31 ديسمبر, 2014

تأملات فى السيرة.. قتال نُكْرَه عليه وليس اعتداء نسعى إليه

تأملات فى السيرة.. قتال نُكْرَه عليه وليس اعتداء نسعى إليه

تأملات فى السيرة
قتال نُكْرَه عليه وليس اعتداء نسعى إليه

قلت لك فى المقال السابق سوف أتناول بعض آيات من سورة الفتح تتناول بعضا من أحداث صلح الحديبية، وتحدثت إليك عن أول السورة والآن أتحدث إليك حول قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا                                  (الفتح: 10)
والذى يسترعى الانتباه ويدفعنا إليه النص الكريم دفعاً هو أن النص القرآنى خلا من أداة التشبيه، فلم يقل إن الذين يبايعونك كأنهم يبايعون الله، إنما تخطى التشبيه وأداة التشبيه ليأتى بأسلوب أعجز عن التعبيرعنه لكنى أستوعبه وأشرب قلبى وعقلى معناه وأجد العبارة لم تستطع أن تستوعب محتواها وأن الكلمات تعجز عن التعبير عنه، لكنى وجدت بعض السلوى فى كلمات سادتنا الصوفية. وللحق  إن بعض كلامهم لا تحتمله. بل لا تطيقه هذه العجالة فى مقال ثائر.  لكن الذى يُحتمل ويمكن أن يُقال: ما روى عن أبى طالب المكى فى كتابه قوت القلوب(1) قال:(هذه أمدح آية فى كتاب الله وأبلغ فضيلة فيه لرسول الله ﷺ لأنه جعله فى اللفظ بدلا عنه وفى الحكم مقامه. ولم يُدخل فيه كاف التشبيه ويقول كأنما ولا لام المِلك فيقول لله وليس هذا المقام ــ من الربوبية ــ لأحد من الخلق سوى رسول الله ﷺ)، وقال الحلاج فيما رُوى عنه: لم يُظهر الحق تعالى مقام الجمع على أحد بالتصريح إلا على أخص نَسَمِه وأشرف خلقه ﷺ وقال:
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه
رجع النبى ﷺ وأصحابه من الحديبية وقد ملئ قلوب أصحابه يقيناً مشوباً بشىء غير قليل من القلق والتبرم يجافى الرضا بما حدث، ونكاد نقول إنه وصل إلى حد الإكراه والرفض، على أن طائفة أخرى من الراجعين قد بلغ بهم الرضا والحبور حداً لا نستطيع أن نصوره إلا أنه بلغ عين اليقين بنصر الله وقائد هذه الفئة وزعيمهم هو رسول الله ﷺ بلا منازع ويتبعه فى درجة من اليقين لا تطاوله ﷺ دون شك لكنها تتبعه فى ثبات واقتدار وهو الصديق أبو بكر‹، ورغم كل شىء فإن آيات الله سبحانه وتعالى فى قوله جل شأنه: ﱹﭑ      إنا فتحنا لك فتحا مبينا
(الفتح: 1)
تظلل جميع الركب العائد إلى المدينة فى رضوان من الله، وما آلت إليه الأمور بعد صلح الحديبية يكاد يحكم كل معاهدات المتحاربين من لدن رسول الله ﷺ حتى وقتنا هذا، فإن أى مفاوض بعد معركة لم يُكتب لها النهاية المحتومة وصار الأمر فيها معلقاً لو جنح إلى الصلح والمهادنة يكون فى نهاية المطاف هو الرابح دون شك، وأذكر أن صديقاً لى فى خلاف بين كريمته وبعض شركاء السكن قام نزاع بينهم لم تزده الأيام إلا شقاقاً واختلافاً حتى أصبح الأمر سجالاً بين ابنته وبين جيرانها رأيت الرجل ــ بحكمة بالغة ــ جنح إلى الصلح والمهادنة رغم اعتراض كل من كان معه حتى إن ابنته رأت أن ذلك من والدها تهاوناً وتفريطاً فى حقوقها، إذ كان يجب – من وجهة نظرها - أن يثأر  لها ولا يُفرط فى حقوقها، وأذكر أنى كنت على صلة بهذا الصراع بين الجيران كما أننى كنت أتابع الحوار بين المتخاصمين ورغم أن طبيعتى لا تميل إلى الخصام والمنازعة إلا أننى فى ضوء ما كان يجرى أمامى لم أكن أميل إلى الصلح بمحض العدل والعقل إلا أننى لم أر أنه يجب علىّ أن أناقش الأب فيما جنح إليه مراعاةً لجانب أبوته، وأكاد أقول أننى استسلمت لرأيه مرغماً غير راض لما جنح إليه إلا أن الرجل بعد أن انتهى المجلس وخلوت أنا وهو بادرنى بقوله: لماذا هذا التشدد منك ورفضك لمبدأ الصلح مع أنى أعهد منك أن من طبيعتك الميل إلى الموادعة وترك النزاع والتنازل عن الكثير من حقوقك فى سبيل إنهاء أى نزاع بينك وبين الآخرين؟ قلت على الفور: لكنى بنفس الدرجة أو أكثر أكره الظلم منى أو علىّ، أمّن الرجل على كلامى ثم قال لى مبرراً موقفه: ألا تذكر أو لعلك قد نسيت موقف النبى ﷺ عندما جنح إلى الصلح يوم الحديبية رغم اعتراض كثير من الصحابة ــ رضوان الله عنهم ــ على مبدأ الصلح ثم ما آلت إليه الأمور من الفتح العظيم والنصر للإسلام والمسلمين من جراء هذا الصلح الكريم المبارك، ثم أمّنت على كلامه وباركت قوله ومنهجه، وقلت: إن كنت كما تقول - وأحسب صاحبى صادق فيما
قال – فجزاك الله خيراً ولقد بارك الله فى منهجه وموقفه بسبب اقتدائه برسول الله ﷺ وعاش الجيران المتخاصمون فى أمن وسلام.
وبعد فإن أكثر كتّاب السير والمفسرين يفهمون قوله تعالى وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا         (الفتح: 20)
يفهمون (فعجل لكم هذه) على أنها مغانم خيبر، حتى إن كثيرًا من العامة يتصورون أن فتح خيبر كان عقب الحديبية، لكن فى الواقع والثابت تاريخيا أن موقعةً عابرة حدثت قبل يوم خيبر وتعرف بأنها غزوة (ذى قَرَد): وهى غزوة أكره عليها رسول الله ﷺ والمسلمون فلم يكن رسول الله ﷺ والمسلمون هم البادئون بالغزو، ولم يكونوا هم المُشعلون للحرب فى هذه الغزوة ولا فى أى غزوة غزاها رسول الله ﷺ كما يزعم المرجفون من كتاب الغرب والمستغربين من أن الإسلام انتشر بالسيف، فلم تكن غزوة فى تاريخ الاسلام كله إلا صداً لهجوم أو طلباً لحق أو إرساء لمبدأ، لا كما تفعل أمريكا اليوم ورغم أن أفعالها رديئة قبيحة فإن ما يفوقه قبحاً وفجاجة أنها تغلف أعمالها الرديئة بعبارات خلابة براقة، فهى التى أنشأت داعش ومازالت تمدها بالمال والسلاح رغم ما تعلنه للعالم بأنها تقاوم داعش وتحاربها، ومن المكر السيئ أنها دعت العالم خصوصا العالم العربى لتكوين جبهة لمحاربة داعش حتىوهى بذلك تصل إلى غرضين وما خفى كان أعظم، أولهما: أنها تدخل العالم العربى مدعوة من العرب أنفسهم حتى لا يقال أنها معتدية تتدخل فى شئون الآخرين، وثانهما: أن العالم كله شريك فيما يجرى يتحمل تبعاته ومسئولياته جميعا أما إن كتب لها النصر على داعش وغيرها فإنها هى صاحبة الفضل الأول والأخير، وإن كانت الأخرى فيكفى أنها دمرت وخربت العالم الإسلامى بما يؤخره عن ركب الحضارة قرونا عدة، ومن الغريب والخبيث أنها عندما تحارب داعش لا يذكر إعلامها اسم داعش إنما يقول الدولة الإسلامية فأين ذلك كله بالله عليك من غزوات النبى ﷺ ودعنى أذكر لك عن غزوة (ذى قَرَد) وسببها المباشر أن رأساً من رؤوس المنافقين هو عيينه بن حصن أغار على إبل لرسول الله ﷺ أمنة مطمئنة وتخيل المنافق أن المسلمين منشغلون بآثار صلح الحديبية فهجم على إبل رسول الله ﷺ وأراد أن يغتصبها، ويروى أن أبا ذر ‹ استأذن رسول الله ﷺ أن يكون راعى هذه الإبل فقال له رسول الله ﷺ – لا أقول أنه بفراسته أدرك خطورة المنافقين على الإبل فى هذا المكان لكنى أقول أنه كان يعلم من أمر النافقين كل شئ - فقال لأبى ذر ‹ : إنى أخاف عليك من هذه الضاحية أن تغير عليك ونحن لا نأمن من عيينه بن حصن وذويه والإبل فى طرف من أطرافهم، فألح أبو ذر فقال له رسول الله ﷺ – تأمل وصف رسول الله ﷺ لما سيحدث لأبى ذر وهو يعاينه وليس ذلك ببعيد ولا غريب فقد وصف بيت المقدس للمشركين لما أنكروا زيارته لبيت المقدس وطلبوا منه أن يصف لهم المسجد
الأقصى – : الكأنى بك قد قتل ابنك وأخذت امرأتك وجئت تتوكأ على عصاكب فكان أبو ذر يقول: عجبا لى أن رسول الله ﷺ يقول الكأنى بكب وأنا ألح عليه، فكان والله ما قال رسول الله ﷺ. يحكى أبو ذر ما حدث له، فقال: إنى لفى منزلنا وإبل رسول الله ﷺ قد رُوّحَت وعُطّفَت وحلبت عتمتها ونمنا فلما كان الليل.  أحدق بنا عيينة بن حصن فى أربعين فارساً فصاحوا بنا وهم قيام على رؤوسنا فأشرف لهم ابنى فقتلوه، وكانت معه امرأته وثلاثة نفر فنجوا فتنحيت عنه، وشغلهم عنى إطلاق عقل الإبل ثم صاحوا فى أدبارها فكان آخر عهدى بها ولما قدمت على رسول الله ﷺ وأخبرته تبسم ﷺ وأحسب أنى لست فى حاجة فى أن أسرد لك أحداث الغزوة لكنى أرجوك أن تتأمل وتقارن بين أفعال شيطان العالم الأكبر (أمريكا) ومن يزعمون من الغربيين أن الإسلام انتشر بالسيف ومن على شاكلتهم من المستغربين الذين ابتلى بهم مجتمعنا الإسلامى أن تقارن بين كل هؤلاء وبين وقائع غزوة (ذى قَرَد) التى هوجمت فيها إبل النبى ﷺ فكيف يريدون أن يواجه النبى ﷺ هذا الاعتداء الغادر الخسيس.
إلى لقاء آخر إن شاء الله.            

قراءة (2899)/تعليقات (0)

كلمات دالة: