىء مما أعطى للمهاجرين من الفىء أو غيره .. لأن المحبة التى ربطت قلوب الأنصار بالمهاجرين جعلت الأنصار يرتفعون عن التشوق إلى شىء مما أعطاه الرسول ﷺ المهاجرين وحدهم.
ثم مدح الله جل وعلا الأنصار بصفة كريمة: فإن من صفات الأنصار أنهم كانوا يقدمون فى النفع إخوانهم المهاجرين على أنفسهم ولو كانوا فى حاجة ماسة، وفقر شديد واضح إلى ما يقدمونه لإخوانهم المهاجرين.
لقد جعل الإسلام الأخوة والمؤاخاة فى الله تعالى أسمى أخوة وأعلاها قدرا وأشرفها منزلة، وجعلها فوق كل أخوة، يقول الله تعالى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ، أى: إنما المؤمنون إخوة فى الدين والعقيدة، فهم يجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الأخوة أصل واحد وهو النسب .. وكما أن أخوة النسب داعية إلى التواصل والتراحم والتناصر فى جلب الخير ودفع الشر، فكذلك الأخوة فى الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح، وإلى تقوى الله وخشيته .. ومتى تصالحتم واتقيتم الله تعالى كنتم أهلا لرحمته ومثوبته، واستحق المتآخيان فى الله أن ينالا حب الله، ومن نال حب الله فقد حاز خيرى الدنيا والآخرة، عن أبى هريرة ‹ عن النبى ﷺ قال: «إن رجلا زار أخا له فى قرية أخرى، فأرصد الله له على مَدْرجته - الطريق - ملكا. فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لى فى هذه القرية. قال: هل لك عليه نعمة تَرُيُّها؟ قال: لا غير أنى أحببته فى الله عز وجل، قال: فإنى رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه»(1).
إن الأنانية آفة تصيب الإنسان وتغتال فضائله، وإذا سيطرت نزعاتها على امرئ محقت غيره، ونمت شره، وحصرته فى نطاق ضيق خسيس لا يعرف منه إلا شخصه، ولا يرى فيه إلا ذاته، ولا يهتاج بالفرح أو الحزن إلا لما يمسه فقط من خير أو شر، أما المجتمع الذى يكتنفه، والدنيا الواسعة التى يعيش فيها الملايين من البشر الذين يحيطون به من كل جانب فهو لايعرفهم إلا فى حدود مايصل إليه عن طريقهم من نفع.
وقد حارب الإسلام هذه الأنانية الظالمة بالأخوة العادلة، وأفهم الإنسان أن الحياة ليست له وحده، وأنها لا تصلح به وحده، فليعلم أن هناك أناساً مثله إن ذكر حقه عليهم ومصلحته عندهم فعليه أن يذكر حقوقهم عليه ومصالحهم عنده، وتذكر ذلك يخلع المرأ من أنانيته البغيضة وأثرته الحقيرة، ويحمله على الشعور بغيره حين يشعر بنفسه، فلا يبخس غيره، ولايعتدى على حقوقه..
من حق أخيك عليك أن تكره مضرته، وأن تبادر إلى دفعها عنه، فإن مسه ما يتأذى به شاركته الألم، وأحسست معه بالحزن، أما أن تكون ميت العاطفة، قليل الاكتراث، لأن المصيبة وقعت بعيدا عنك فالأمر لا يعنيك فهذا تصرف لئيم، وهو مبتور الصلة بمشاعر الأخوة الغامرة التى تمزج بين نفوس المسلمين فتجعل الرجل يتأوه للألم الذى ينزل بأخيه مصداقا لقول رسول الله ﷺ : «مثل المؤمنين فى توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»(2).
من شدة حرص الإسلام على تحقيق الأخوة بين المسلمين، ومن المكانة السامية التى للأخوة فى الإسلام، ومن تعدد الثمار الطيبة وكثرتها التى يجنيها المجتمع الإسلامى من نشر الأخوة بين أفراده. اهتم الصحابة رضوان الله عليهم وعلماء المسلمين بالحديث عن الأخوة وبيان الأقوال والأعمال والأفعال التى تعمل على تحقيقها. من ذلك:
- وكان عبدالله بن مسعود يقول: كنا إذا افتقدنا الأخ أتيناه، فإن كان مريضا كانت عيادته، وإن كان مشغولا كانت عونا، وإن كان غير ذلك كانت زيارة.
- قال لقمان لابنه: أى بنى واصل أقرباءك، وأكرم إخوانك، وليكن إخوانك من إذا فارقتهم وفارقوك لم تعب بهم.
- وقال أيضا: يا بنى من لا يملك لسانه يندم، ومن يكثر المراء يشتم، ومن يصاحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يصاحب الصالح يغنم.
سيدى يا رسول الله. ما أحوجنا الآن - ونحن نعيش فى ذكرى مولدك - إلى الرجوع إلى الله والعودة إليه، وتطبيق أوامره وتعاليمه، ونبذ الفرقة والخلاف فيما بيننا، وتطبيق الإخاء والترابط والتلاحم بين المسلمين، والوقوف صفاً واحداً ضد المارقين عن تعاليم الإسلام الصحيحة، الذين يسعون فى الأرض فسادا ينشرون الإرهاب ويخربون البلاد ويقتلون الأبرياء!!

قراءة (1959)/تعليقات (0)

كلمات دالة: